..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

معالم في الدعوة إلى الله

فايز الصلاح

28 أغسطس 2018 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 224

معالم في الدعوة إلى الله

شـــــارك المادة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذه معالم في حقيقة الدعوة ومعناها، وما يرادفها من المصطلحات:

1- الدعوة: مصدر الفعل الثلاثي دعا يدعو دَعوة، بفتح الدَّال، وقد وردت في اللغة العربية على معانٍ كثيرة بحسب سياقها، كلُّها تدور حول: السؤال، والطلب، والنداء، والدعاء، والاستمالة، والتجـمـع، إلا أنـها إذا تعدت بـ «إلى» تحدد معناهـا بالطلب والحــث عـلى الشـيء، أو سوقه إليه.

فالدعوة إلى الشيء: هي الطلب بشدة وحث إلى الاستجابة لما تكون الدعوة إليه, أخذاً أو تركاً, من اعتقادٍ أو قولٍ أو عملٍ.

2- وقد تعددت التعاريف الاصطلاحية حتى جاوزت العشرة، وهي وإن اختلفت في عباراتها إلا أنها تتوحد في غايتها, فهي من باب اختلاف التنوع لا التضاد، ومن باب المثال والقصر على بعض المعاني.

ولقد تتبعت تلك التعاريف فخرجت منها بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ يجمع شتاتها، فقلت في تعريف الدعوة إلى الله من حيث الاصطلاح:" هي تبليغُ الإسلام للناس وتعليمهم إياه, والحثُّ على الاستقامة عليه ظاهراً وباطناً, والتحذيرُ من تركه, باستخدام الأساليب والوسائل الشرعية, ليفوزوا بسعادة الدارين الدنيا والآخرة".

3- والتبليغُ من أعظم صفات المرسلين الذين بلغوا أوامر الله من غير زيادة ولا نقصان ولا كتمان، قال تعالى:{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [الأحزاب: 39] .

وقد قام الرسولُ بالبلاغ المبين فلم يُخفِ شيئاً أو يخصَّ أحداً بشيء, ففي صحيح البخاري عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: "مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ كَذَبَ، وَاللَّهُ يَقُولُ:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] الآيَةَ".

وينبغي على الأمة أن تقوم بواجب البلاغ وخاصة منهم أهل العلم، فيبلغون دين الله إلى العالمين، لأنَّ ذلك هو السبيل لنشر الإسلام في شتّى بقاع الأرض.

والبلاغُ ينبغي أن يكون مُبيناً, والمُبينُ هو الواضح الذي تقوم به الحجة، قال تعالى: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [النحل: 35].

4- والدعوةُ إلى الله بشارةٌ بالخير وثوابه، ونذارةٌ من الشر وعقابه، بشارةٌ للمؤمنين، ونذارةٌ للكافرين.

وقد أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين, مبشرين بالتوحيد ولوازمه وثوابه, ومنذرين من الكفر وتوابعه وعقابه، قال تعالى:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة: 213] .

وختم الله النبوة  بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فأرسله الله للناس كافة بشيرا ونذيرا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45، 46].

وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بالنذارة على أكمل حال، فبدأ بنذارة قومه الأقربين، قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } [الشعراء: 214], وقال أيضا: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1، 2].

فناسب استخدام النذارة لما عليه القوم من الكفر والضلال.

5- والدعوة إلى الله تذكير، والتّذكير: أن تجعل غيرك يستحضر ما تذكّره به بغرض الاتّعاظ والخروج من ميدان الغفلة والنّسيان إلى مجال المشاهدة والحضور.

والتذكير لا يختص بالمسلمين بل هو للكافرين أيضاً, فقد ذكَّرَ اللهُ الكافرين بآياته الشرعية والكونية حتى يعودوا إلى ربهم، قال تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف: 57].

فالداعي إلى الله مذكرٌ يذكر الناس وخاصة المؤمنين منهم, قال تعالى:{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55].

6- والدعوة إلى الله إرشاد، والإرشاد: مصدر أرشده إلى الشّيء بمعنى: دلّه عليه وهداه إليه, وإرشاد الضال : هدايته الطريق وتعريفه به , وهو مأخوذ من مادّة (رشد) الّتي تدلّ على استقامة الطّريق، والرّاشد: المستقيم على طريق الحقّ.

فالدعوةُ إلى الله إرشادٌ, وحامُلها مرشدٌ يدل الناس إلى الطريق المستقيم، ويهديهم إليه، ويدلهم إلى الخير وأبوابه، مما يحقق للمجتمع الحياة السعيدة المستقرة.

7- والدعوة إلى الله هي تواصي بالحق، وهي من أعظم أركان الفلاح في الدنيا والآخرة, قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3].

وإنَّ من أعظم ما يتواصى به هو تقوى الله سبحانه وتعالى المتضمنة لتوحيده واتباع شرعه.

قال تعالى:{وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].

8- والدعوةُ إلى الله بيانٌ وتبيينٌ، والبيان: اسمٌ جامعٌ لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى, ووضح لك المعنى حتّى يفضي السّامع إلى حقيقته.

ولابد للداعية أن يقوم بالبيان وتوضيح المعاني للمدعوين لا لبس فيها ولا غموض، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [إبراهيم: 4].

وينبغي على الدّاعية أن يكون عارفاً بلغة القوم الّذين يدعوهم, وأن يستخدم هذه اللّغة على نحو لا غموض فيه ولا التباس.

9- والدعوةُ إلى الله صلاحٌ وإصلاحٌ، والإصلاحُ: اسم يطلق على الدعوة من حيث الوسائل والمقاصد, فإنَّ المقصد العظيم من الدعوة إلى الله هو الإصلاح بكل معانيه ومجالاته, كما قال تعالى على لسان نبيّ اللّه شعيب عليه السّلام: {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [هود: 88].

10- والدعوةُ إلى الله نصيحةٌ، والنصيحةُ  كلمةٌ جامعةٌ تتضمّن قيام النّاصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادةً وفعلاً.

فالداعي إلى الله ناصح أمين، ينصح غير المسلمين بدعوتهم إلى الدخول في الإسلام، وينصح المسلمين بحثهم على التزام شرع الله، فلذلك كان الدين هو النصيحة.

وفي صحيح مسلم عن تميم الدّاريّ- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (الدّين النّصيحة. قلنا: لمن؟ قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم).

وكان الأنبياء والمرسلون خير ناصحين لأقوامهم، قال تعالى عن نوح عليه السلام: {قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 61، 62].

وقال عن هود عليه السلام: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68].

وقال عن صالح عليه السلام: {فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 79].

وقال عن شعيب عليه السلام: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ}[الأعراف: 92، 93].

وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بالنصيحة لأمته على أتم وجه, ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما في حديث صفة حجّته صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه: (وأنتم مسئولون عنّي، فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت.

وقام الصحابة رضي الله عنهم بالنصيحة لمن بعدهم, بل قد بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على النصيحة لكلِّ مسلم, ففي الصحيحين عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: (بايعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم على إقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، والنّصح لكلّ مسلم).

11- والدعوة إلى الله هداية، هداية دلالة وإرشاد، لطريق الحق ليُسلك، ولطريق الباطل ليُجتنب، وهذه لا تختص بالخالق بل يقوم بها المخلوق من الأنبياء والمصلحين, قال تعالى عن رسوله الكريم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52].

وأئمة العلم والإيمان يهدون الناس ويرشدونهم إلى الحق، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24], وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (واجعلنا هُداة مهتدين).

وأما هداية القلب للإيمان وللعمل الصالح, فهذه الهداية مختصة بالخالق لاحظَّ للمخلوق فيها، لا لمَلَك مقرب ولا لنبيّ مرسل، قال تعالى: {منْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178].

وكان الرسولُ صلى الله عليه وسلم حريصاً على هداية قومه، وخاصةً عمه أبي طالب الذي دافع عنه، ولكن أبى أن يكون من المهتدين، قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56].

فالداعي إلى الله يبلغ الناسَ الحقَّ بلاغاً مبيناً تقوم به الحجة وتبين به المحجة، ثم بعد ذلك لا يلتفت إلى شيء، لأنَّ النتائج بيد الله, قال تعالى: { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } [النحل: 82].

12- والدعوة إلى الله شهادة ، والشهادةُ على الخلق مقامٌ من مقامات الدعوة إلى الله, وأرسل الله نبيه شاهداً على أمته، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 45 - 47].

وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهيدةٌ على الأمم السابقة واللاحقة، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

ومن شهادة هذه الأمة شهادتها للمرسلين على أممهم المنكرين لتبليغهم، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى، هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ لاَ مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ، فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} وَالوَسَطُ العَدْلُ).

وشهادةُ الحق لا تكون إلا بعلم وعدل، فالداعي إلى الله شاهدٌ على غيره بما معه من العلم النافع وبعدله مع المخالفين، وخاصةً في الحكم على الأعيان والمقالات.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع