..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

مشاهدات من الشمال السوري المحرر (1) أطباء وشهداء.. في حلب الشهباء

مؤمن مأمون ديرانية

14 فبراير 2013 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 5944

مشاهدات من الشمال السوري المحرر (1) أطباء وشهداء.. في حلب الشهباء
aleppo1.jpg

شـــــارك المادة

حلب المحررة منبسطة على أكثر من نصف مساحة المدينة.. الناس يستنشقون نسيم الحرية، رغم الدموع والآلام والدماء والأشلاء، ورغم الحصار وشح الماء والغذاء والكهرباء، وانقطاع الاتصالات وضيق وسائل العيش..
قصف هنا وهناك، ومعارك من وقت إلى آخر أو قنص متفرّق على خطوط التماس بين القسم المحرّر والقسم المغتصب من المدينة في كل يوم.. شهداء يسقطون وجرحى يُحملون إلى المشافي في كل الأوقات..

 


أهل حلب المحرّرة لم يعد القصف يبقيهم في الحجور، أَلِفوه فصار جزءاً من حياتهم اليومية، لا يمنعهم أن يروحوا ويجيئوا بين العمارات المتساقطة والبيوت المهدّمة والشوارع المدمّرة، ويسعوا في مناكبها ليستمروا بالحياة، على قسوة ومرارة هذه الحياة وآلامها الدائمة، من بائع باسط لبضاعته، إلى صاحب عربة يدفعها من شارع إلى آخر، إلى دكّان من الدكاكين الناجية من التدمير ببضاعة قليلة، إلى محطة وقود تتألف من برميل أسنده صاحبه إلى الرصيف واتخذ مكيالاً يبيع فيه الوقود للسيارات وللناس الذي يطلبون الدفء إن كان لديهم ما يشترون به الوقود، أما أكثر الناس فعادوا لمدافئ الحطب، وترى المحتطبين يحملون أكوام الحطب على الطرقات.. ويستمرون بالحياة ينتظرون يوم النصر..
أهل حلب المصابرة صاروا اليوم مثل أهل غزة المصابرة بالأمس..
وفي أوقات القصف وعندما يشتد القنص، يبدأ المشهد الإسعافي في مشافي حلب..
مشافي تعجّ بالمصابين وتعمل بأكثر من طاقتها بأضعاف مضاعفة.. المصابون الممددون على الأرض في الممرات أكثر من المحمولين على العربات، ممددون على الأرض العارية لا يجدون حتى بساطاً يبسطونه تحتهم.. الأطباء يتراكضون بين غرف الإسعاف وغرف العمليات، وغرف العمليات تعمل بلا توقف.. طلاب طب نجباء هم الذين يستقبلون المصابين ويسعفونهم، ومسعفون متدربون هم الذين يمرّضون..
طبيب تخدير واحد يغطي كل مدينة حلب وجراح أعصاب واحد عاجز عن العمل بدون جهاز تصوير مقطعي في كل مدينة حلب..
وجثث ممددة أمام المشفى كل يوم، يذهبون بها ثم تأتي جثث جديدة، إحدى الجثث كانت بدون رأس..
امرأة مصابة برصاصة قناص أصابتها وهي تنشر غسيلها على الشرفة، وصلت المشفى وقد أسلمت الروح فانضمت إلى كوم الجثث..
مئة جثة بل يزيد وُجدت تسبح في النهر لأشخاص قد قيدت أيديهم وأعدموا برصاصات في رؤوسهم ثم أُلقوا في النهر.. عليهم جميعاً رحمة الله..
ومشاهد أكثر من مؤلمة تتلاحق واحدا بعد آخر على مسرح المستشفى..
                                                             *  *  *                                                       
طالب في كلية الصيدلة يعمل مع المشفى متطوعاً، كان قدره اليوم أن يأتي محمولاً وليس حاملاً للجرحى كعادته، أصابته رصاصة قناص في عنقه ومزقت عروقه فنزف أكثر دمه قبل أن يصل إلى المشفى.. يحاولون إنقاذه بكل طريقة لكنه يلقى الله شهيداً..
مصاب شاب يقول لطبيبه الذي يسعفه "أمانة إذا مت أن تسلموا على أمي وتقولوا لها أني ذاهب إلى الجنة"..
امرأة حامل في شهرها الأخير أصابها قناص برصاصة مزقت كبدها وأمعاءها، وجنينها يدخل في حالة حرجة، وهي تصيح بالأطباء: "إياكم أن يتشوّه المولود".. يسرعون بها إلى غرفة العمليات..
تستخرج طبيبة الولادة جنينها بعملية قيصرية عاجلة، وبينما يتابع الجراح إصلاح كبدها وأمعاءها الممزقة، يلفّ طبيب التخدير المولودة ويسرع بها إلى الغرفة المجاورة لإنعاشها، فينفخ في أنبوبة التنفس بفمه ريثما يحضرون حقيبة أمبو لتنفيسها، وسرعان ما يسمع الفريق المنهمك كلّ بعمله بكاء الصغيرة، القادمة الجديدة إلى هذا العالم في هذه الظروف القاسية..
طفلة في السابعة من العمر شقت ظهرها وبطنها قذيفة وأمعاؤها متدلية خارج بطنها.. يسرعون بها إلى غرفة العمليات فتلفظ أنفاسها الأخيرة قبل أن تبلغ الغرفة..
طفل في الثانية عشرة من العمر جمجمته مهشمة ونصف دماغه الخلفي ممزق.. يحتضر على الأرض لنحو نصف ساعة ثم يسلم الروح.. وبينما يحبس الأطباء الواقفون دموعهم، تقف أم إسماعيل أمام الصبي المحتضر تذرف دموعا غزيرة.. شهور طويلة مضت على أم إسماعيل في هذا المشفى بين الدماء والأشلاء والدموع والآلام، ولم تجف بعد دموعها، ما زالت لديها دموع تذرفها.. يمكننا أن ننسى مشاهد كثيرة رأيناها، لكن مشهد هذا الصبي هو واحد من المشاهد التي لا يمكن نسيانها..
أم إسماعيل المجاهدة هي من الناشطين المبكرين في هذه الثورة المباركة، ومطلوبة بالاسم عند النظام، وهي أم لكل أهل هذا المشفى المجاهد ترعى كلّ شؤونهم، من إعداد طعامهم إلى غسيل ثيابهم إلى العناية بالمكان كله، والصبي إسماعيل لا يألو جهدا في المساعدة بكل ما يستطيعه، وهو فخور أنه ابن أم إسماعيل، وحق له أن يفخر..
                                                         *  *  *                                                         
أطباء سورية المجاهدون يكتبون بأيديهم فصلا خالداً من التراث الطبي الإنساني.. أعمال كبيرة بإمكانات قليلة.. والبركة متجلية في كل حركة وسكنة بين يدي كل مصاب.. ورعاية الله تحفّهم وعين الله ترعاهم..
لم يقدّم أطباؤنا في حلب عملا طبيا راقيا وحسب، بل قدّموا أيضا إدارة صحية ذات كفاءة عالية وممارسة ديمقراطية مشهودة في هذه الظروف الاستثنائية..
المجلس الطبي لمدينة حلب الذي يرعى العمل الطبي في المدينة المحررة أنهى لتوه دورته الأولى. تجتمع هيأته العامة في مكان ما في المدينة، ويعرضون تقريرا عن أعمال المجلس خلال الدورة الماضية، ويشهد ما يشبه استجوابا للحكومة في برلمان في إحدى دول العالم المتقدمة، يتبع ذلك انتخابات جديدة لإدارة جديدة للمجلس..
مستشفى جديد يُجهّز.. نقاط طبية جديدة تفتتح.. أطباء يعملون ليل نهار بكل طاقاتهم ويتنقلون من مستشفى إلى آخر..
وعندما ينعمون بأوقات من الهدوء، الذي يسبق في كثير من الأحيان عاصفة، يشتغل طلاب الطب النجباء والأطباء المتدربون بمحاضرة أو نقاش علمي، أو ترى بعضهم يعملون على ورقة علمية، في فسحة علم أثناء الجهاد الذي يخوضونه.
                                                             *  *  *
وإذا سألت كلّ الذين يدبّون على الأرض هناك، من أطباء وجراحين وممرضين ومسعفين، ومصابين ومرضى، ورجال ونساء وأطفال، فكلهم يجمعون على رؤية واحدة: لا تراجع لا تفاوض لا لأيّ خيار غير اقتلاع النظام المجرم من جذوره، مهما طال الطريق ومهما كثرت التضحيات، وليس لنا إلا الله..
                                                             *  *  *
أطباء وممرضو ومسعفو سورية يعملون في كلّ مكان بأكثر من طاقتهم، في المشافي الميدانية في المناطق المحاصرة، وفي سائر المشافي في المناطق المحررة، ويمدون أيديهم إلى إخوانهم من الأطباء والجراحين السوريين في كلّ أرض ليهبّوا لعونهم، ومن بعدهم كل الأطباء والجراحين في هذه الأمة المعطاءة.
وليست هذه مطالبة لكم بالعمل في الأراضي المحاصرة الذي هو ذروة العمل وجهاد عظيم الأجر، بل دعوة للعمل في الأراضي المحررة التي تحمل شيئاً من المخاطرة لكنها مقبولة، في ظروف يعيش فيها الناس حياتهم رغم الصعوبات.
ومن أراد أماناً أكثر فلديه المشافي الحدودية متاحة للعمل، خاصة في التخصصات الدقيقة، وآمنة إلى حد كبير. وستكون مكاتب الرابطة الطبية في كلّس والريحانية في خدمة المتطوعين جزاهم الله خيراً.
والعمل الطبي في اتساع، وقد فرضت مرحلة الأرض المحررة التزامات جديدة على العاملين الطبيين تتجاوز العمل الإسعافي إلى الرعاية الصحية الأولية لأهل الأرض المحررة، بكافة جوانبها من لقاحات الأطفال الشحيحة إلى أدوية الأمراض المزمنة التي لا تكاد تتوفر في بلاد لم يعد الناس يجدون فيها رغيف الخبز ولا لقمة العيش.
صار العمل يحتاج إلى موارد أكثر بكثير مما تستطيعه هذه الهيئات الطبية العاملة، والعمل الطبي لن يستطيع الاستمرار دون عون من الأمة بأسرها.
لكن الله لن يتخلى عن عباده، والأمة لن تخذل هذا الشعب المجاهد بإذن الله.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع