..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


سوريا المعاصرة

الطريق إلى دولة العصابة 11: ولادة سوريا الأسد

أحمد الشامي

21 فبراير 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 8710

الطريق إلى دولة العصابة 11: ولادة سوريا الأسد
9998878.jpeg

شـــــارك المادة

منذ أول مقالة تطرقت لإنشاء دولة الأسد وعلاقاتها المشبوهة خاصة مع العدو الإسرائيلي، تلقينا العشرات من التعليقات التي تنتقد "نقص المراجع" التي نعتمد عليها، وخاصة السؤال الذي يعاد طرحه بعد كل مقال: "أين الدليل على خيانة النظام؟".


انعدام التوثيق المستقل لاعمال النظام أو ندرته الشديدة، ولجوء الرئيس المؤسس له لكاتب سيرة “مساير" مثل “باتريك سيل"، وبعده “جوشوا لانديس" يكفيان للتشكيك في مصداقية هذين الكاتبين وفي حيادية مصادرهما. هل نتصور مثلاً كاتباً لسيرة “ستالين" يقدر على كشف سادية هذا الاخير التي نعرفها الآن، ويستطيع التحرك والسؤال بحرية في اتحاد سوفييتي تحت الحكم الستاليني؟ هناك العشرات ممن كتبوا سيرة ستالين وماو وكيم ايل سونغ وكلهم يمجدون هؤلاء الطغاة. فقط حين يسقط النظام تتبين الحقيقة عارية.
ممنوع في سوريا ذكر اسم الرئيس “بغير الخير…"! فما بالك بنبش أسرار عائلته! كمثال واحد: "دانييل لوغاك"(La Syrie du Général Assad) المراسل الصحفي الفرنسي في لبنان خصص كتاباً لسياسة الأسد ذكر فيه في سطرين ما غاب عن فصلين كاملين في كتاب “باتريك سيل": وهو أن “مواهب الجد المؤسس للعائلة ووالد الأسد الأب وقوتهم الجسدية كانتا في خدمة الاقطاعيين العلويين"، وأن الاثنين كانا “شبيحة" في خدمة ملاكي الأراضي الذين كانوا يسلطون عائلة الاسد على الفلاحين العلويين الفقراء. وهناك الكثير من الأمثلة من نفس النوع، مثل الأثمان المرتفعة التي تقاضاها الأسد لقاء تحرير الرهائن الغربيين في لبنان والتي غابت تماماً عن كتب “سيل" و"لانديس".
"سيل" لم يكن محايدأ ولا مجنوناً أو انتحارياً ليفضح أسرار الأسد، فالرجل "يريد أن يعيش" مثله مثل "جوشوا لانديس"، ومثل كل من تسولوا مكرمات النظام وحسناته. فلا يظنن أحد أن "سيل" و"لانديس" يعتاشون من بيع كتبهم التي تمجد الاسد!
ثم كيف لإثبات العلاقة العضوية بين نظام الاسد والنظام العنصري الإسرائيلي؟ فقط حين نقبض على مسؤولين لإسرائيليين في دمشق، لكن من سوف يقبض على هؤلاء؟ لئن كان نظام الممانعة في دمشق لم يقبض على أي جاسوس لإسرائيلي أو حتى عميل لإسرائيلي منذ “كوهين" في حين تم إلقاء القبض على الكثير من “عملاء العدو" في لبنان "غير المقاوم"! طريقة أخرى هي الحصول على وثائق ومحاضر اجتماعات مسؤولي النظام مع العدو، لكن هذه الوثائق لن تكون في متناول الباحثين لأسباب أكثر من مفهومة وربما لن يتم العثور عليها قبل سقوط النظام.
دعنا إذاً نطرح السؤال بشكله الصحيح على مبدأ "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر". كاتب هذه السطور لا يدعي لا ممانعة ولا صموداً ولا حتى معارضة، فرصيدنا من الاعتقال والصفعات لا يكفي لإعطائنا هذا الشرف، لكن نظام الاسد يدعي الممانعة والصمود والتصدي للعدوان الصهيوني والوقوف في وجه الامبريالية ومخططاتها. أما نحن فنقسم بأغلظ الأيمان أن هذا النظام هو نظام قاتل، خائن ولا وطني، وأنه لا يتصدى لغير شعبه المنكوب به، ولا يصمد سوى أمام المتظاهرين العزل المطالبين بالحرية.
فليتفضل النظام إذاً ويعطينا البينة على أنه نظام مقاوم “يقاوم" فعلاً لا بالكلام الفارغ، وأنه “ممانع" يمانع بالفعل والموقف لا بالخطابات الجوفاء. منذ 1974م يتم التجديد دورياً لقوات الفصل التي تحرس الاحتلال الصهيوني للجولان في حين أن "كرواتيا" رفضت التمديد للقوات التي كانت ترابط على حدود أراضيها المحتلة من قبل "صربيا" الأقوى عسكرياً “لكي لا تستمر القوات الدولية بحراسة الاحتلال الصربي لارض كرواتيا…".
عودة إلى موضوعنا الأساسي وهو: كيف تطور النظام الاسدي في ظل اتفاق الفصل الشائن؟
اتفاق الفصل أتاح للأسد إعادة تشكيل الجيش والمجتمع السوري بعدما اطمأن لزوال التهديد العسكري الإسرائيلي المباشر، وبعدما وقع النظامان اتفاق تفاهم ينهي عملياً حالة الحرب بينهما مع إبقائها قائمة نظرياً لضرورات داخلية لدي الطرفين. إسرائيل بحاجة لبعبع خارجي يسمح باستمرار حالة ومجتمع الحرب وتكريس الممارسات العنصرية الإسرائيلية ضد غير اليهود مع استمرار تدفق المساعدات الخارجية، لإضافة إلى تجييش الطائفة اليهودية وتخويفها بحجة حماية إسرائيل الواقعة تحت تهديد “العربي البشع". النخبة الإسرائيلية من جهتها وجدت لها مصلحة عليا في هذا التوافق، وهي استمرار تحكم النخب العسكرية في مسار المجتمع الإسرائيلي، على حساب الحركات المدنية والحقوقية وراء واجهة ديمقراطية مجتزأة.
الأسد كان الرابح الاكبر في هذه الصفقة، فقد "أقطعه" الغرب والشرق وحتى العدو الإسرائيلي كامل التراب السوري عدا الجولان، وصار بمقدوره بناء “سوريا الأسد" التي كان يحلم بها.
الأسد بنى دولته اعتماداً على عدة نماذج، منها الكوري الشمالي والجنوب أفريقي وحتى الإسرائيلي. لم يكتف الأسد بإعادة إنتاج نظام دكتاتوري غوغائي على نمط الانقلابيين الذين سبقوه. الأسد أدرك ضرورة تسييس المجتمع ولكن على طريقته هو بحيث يتم خلق فضاء سياسي كلامي أجوف، لا سلطة حقيقية له، ويدور دون هدف في حلقة مفرغة من اللاعقلانية ومن الممانعة والصمود اللفظيين. وجد الأسد والذي يمثل "الجناح اليميني" في حزب البعث ضالته في الخطاب والتشكيلات اليسارية في هذا الحزب.
هكذا ساهم الأسد في بناء “نخبة" مجتمعية منتفعة وذلك بإلهاء كوادر ريفية ومن "صغار الكسبة" وتأطيرها في حزب البعث وفي منظمات لا تعد ولا تحصى، واحدة للشبيبة وأخرى للنساء وغيرها للعمال واتحاد للفلاحين وآخر للطلاب.. الخ. الدخول في هذه اللعبة المتحزبة كان شرط النجاح والصعود الاجتماعي في سوريا الأسد، ولكي تتربى الأجيال المقبلة على حب وعبادة الأسد "استورد" هذا الأخير فكرة "طلائع البعث" من صديقه الكوري الشمالي، وأرسل الوفود إلى “بيونغ يانغ" كي تتعلم كيفية تدمير عقول الأطفال وتخريب طويتهم على أصولها وعلى يد "الأخ الأكبر" الكوري والذي سوف نرى مآثره في تجويع بلاده وتدمير إنسانها في حين ارتفع مستوى المعيشة في كوريا الجنوبية بشكل صاروخي.
من خلال تأطير العناصر الطموحة والمتعاونة مع النظام حزبياً وفي منظمات شعبية تمكن الأسد من إيهام هؤلاء أن لهم دوراً ومصلحة في استتباب الامر للنظام، وسيستمر هذا الوضع ما دام الأسد محتاجاً لغطاء شعبي في معادلة رابحة للطرفين، الأسد والمنتفعين من نظامه، لكن على حساب حرية الشعب وآماله في التطور.
في مجتمع "النمل" الأسدي، لكل دوره ومكانه المخصص وله أمان نسبي ما دام يساهم في ازدهار تجارة الأسد ويقوم بما هو مطلوب منه. من الظلم القول: أن النظام الذي بناه الأسد في تلك المرحلة كان شراً كله، فالتعليم المجاني والطبابة للجميع ولو بحدها الأدنى كانت مكاسب لا يستهان بها بالنسبة للفقراء ومحدودي الدخل. تدفق المعونات والمال الخليجي بعد الطفرة النفطية ساهما في إعطاء دفعة قوية للمجتمع السوري الذي سيعيش فترة نمو “ذهبية" ما بين 1974م و1979م تاريخ بدء التدهور الاقتصادي، وتراجع الامتيازات التي كان النظام قد وفرها للفقراء، لصالح نمو طبقة طفيلية كومبرادورية، وبعد اتضاح الدور القذر لنظام الأسد وطبيعته الفئوية وممارساته الطائفية.
في نهاية "شهر العسل" الأسدي بدت واضحة سياسات الأسد في تقسيم المجتمع على أسس اقتصادية وطائفية، بشكل يختلف عن النموذج الكوري الشمالي الستاليني المعتاد. نظام الأسد كان قد طور -جنباً إلى جنب مع النموذج الستاليني- سياسات مستقاة من النموذج العنصري الجنوب أفريقي.
دولة جنوب أفريقيا والتي استقلت بعد الحرب العالمية الثانية طبقت سياسة الفصل العنصري منذ عام 1948م. قبل هذا التاريخ كانت هناك تفرقة عنصرية لكن دون وجود سياسة متكاملة للفصل بين الأعراق. الأسد استلهم النموذج الجنوب أفريقي الذي طبقه البيض لتسهيل سيطرتهم على بلاد واسعة لا يشكل البيض فيها أكثر من 21 % في حين يشكل السود 67 % في عام 1948م. البيض الذين كانوا يخافون من التكاثر السكاني للسود وضعوا قوانين للفصل العنصري كان المعلن من أهدافها هو “مساعدة السود على التطور اجتماعياً"، في حين كانت نتيجتها الفعلية هي حصر بعض المهن والمواقع الاجتماعية الهامة بالبيض ومن تحالفوا معهم من الهنود والملونين.
هكذا ومع الزمن أصبح البيض وحلفاؤهم أكثرية ساحقة في الرتب العليا في الجيش والشرطة والقضاء، ويشكلون الأكثرية في فرق النخبة العائدة لجيش جنوب أفريقيا القوي والمحترف.
الأسد طبق سياسات وحوافز جعلت من أبناء طائفته العلوية أكثرية في الجيش خاصة في الرتب العليا وهم يشكلون الجسم الأساسي لقوات النخبة من الفرقة الرابعة والقوات الخاصة والحرس الجمهوري، إضافة إلى تغلغلهم في أجهزة الأمن السرطانية بنسب تقارب الـ 80 %.
في مجتمع النمل الأسدي، الطائفة العلوية منوط بها دور "الجندي" حامل السلاح وحامي حمى “المستعمرة" الأسدية والتي يقبع الأسد وعائلته في قلبها. هذا كان يقتضي تشويه التطور الطبيعي للطائفة لإبقائها في دورها المدروس وهو يفسر بطء تطور المناطق العلوية قياساً إلى غيرها، فشباب الطائفة مقدر لهم أن يبقوا على الجهل والغفلة لكي يسهل التحكم بهم في سوريا الأسد.
في حين كان أبناء باقي الطوائف يمارسون المهن المختلفة وينفتحون على العالم الواسع، يدرسون أو يهاجرون ومنهم من يعود بثروات طائلة، بقي أبناء “الطائفة الكريمة" محبوسين في سجن ذي قضبان مطلية بالذهب العائد لآل الأسد، مهمتهم حراسة دوام نظام القمع الذي يبقيهم في دور الجنود الأذلاء ويجود عليهم ببعض فتات مما يجنيه ناهبو البلد من كل الطوائف.
من لم يكن مؤهلاً للعمل العسكري من أبناء الطائفة، كذلك الأمر مع بناتها، فتح لهم الأسد أبواب التوظيف في دوائر الدولة المختلفة ووزاراتها بحيث يقتاتون بالقليل الذي يجود به عليهم سيد الشام، وبحيث يبقى مصيرهم ومصير وظائفهم البسيطة مرهوناً ببقاء النظام. هذا الوضع خلق منافسة بين فقراء الطائفة العلوية وباقي الفقراء والمعدمين من كل الطوائف الذين أصبح حلمهم هو الحصول على وظيفة براتب ضئيل يقيهم شر الحاجة. كلما ازدادت هذه المنافسة كلما زاد تعلق فقراء الطائفة بالسلطة، وكلما ازداد ولاء هؤلاء “المنتفعين" الصغار لآل الأسد، دون أن يدركوا أنهم قد وقعوا في شرك لا مخرج منه بغير سقوط النظام وبغير التوافق مع باقي مكونات الشعب.
مع قدوم الآلاف المؤلفة من أهل الريف وبخاصة من الطائفة العلوية لملء الشواغر في الجيش والأمن وفي الوظائف الحكومية المتاحة لهم، حصلت أزمة سكن خانقة في المدن الكبرى، خاصة تلك التي هي في قلب السلطة السياسية والاقتصادية مثل دمشق وحلب، فكيف قام الأسد “بحل" هذه المشكلة؟
في هذا المضمار استلهم الأسد النموذج الإسرائيلي، فهناك خلقوا “كيبوتزات" ومستوطنات، أما في سوريا الأسد فقد ابتدع النظام “العشوائيات"، وهي حارات شبه منظمة وتتلقى خدمات لا بأس بها من ماء وكهرباء وصرف صحي لأكثرها، وأحياناً بالمجان! هذه المستوطنات أخذت شكل أحياء متكاملة ومتجانسة طائفياً على أطراف المدن الكبرى مثل "عش الورور" و"مساكن الحرس" في ضواحي دمشق وغيرها. هذه المستوطنات سوف تلعب دور خط دفاع متقدم عن النظام، وهو ما نشهده اليوم في حمص، وقد نشهده في غيرها من المدن السورية.
للتغطية على الطبيعة الوظيفية والطائفية لهذه الاحياء تعامى النظام عن “عشوائيات" أخرى لأصحاب الدخل المحدود دون أن تتمتع هذه الأخيرة بنفس المستوى من الخدمات، ودون أن تكون متجانسة طائفياً كحال "مستوطنات" النظام.
بناء العشوائيات كان فرصة للنظام كي يتفاهم مع برجوازية جديدة طفيلية استفادت من بيع الأراضي ومواد البناء. لكن الأهم من وجهة نظرنا هو محاولة فهم عدم رغبة النظام في تنظيم هذه الاحياء، وفي جعلها ضواحي سكنية حقيقية، وعدم قيام النظام ببناء ما يكفي من الوحدات السكنية لزبانيته رغم أنه استفاد من الطفرة النفطية ورغم توافر السيولة النقدية لديه.
الحقيقة أن إبقاء سكان العشوائيات في وضع غير نظامي يسمح بالتحكم بهم وبمسار حياتهم، فلو أن مساكن العشوائيات أصبحت منظمة وشرعية فلأن هذا كان سيخفض أسعار البيوت في المدن الكبرى وسيضر بطبقة تجار البيوت المرتبطة بالنظام، والأهم من ذلك أن ساكني هذه البيوت في العشوائيات سيصبحون مالكين لها وقادرين على بيعها والاستفادة من ثمنها في إقامة مشروعات اقتصادية تحقق لهم بعض الاستقلالية عن النظام، أو الانتقال إلى مناطق أخرى بما يتيح اختلاطهم بباقي فئات الشعب واندماجهم الناجز في النسيج الوطني السوري الواسع. هذان الاحتمالان، الاستقلالية أو الاندماج كانا خطاً أحمر للنظام.
هكذا تمكن الأسد من تطويع الطائفة العلوية ومن السيطرة على المجتمع السوري كله عبر التحكم في معيشة المواطنين كافة، وفي فرص كل منهم في التطور والارتقاء، بخاصة الأقليات والطبقات الموسرة وحيتان المال والذين سوف نخصص لهم مقالة مقبلة.
في النهاية تبقى الطائفة العلوية أحد أكبر ضحايا دولة الأسد، فهذه الطائفة تجد نفسها وقد صار معاش أبناءها ورواتبهم وسكناهم وحتى مستقبلهم بيد النظام يفعل بهم ما يشاء. هذه الطائفة قد تدفع الثمن الأكبر لسقوط النظام الحتمي إن هي استمرت في الانخراط في السياسة القذرة التي رسمها الأسد الأب لطائفته، وجاء الأسد الأبن لكي يعمقها ويجعل منها سياسة انتحارية بامتياز.

المصدر: سوريا المستقبل

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع