..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مقالات منوعة

حكايات جدتي

محمد عمار نحاس

21 إبريل 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 2494

حكايات جدتي
1.jpeg

شـــــارك المادة

تذكرت جدتي عندما كنا نتحولق حولها كل ليله عقب أدائها لصلاة العشاء، كانت تمسك بسبحتها الألفية، وتجلس على عليتها ونار المدفئة تتوسط جلستنا، وتبدأ بسرد حكاياتها لنا التي كانت تعوضنا عن تشغيل التلفاز، وكنا نستمع لها ونحن مشدوهين مشدودين الأعصاب تمر بمخيلتنا صور الشخصيات التي تتكلم عنها جدتي؛ فمن حكاية الغول الذي أكل الغلام حين عصى كلام والده، إلى حكاية حورية البحر التي لها نصف جسد بنت جميله كأنها ملاك ونصف جسد سمكه تظهر للشاطر حسن تحقق له كل أمانيه وتختفي، إلى حكاية المارد والحسناء.. وقد تختمها لنا برواية السندريلا التي تتزوج الأمير ويعيشون بثبات ونبات ويخلفون لنا صبيان وبنات.


حكايات من نسج الخيال تحاكي الأحلام من عالم الخرافات، لكنها تنتهي بمغزى وعبره تفيد أولي الألباب. رحم الله جدتي التي ماتت قبل انتشار الأطباق اللاقطة، وقبل ثورة الاتصالات الفضائية وعالم شبكة التواصل الاجتماعية التي تجعل عالم الخرافات أقل تواجد بين أبنائنا. فلو سردت قصة الغول لأبني لسخر مني وأجابني بما لا يسر خاطري إلا أن النظام الأمني بسورية، والذي يسيطر على كل القطاعات بما فيها الإعلام والفضاء أبى إلا أن يعيدنا إلى عالم حكايات الجدات والخيال والخرافات.
فمنذ انطلاق الاحتجاجات بالشارع السوري ورفع هتافات الحرية؛ بدأ النظام الأمني السوري بتسويق روايات وحكايات تحاكي عالم الخيال والخرافات، فمن مندسين إلى سلفيين إلى عملاء، فجراثيم وآخر ما توصل إليه الإعلام هي رواية المسلحين، فهل هذه الراويات عبارة عن تطور النمو بحسب رؤية النظام الأمني وإعلامه، أم هي كما حكاية المارد الذي عاش في غياهب المصباح آلاف السنين وخرج بصدفةٍ عجيبة ودون أن يستأذن من سيدنا سليمان؟؟
إن رواية المسلحين الذين دخلوا سورية من جنوبها لشمالها ومن شرقها لغربها ويعيثون في الأرض فساداً يتنقلون من واد لواد ومن مدينة إلى أخرى، يقتلون ويذبحون ويحرقون ويفسدون ويستبيحون الأموال والأعراض؛ جعلت عيناي ترنوا إلى لبنان الشقيق، وبالتحديد إلى (منطقة النهر البارد)!! ولا غرابة هنا، فكلي رجاء أن تتسع لكلماتي صدوركم لتعرفوا مغزى المقارنة.
لبنان بطوائفه ومذاهبه ومكوناته السياسية المختلفة، والذي يتسم بتركيبة سياسية معقده، فتداول السلاح بالبنان كتداول العملات، واللبنانيون يمتهنون السياسة كما يأكلون ويشربون، ورغم كل هذا ورغم أن لبنان عاش تحت القمع السوري أعوام عجاف ذاق فيها اللبنانيون المر والهوان، وبعد عدة نكبات مر فيها لبنان من موجة الاغتيالات إلى حرب تموز 2006م الذي أُقحم فيها عنوه، ورغم أن أجهزة لبنان حديثة الولادة بعد التحرر من هيمنة الأنظمة القمعية السورية، ورغم كل ما ذكرناه آنفاً من تواجد مكثف للسلاح في لبنان وسهولة الاختراق الأمني لها؛ إلا أن لبنان عندما أُخترق أمنياً من قبل مقاتلي حركة فتح الإسلام استطاعت الأجهزة الأمنية اللبنانية تحديد هوية الحركة ومكانها وانتمائها، واستطاع الجيش اللبناني أن يحاصر مكان عناصر الحركة المسلحة وعدم تمكنها من الانتقال من مكان إلى مكان، أو من مدينة إلى أخرى بلبنان مع صغر حجمها وتداخل مدنها وسهولة التنقل بين المدن، واستطاع الجيش اللبناني القضاء على هذه الحركة بعد معارك ضارية لم تتعد منطقة النهر البارد، فلم يشمل كل المدن اللبنانية، ولم يسفر عن مقتل الآلاف من المدنيين والأطفال والنساء.
أما في سورية المستقرة أمنياً وسياسياً وشعبياً، ورغم أننا نعيش على مدى أربعين عام ونيف من القبضة الأمنية الحديدية والحكم الاستخباراتي، حيث أن المواطن السوري يعلم أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وأن رجال المخابرات والأمن متربصين بنا، فتراهم عن الشمال وعن اليمين قعيد، بل كاد بعضنا يخشى أن يكلم نفسه عن السياسة فتشي به للاستخبارات، فما طار طير فوق السماء السورية إلا وقد فُتح له ملف لدى الأجهزة الأمنية يحدد فيه دخوله وجهته ومراده وخروجه(1). ورغم كل هذا فلم تستطيع هذه الأجهزة الأمنية ولا الجيش السوري لا تحديد هوية هذه الجماعة المسلحة ولا مطالبها ولا قياداتها ولا مكانها ولا تطويقها بمكان ومنعها من التنقل، ولم تستطيع منعها من التدمير والقتل والسلب والنهب، ولم تستطع هذه الأجهزة الأمنية التي تحكم بيد من حديد والتي تعلم عن المواطن السوري ما فعل وما يفعل، وتحدد له ما سيفعل؛ لم تستطع حتى الآن تقديم أسماء وملفات قياديين هؤلاء الجماعات المسلحة!! إلا يضع أمامنا هذا الحال تساؤلات عن صدق المقال أم أننا أمام مسلحين هبطوا علينا من الفضاء الخارجي وتكفل غرندايزر وأخيه الدوكفليد وصهرهما وشبيحتهما بالتخلص منهم وتحرير الأرض من هؤلاء الفضائيين؟!!
رحم الله جدتي، وأدام قناة الدنيا وأبواقها على هذا النظام الحضاري.
ــــــــــــــــ
(1) هذا من باب المبالغة في التعبير، الذي يصور فيه الكاتب الحالة التي وصل إليها النظام السوري. وإلا فمهما بلغ النظام السوري من قوة في التجسس على مواطنيه، وتتبع آثارهم وأخبارهم، يبقى محدود بصفات بشرية، وبقدرات ذاتية، لا تصل به الحد الذي ذكره الكاتب. (نور سورية).

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع