..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مقالات منوعة

من راقب الناس…

غسان شربل

16 يناير 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1276

من راقب الناس…
111.jpg

شـــــارك المادة

ابتهج عزيزي القارئ، على رغم ضنك العيش، ورائحة الحروب الأهلية، وتفكك الدول جُزُراً متحاربة وأقاليم تصطك فرائصها، وازدهار صناعة الجثث، والخوف من الربيع أو الخوف عليه، ابتهج. يكفي أنك لا تعمل مراقباً في بعثة الجامعة العربية إلى سورية. ليس فقط لأن المَشاهد كان يمكن أن تؤذي صحتك وتوازنك، بل أيضاً لأن العمل وسط الضباب الكثيف منهك، ولا يساعد على معرفة القاتل من القتيل. ومن شأن مهمة من هذا النوع أن تحرجك أمام الزوجة والأطفال والجيران.
ابتهج لأن الجامعة لم توفدك في مهمة عجيبة وغريبة وغامضة وملتبسة. مهمة فاشلة أصلاً، وقبل تدبيج التقارير ولجوئها مع الجثث إلى مكتب حامل أثقال الأمة الأستاذ نبيل العربي. ويفترض أن الأمين العام يدرك خطورة المهمة، وأنها تشبه اللعب بالقنابل، وأن الخطأ يمكن أن يودي بعدد من الأصابع.
يعرف العربي بالتأكيد أن الالتباسات لازمت فكرة إيفاد المراقبين العرب إلى سورية مذ كانت جنيناً يتحفز للولادة. الدول التي علقت مشاركة سورية في مؤسسات الجامعة أدركت أن ظروف التدويل لم تنضج بعد، وأن فلاديمير بوتين الذاهب إلى الانتخابات والعائد إلى الكرملين يحتاج إلى جرعة ممانعة. عادت روسيا من المغامرة الليبية صفر اليدين، سقوط النظام السوري يحرم أسطولها من ملاذه الآمن في طرطوس، يهدد حضورها على خط التماس مع إسرائيل ودورها في النزاع العربي-الإسرائيلي، هذا فضلاً عن أن لروسيا ما يكفيها من المتاعب مع إسلامييها.
الموقف الروسي والصيني يقطع الطريق على التدويل أو يدخله على الأقل في مفاوضات طويلة وشاقة. وحلف الأطلسي ليس مستعداً للمبادرة منفرداً لأسباب كثيرة، فسورية ليست ليبيا بموقعها وتركيبتها، والذهاب إلى حرب جديدة مكلفة قد تشمل إيران ولبنان ليس خياراً مقبولاً للرؤساء الذاهبين إلى صناديق الاقتراع، كان لا بدّ للجامعة من أن تفعل شيئاً.
إرسال المراقبين إلى أراضيها لم يكن خبراً ساراً بالنسبة إلى سورية -يرسَل المراقبون عادة إلى الدول المريضة-. استخدمت دمشق براعتها في التفاوض وعصرت سلفاً مهمة المراقبين، تجاوبت في الوقت نفسه مع نصيحة روسيا لها بقبول اقتراح الجامعة للحيلولة دون تبلور إجماع عربي ضدها من شأن حصوله أن يحرج موسكو وبكين معاً.
الدول المتشددة في رفضها لقمع سورية حركة الاحتجاجات اعتبرت المراقبين خطوة قد تبرر التدويل لاحقاً بسبب مضمون التقارير أو بسبب اتهام سورية بإفشال عمل البعثة، الدول المتعاطفة مع النظام السوري اعتبرتها فرصة لاستبعاد التدويل وإثبات أن العنف يمارس من قبل طرفي الصراع هناك.
تجرعت المعارضة السورية كأس المراقبين مرغمة، راهنت في الوقت نفسه على أن وقف القتل سيؤدي في حال حصوله إلى تدفق المحتجين بكثافة إلى الساحات. تنبهت السلطات إلى حلم المعارضة هذا، تصرفت منذ اليوم الأول على أساس أن وجود المراقبين لا يعني أبداً وقف إطلاق النار، فمنذ بدء الاحتجاجات اتخذت السلطات قراراً صارماً بمنع المعارضة من العثور على ميدان تحرير ومركز دائم للاعتصام ومنطقة متمردة كبنغازي يمكن الإفادة منها في أي دور تركي ودولي لإسقاط النظام. التزام وقف النار كان سيفسح المجال لتظاهرات حاشدة، كان سيعطي الانطباع أن مرحلة انتقالية قد بدأت. وهكذا تم ترتيب التعايش بين القتل وجولات المراقبين، خصوصاً في مدن تشهد مقدمات حرب أهلية.
وقع نبيل العربي تحت نار الفريقين؛ اعترافات المراقب المنشق أحرجته، شكا من رقابة صارمة على عمل المراقبين، تحدث عن فظائع، رئيس البعثة الفريق أحمد الدابي أوحى أنها تعمل بدقة الساعة السويسرية، اختيار العربي للدابي لم يكن حصيفاً أصلاً، لم يكن مضطراً لاستقدام جنرال تخرَّج من كلية دارفور لحقوق الإنسان، إذا نقلت التقارير أهوال ما يجري سيجد العربي نفسه يلعب بالقنابل. وحين ينزل الليل على مبنى الجامعة العربية لن يجد أمامه غير تذكر الحكمة التي تقول: من راقب الناس مات همّاً. وهي حكمة مأخوذة من بيت من الشعر يقول:

من راقب الناس مات هماً *** وفاز باللذة الجسور

ابتهج عزيزي القارئ، أنت لا راقبت ولا كتبت، خطوط الكراهية تنتشر في الإقليم ودولة مريضة، والآتي أعظم.

المصدر: سوريون نت 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع