..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الأثر الوارد تحت قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا)

وليد العاصمي

٣١ ٢٠١٥ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 3336

الأثر الوارد تحت قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا)
images.jpg

شـــــارك المادة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
جاء في الأثر:إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغر -أو فاسألوا أهل الثغر- فإن الله يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
وهذا الأثر يحتاج إلى دراسة من جهتين:

  • من جهة: صاحب القول.
  • ومن جهة: المعنى المراد.

وسنتناولهما بإذن الله في هذا المقال القصير باختصار.
أولاً: (من هو صاحب هذا القول؟).
يُنسب هذا الأثر في الكتب إلى ثلاثة:

  1. عبدالله بن المبارك المتوفى سنة181هجرية.
  2. وأحمد بن حنبل المتوفى سنة241هجرية.
  3. وسفيان بن عيينة المتوفى سنة198هجرية.

أما عبدالله بن المبارك فلم أقف على أحد ذكر قوله مسنداً - حسب البحث القاصر-، وكل من وقفتُ عليه ذكره بغير إسناد، لكن جاء في تفسير ابن أبي حاتم أثرٌ فيه سقط في أكثر من موضع سأورده وأرمز للسقط فيه ب (...)
الأثر هو:
قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أبي، ثنا يعقوب بن إسحاق البغدادي، ثنا حماد ...، قال: سمعته يقول: قال لي.. عيينة،.... اختلفوا فيه... وأهل الثغور، فإن الله يقول: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
إذن سفيان بن عيينة قال لأحدهم هذا القول لكن هذا المقول له سقط اسمه في الإسناد السابق، لكن جاء في تفسير القرطبي ذِكر المقول له وهو عبد الله بن المبارك (وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك..)[16/391].
وهنا نخلص إلى نتيجة ظنية إلى أنَّ ابن المبارك هو الذي قيل له ذلك وعليه فلم يكُ ابن المبارك قائلاً بل راوياً عن سفيان بن عيينة.
نأتي إلى إمامنا أحمد بن حنبل:
كذلك لم أجد مَن أسند الأثر إليه، والذي وجدته ذكره أن سفيان هو القائل، قال المروذي: قرئ عليه- يعني أحمد- (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) فقال أحمد: الذي قال سفيان: إذا اختلفتم في شيء فانظروا ماعليه "أهل الثغر" نقلاً عن ابن القيم في (بدائع الفوائد) والذي نقل هو بعض مسائل المروذي لأحمد[1022/3] وجاء في (الجامع لعلوم أحمد)[488/13] "فاسألوا أهل التقوى" وسواء قيل: أهل التقوى أو أهل الثغر فلا تعارض بينهما كما سيأتي بيانه.
وهنا نخلص أيضاً إلى أن أحمد لم يكُ هو القائل، وربما قال أحمد أو ابن المبارك هذا القول مرة من غير إسنادٍ للقائل فنُسب إليهما مسنداً في مرجع لم تصله أيدينا أو أنهما لم يفعلا ذلك لكن من باب التساهل في النقل كما هو الغالب في الآثار الواردة عن غير الرسول ﷺ أو الصحابة أو التابعين، قال ابن تيمية تعالى في رسالته (مسألة المرابطة بالثغور)[ص50]: (وكان ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماعليه أهل الثغر، فإن الحق معهم...).
نأتي الآن إلى (سفيان بن عيينة) صاحب القول فقد جاء عنه هذا القول مسنداً في موضعين:

  • الموضع الأول: تفسير ابن أبي حاتم وقد مر ذكر الإسناد.
  • الموضع الثاني: تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) فقد قال: أخبرني ابن فنجويه قال حدثنا ابن شنبة، قال حدثنا عبدالله بن محمد بن وهب، قال حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول...

وإسناد ابن أبي حاتم والثعلبي فيهما ضعف، لكن يتساهل في رواية مثل هذه الآثار كما سبق، وقد رجَّح أحمد محايري الذي جمع تفسير ابن عيينة من بطونِ كتبِ التفسير صحةَ نسبة الخبر إلى ابن عيينة لا من جهة صحة الإسناد بل من جهة مشابهته لطريقة ابن عيينة في التفسير فقال: (وأُرجِّح نسبة الخبر إلى ابن عيينة لأنَّ فيه الالتفاتات الدقيقة التي تَمَيز بها تفسير ابن عيينة عن بقية التفاسير في عصره) تفسير ابن عيينة [ص305].
خلصنا هنا إلى أن قائل الأثر هو سفيان ابن عيينة ومَن بعده نقلوا عنه وسارت بالكلمة الركبان حتى نُسبت إلى غير واحد.

ثانياً: مامعناه؟
كَتَب أحد المجاهدين بأرض الشام اقتراحاً في (تويتر) وهذا الاقتراح: هو أن يكون هناك (خط ساخن) مع علماء بلاد الحرمين الثقات، حتى يُفتوهم في بعض المسائل التي أشكلت عليهم خاصة أنها في الدماء والأعراض.. فكتب إليه أحدهم بكل بساطة: (ألم تسمع قول السلف اسألوا أهل الثغور وهذا دليل على أن الله يفتح عليهم في باب الفقه!) هكذا تصبح الفتوى في مسائل الدماء والأعراض لأهل الثغور، فقط لأنهم على ثغر!

والمسألة ليست في نازلةٍ تخصصوا فيها أكثر من غيرهم بل في دماء وأعراض بحثها العلماء وتناقشوها في كتب الفقه بل تورع الكثير منهم عن الكلام فيها، كل ذلك اعتماداً على أثرِ سفيان ابن عيينة بإسناد ضعيف! أو اعتماداً على استنباط من الآية فيه نقص، أنا هنا لا أقلل من شأن الكلمة التي سارت بها الركبان وتداولها العلماء حتى التبس على كثيرٍ مِن طلاب العلم مَن قائلها، لكنني أقول: (أحسنوا استخدام الكلمة أو أعطوها حجمها)، ثم يُقال أيضاً: إن الجهاد المذكور في الآية: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) المراد به: جميع أنواع الجهاد وليس جهاد الكفار فقط، بدليل أن السورة مكية نزلت قبل نزول فرض جهاد الكفار أصلا، قال ابن عطية في تفسيره: (فهي قَبْل الجهاد العُرفي، وإنما هو جهاد عام في دين الله تعالى وطلب رضاه)[ص1496] بل ذكر الحسن أن الآية في (العُبَّاد) وقال ابن عباس: (هي في الذين يعملون بما يعلمون) ولاتعارض بين الأقوال، فالعُبَّاد الذين يعملون بما يعلمون وأهل الثغور دخلوا في الآية لأنهم ممن جاهدوا، قال ابن القيم بعد ذكره أنواع الجهاد أعني: جهاد النفس والهوى والشيطان والكفار: (ومَن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ماعطل من الجهاد)[الفوائد ص58] فالذي في الثغر إن لم يجاهد نفسه فيتورع عن القول على الله بغير علم ينقص نصيبه من الهداية بقدر تقصيره في الجهاد، وكذا العالِم وطالب العلْم وغيرهم من أهل الإيمان ينقص نصيبهم من الهداية بقدر تقصيرهم في الجهاد، وقد كان في زمان مضى أهل الثغور هم أهل العلم وطلابه والله المستعان.

 

 

ملتقى أهل التفسير

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع