..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مرصد الثورة

فقاعات من دون دماء

ريان الشفقي

7 سبتمبر 2013 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 8723

فقاعات من دون دماء
دمشق000.jpg

شـــــارك المادة

فقاعات من دون دماء هكذا تمتمت الأحجار مع بعضها خشية أن يسمعها أحد أو ينصت لها بشر، ولكنها تعلم أن الله يعلم السر وأخفى، وما من شيء إلا يسبح بحمده ولكن حتماً لا يفقهون تسبيحهم.
عرفت الأحجار فعادت إلى رشدها وتكلمت ببوح فلم يعد بالإمكان السكوت والفقاعات تتدحرج من حولها والطفل الصغير يسبح في إغماءة بعد أن رجفت كامل أعضائه وخلاياه دون استثناء.

 


فقاعات تتمدد وصمت واسع كبير يتخلل هذه الجلبة العظيمة، صمت يجتاح الدنيا ويملؤها عيّاً وها هي الملائكة تهلِّل وهي تنزل مسرعة وتعرج قابضة، أصابها من الخوف ما أصابها، لا تدري لماذا فقد جاءها الخبر الغازي بسرعة البرق فتطايرت في الأرجاء وضاقت السماء عليها بما رحبت ثم سارعت كما أمرها الله تعالى فهي تفعل ما تؤمر بطيب خاطر وحنان ومحبة للقادمين.
بصيص من حياة يتوضأ، بعض خلية في ضمير الصغير البريء تصحو رويداً لتتذكر إلماماً صوت صفير دوى، ثم انفجار وانفجار، صحا الطفل الصغير من نومه مذعوراً وتكوَّم على نفسه ثم ما لبث أن انطلق وقد فقد جلّ وعيه وهام بين الجدران ثم صمت يعقبه سكون وريب المنون، سحابة خرقاء تدخل من بين الشقوق وتتمشى فوق سطح الأرض كوحش سارينيٍّ أجوف...
هذا الوحش الجائم فوق الأرض يغطي الدنيا، هي زملكا، لا إنها سوريا، إنها الوطن، فأين ما يكون الموت واحد والمصيبة تكفهر ثم تجيء حبلى بالمصائب ولا تذهب، أبداً لا تذهب.
وقتها خيَّل لنائمين أن غابت الملائكة عن المشهد ساعات وهي تلامس الغيمات تنتظر انحلال الغازات والفقاعات، أرواح تصعد تتلقفها الملائكة وأرواح تتأرجح تحاول الملائكة الإمساك بها، أوليس للملائكة كمامات لتنزل مسرعة نحو الفقاعات.
المسعف جالس إلى جانب السائق والسيارة في حنق من امتداد الطريق، هو يذكر صوت الصفير الأرعن من بعيد ثم انفجارات متباينة، بعدها هدأ الكون من حولها لحظات بل ساعات ودهور ثم جلبة وكلام، وكلام وصراخ، وصراخ وهدوء ممزوج بأنَّات وصيحات استغاثة، وفقاعات حمراء لا دم فيها ولا هواء، المسعف في عينيه الواجمتين دموع تبرق، تترقرق، تتدحرج ماضية إلى حضنه حيث الطفل المسجى في صمت وسكون قبيل بزوغ الفجر في أجواء الغوطة، ينظر للأفق الدامي وأخيلة شجيرات الزيتون على يمينه، تتأرجح بعض الذكريات..
لقد طغوا وبغوا وتمددتْ جذورهم العفنة سياطاً من الخوف تلهب الظهور وقضباناً من الرعب تعبث بين أضلاع الناس، لم يبق في النفوس ذرة حب لما سموه (سورية الأسد)، تباً لهم وسوء مآب، لم يتدفق الانتماء في أوعية الحياة لديهم، كريات حمراء سوداء لا حمراء.
عطش للحقد والكبرياء الحقير، هؤلاء الذين يقتلون ويدمِّرون ثم هؤلاء الموالون.
يتنهد المسعف بعمق ثم يمسح أرنبة أنفه بطرف كتفه، ينظر للسائق أن أسرع، ينقل شعاع عينيه نحو الطفل الوديع الساكن في حضنه، وتعود ذكريات قريبة عجيبة، أعلام الثورة ترفرف يمنة وشمالاً، وهتافات تملأ الأجواء (مالنا غيرك يا الله... هي لله هي لله...) وغيرها بما عجّت به الأجواء الحميمية الدافئة والتلاحم العجيب والتوق إلى النور، كلها متوجة بأكاليل من الغار، فرحة ما بعدها فرحة والناس في نشوة كبرى، في خدر من نفحات حرة.
نعم أنا في شارع من شوارع سورية أهتف للحرية، أصدع للكرامة، أحُلُمٌ هذا أم ماذا؟!
إنجاز لا يضاهى وأي إنجاز أعظم منه عند السوريين، أكبر من الوصول إلى سطح القمر، نعم أكبر وأجلّ، ومن يعرف ما في هذه النفوس من التوق والشوق للنور يعلم ذلك فهو أكبر بكثير نعم أكبر بكثير.
لقد بان خيط الفجر في ضواحي الفيحاء، وها هي جُلَّقُ تمشي إلى مصيرها تحت جنح ظلام على وشك أن يزول، "لا إله إلا الله، ومالنا غيرك يا الله" وهي تمشي إلى بوادر فجرها بعد ربع ساعة أو نيف، لا، ليس الفجر الذي يؤذن له فقط بل إنه النور الكبير.
لا تدري أين يكمن شعاع الأمل رابضاً، في حجم الفقاعات أم في حقد هؤلاء المستجدين للدعة تحت نير الاستعباد والاستبداد، لا تقل لي أيها المشؤوم إنه الأمان، فلا أمان دون أمن في النفوس وزوال حقد من التائهين الظالمين.
انسلت الروح من الجسد من بين الفقاعات دون ضجة والطفل صامت دون روح تدفئ الجسد، لم يحتمل هز السيارة نحو المشفى الميداني، رهيف وحساس أيها الطفل الوديع كما كل سوري حرٍّ أبيّ، لقد مات وهو يمحو عن جسده آثار خطايا البشر، عاد كما كانز
ولكن هل بالإمكان أن يعود كما كان، لم يعد بالإمكان أن يكون كما كان، عند أذان الظهر تماماً اجتمع الطهر مع البراءة وتكاتفت التلافيف وتمدَّدَتْ لتصبح صافية طرية غنية بالسديم الأملس من كل حدب وصوب.
تقاطر باقي المسعفين والبشر الباقين والأجساد المتلوية والجثث الهامدة ملأى بالفقاعات والأطفال هائمون على وجوههم تمضي الدنيا بهم إلى حيث لا تدري ولا تعلم، حتى الأجساد التي ماتت واستشهدت تمضي إلى ما لا تدري في اللحظات الأولى، والممرات نحو الأخرة تعج بالقادمين المسرعين فقد غصت الطرائق السبعة تحت جنح الظلام والفقاعات الداكنة، هناك الأرواح تغص بها الممرات وأجساد تغصُّ بها الحواري والبيوت، أهو الحشر أما ماذا!!
والحشر على الله يسير، أم أن هذه صعبة على البشر مهما كان الإيمان صادقاً، والقلب ينفطر لا محالة من فقاعات دون وهج واحمرار.
تعبر الأجواء أسراب من الخطايا والسكون في صمت مطبق، وتمر دون استئذان عربات من الفقاعات ولا أحد يراها، وتهز ذرات الهواء هزّاً سريريا تكاد تنطفئ منه شعلة لم تنطفئ أبداً، وتركض القطط وتموء من فعل البشر الساكن، وسكوت ثم سكوت، صمت يشقه صمت، لحظات كالسنين العجاف تتبعها ومضات صغيرة طفولية أضاءت السماء والأرض والبشر تافهون تائهون.
لقد استسلمت للقدر، فاضت الروح الصغيرة الكبيرة إلى بارئها ولحقت بالذين قضوا والملائكة تهلل وتسبح وتردد "ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربِّهمْ يُرْزَقون، فرحين، فرحين، فرحين".
الله أكبر، الله أكبر، وما النصر إلا من عند الله، والله هو الذي يقدر ما هو النصر فحكمة الله بالغة بالغة، وصرخ الطفل آخر صرخة وهو يحاول أن يعود ليس حبّاً في الدنيا فقد رأى ما رأى من العناية الربانية ولكن ليوقظ الذين ماتوا في الحياة دون موت وليقول لهم لا لن أعود، لا لن أعود.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع