..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


ابحاث ودراسات

صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» والحرب الدولية عليه

مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث الاستراتيجية

3 يناير 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1602

صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» والحرب الدولية عليه
00 قافلة.jpg

شـــــارك المادة

على مسرح الأحداث المضطرب دائماً في الشرق الأوسط، ظهر تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" على نحو صادم ومفاجئ للجميع.  فمما يماثل ثقباً أسود في فضاء التاريخ انبعث التنظيم واستطاع بمهارة بالغة أن يضم إلي صفوف أعدائه أطرافاً عدة متحاربة منذ سنوات غير أنها اجتمعت على عداوته. 

تحلل هذه الورقة الأسس المفاهيمية التي انطلقت منها "الدولة"، وتتناول تطور التنظيم من العراق إلي الشام وعلاقته بالثورة السورية، كما تناقش موقع "الدولة" في الحراك "الجهادي" المستمر منذ النصف الثاني من القرن الماضي، وتقدم إطاراً تفسيرياً لصعودها المفاجئ ثم للحملة الدولية ضدها.
مدخل: المفاهيم الأساسية

في التاسع من إبريل عام 2014  ظهرت "الدولة الإسلامية في العراق والشام" على مسرح الأحداث المضطرب في الشرق الأوسط[1]. لم تتميز "الدولة" فقط بوحشيتها وتعصبها الشديد ونزعتها التكفيرية الطاغية وتعطشها اللانهائي للدماء[2] التي دفعت حتى القاعدة للتبرؤ منها، ولكن كان صعودها المتسارع والمفاجئ وتوسعها إقليمياً بسرعة مذهلة صادماً ومثيراً للتساؤل.

ففي أشهر معدودات انتقلت "الدولة" من مجموعة هامشية مجهولة إلى مركز الاهتمام والحركة على المستوى الدولي والإقليمي، وتحدت الواقع الجيوسياسي للمنطقة الذي حددته اتفاقية سايكس-بيكو.

كان الشرق الأوسط في حالة من الفوضى يُرثى لها، غير أنها ذلك النوع من الفوضى التي تبتهج لها أمريكا، وثمة مفهومان ارتبطا بالمحافظين الجدد يقدم كلاهما مدخلاً مهماً وأساسياً لفهم فوضى الشرق الأوسط اليوم: الفوضى الخلاقة والاحتواء المزدوج.

طور توماس بارنيت (البروفيسور في وزارة الدفاع الأمريكية) مفهوم الفوضى الخلاقة الذي أخرجته كوندوليزا رايس للعلن في حوارها مع الواشنطن بوست عام 2005، ثم كررته ثانية بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006، كما تحدث عنه شمعون بيريز بإسهاب في كتابه حول الشرق الأوسط الكبير.

وللمفهوم جذوره الأصيلة في الفكر الغربي لدى نيكولو مكيافيللي الذي تناول دور الفوضى في إيجاد النظام وأطروحة جوزيف شومبيتر الاقتصادية بشأن الفوضى الخلاقة ودورها في إعادة بناء اقتصاد عالمي وترميم الأزمات الاقتصادية.

أصبح مفهوم الفوضى الخلاقة في مركز السياسة الخارجية الأمريكية الشرق الأوسطية بعد أحداث سبتمبر، الفوضى الخلاقة واحدة من الاستراتيجيات الأمريكية التي ترمي لإحداث تغيير جذري لأوضاع الشرق الأوسط بما يلائم الرؤية الأمريكية ويحفظ مصالحها الاستراتيجية، وهي تقوم على خلق أوضاع سياسية جديدة ومستقرة ملائمة بعد فوضى كبيرة تعم المنطقة.

أما نظرية الاحتواء المزدوج فقد طورها مارتن إنديك كسياسة خارجية أمريكية تجاه كل من إيران والعراق بعد نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية وانتهت إلى إضعاف وعزل الطرف المهزوم وتدمير الطرف المنتصر، وإبقاء الأحقاد والثارات بين الطرفين مستعرة تحت الرماد بامتداداتهما الإقليمية والمحلية بما يكفي لاستدعائها لاحقاً.

من جهة أخرى لا يمكن فهم ظاهرة "الدولة" بعيداً عن مفهوم إدارة التوحش، وهو المقابل "الجهادي" لنظرية الفوضى الخلاقة للمحافظين الجدد. 

تحت عنوان "إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة" كتب "أبو بكر ناجي"[3] ينظِّر ويقعِّد لما أسماه إدارة التوحش[4]، وعرف المفهوم باختصار بأنه "إدارة الفوضى المتوحشة"، وقصد بها الفوضى التي ستنتج عن فراغ السلطة وفقدان السيطرة في منطقة أو إقليم معين نتيجة العمل "الجهادي" المسلح ضد السلطة أو ما أسماه "مرحلة شوكة النكاية والإنهاك"، هذا الفراغ السلطوي على الحركات الجهادية أن تكون مستعدة لملئه وإدارته كي تصل إلي ما أسماه "مرحلة شوكة التمكين-قام الدولة"[5].

ولذلك ركز ناجي على الأهمية القصوى للإعلام فضلاً عن ضرورة تعلم علوم الإدارة والسياسة والعسكرية الغربية، وأشار تحديداً الأنثروبولوجيا الغربية باعتبارها ضرورية للتعامل مع القبائل وكسب ولائهم[6].  من اللافت للنظر أن الفوضى المتوحشة التي يعنيها ناجي تماثل تماماً مفهوم توماس هوبز عن حرب الجميع ضد الجميع وحالة الطبيعة الأولى، فيقول ناجي: "إن منطقة التوحش قبل خضوعها للإدارة ستكون في وضع يشبه وضع أفغانستان قبل سيطرة طالبان.. منطقة تخضع لقانون الغاب بصورته البدائية يتعطش أهلها الأخيار منهم بل وعقلاء الأشرار لمن يدير هذا التوحش، بل ويقبلون أن يدير هذا التوحش أي تنظيم أخياراً كانوا أو أشراراً"[7].
من العراق إلي الشام: حكاية "الدولة"

مع انطلاق الثورة السورية ثم تحولها إلي السلاح مع العنف المطلق لبشار الأسد ظهرت جبهة النصرة كجزء من "قاعدة الجهاد في العراق" لتكون فرعها في سوريا الذي انتقل إليها قادماً من العراق في أواخر 2011 ولكن بمنطلقات شرعية وفكرية مباينة بشدة لقاعدة العراق بلورها أبو مصعب السوري وغيره[8]. 

كان أبو بكر البغدادي زعيم دولة العراق الإسلامية قد أرسل إلى سوريا أبو محمد الجولاني مع سبعة أو ثمانية آخرين (أغلبهم سوريون) دون إعلان رسمي لتأسيس قاعدة للجهاد في سوريا[9].  وبمرور الأيام أصبحت جبهة النصرة ركناً أساسياً من أركان القوة الضاربة للثورة المسلحة ضد الأسد.

في التاسع من إبريل 2013 ظهر أبو بكر البغدادي زعيم الدولة الإسلامية في العرق في تسجيل صوتي يعلن فيه أن جبهة النصرة ما هي إلا امتداد لدولة العراق الإسلامية، كما أعلن فيها إلغاء اسمي جبهة النصرة ودولة العراق الإسلامية تحت مسمى واحد وهو الدولة الإسلامية في العراق والشام[10].  غير أن أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة لم يلبث فترة قصيرة إلا وظهر في تسجيل صوتي آخر يعلن فيه عن علاقته مع دولة العراق الإسلامية غير أنه نفى علمه الشخصي أو علم مجلس شورى الجبهة بهذا الإعلان، وأعلن رفضه لفكرة الاندماج وأعلن مبايعة تنظيم القاعدة الأم في أفغانستان[11].  تبع ذلك انشقاق ما يقرب من ثلث مقاتلي جبهة النصرة عنها وانضمامهم للدولة[12].

انفصلت "الدولة" عن جبهة النصرة في إبريل 2013، وظهرت بنبرة تكفيرية عالية وشعور بالانفراد وممارسات استعلائية استقوائية وقصور نظر واعتساف ينبئ عن حمق وغفلة[13]، كما تجاوزت حتى كل السياسات الجهادية والقواعد الحركية التي صدرت عنها جبهة النصرة خاصة التطهير الداخلي الحاسم والناجز بدافع التخلص الفوري من "العدو القريب" على خلاف كل الجماعات الجهادية في سوريا التي ارتأت ضرورة الفراغ أولاً من "العدو البعيد" إدراكاً منهم أن مسار "الدولة" سيفتح ولابد معارك داخلية كبيرة غير معركة النظام فضلاً عن المعركة الأخرى التي كانت قد بدأت ضد المشروع الكردي[14].

من جهة أخرى فارقت "الدولة" استراتيجية "القاعدة" بعدم السيطرة مطلقاً على أراضي أو إعلان الخلافة، حيث أعلنت "الدولة" الخلافة في يوليو 2014.

لقد قصمت "الدولة" ظهر الثورة السورية وأعطت النظام السوري قبلة الحياة. 

في حلب مثلاً انقلبت الآية؛ بعدما كان الثوار يحاصرون النظام أصبحوا هم المحاصرين.  فتحت "الدولة" النار على جميع الثوار، بينما اقتصدت جداً في سلاحها المصوب نحو نظام الأسد.  وحتى عندما كانت "الدولة" مجرد مجموعة ضمن المجموعات القتالية الأخرى المتواجدة على أرض سوريا، كانت كلما سيطرت على منطقة أعلنت فيها نظاماً جديداً ومحاكم شرعية جديدة ونصبت حواجزها وفرضت نظامها.  أما نظام الأسد وجيشه الذي استهدف كل الثوار ومجموعاتهم، فلم يصطدم أبداً بالدولة في أي معركة مع الأسد ولا استهدف قادتها، فيما يؤسس لعقد صامت بين "الدولة" ونظام "الأسد" تقضي بموجبه "الدولة" على كل المجموعات الثورية وتستهلكها بينما يغض جيش الأسد الطرف عنها ويكثف ضرباته للثورة.  وبفضل "الدولة" تحولت الثورة السورية إلى "مصهرة استنزاف" للجميع وفق الرؤية الأمريكية[15]، أصبحت عملية احتواء مزدوجة متعددة الأطراف (النظام السوري، إيران، حزب الله، "الدولة"، قوى الثورة، الطاقة الجهادية الإسلامية، تركيا). تداخلت الملفات واشتبكت العوامل وصار من الممكن للولايات المتحدة ولغيرها اللعب على أي وتر شاءت.
صعود الدولة: إطار تفسيري

وفي 10 يونيو 2014 كان استيلاء "الدولة" على الموصل دون مقاومة تذكر شهادة الميلاد الحقيقية لها حيث ضمنت سيطرة "الدولة" علي الموصل وتوسعاتها بعد ذلك امتلاك أراضٍ شاسعة، فضلاً عن قوة عسكرية منظمة ومدربة وباطشة ذات سلاح وعتاد متطور، وامتلاك موارد مالية ضخمة تتضمن آبار بترول في سوريا والعراق وأموال بنك الموصل التي يُقال إنها تعدت النصف مليار دولار؛ ناهيك عن إسقاط الحدود بين سوريا والعراق في أول تحدٍ علي الإطلاق لحدود سايكس-بيكو.

في لمح البصر جرى تحول هو أقرب للتسليم والتسلم منه إلى صراع واستيلاء وسقوط، في بضع ساعات وضعت "الدولة" يدها علي منطقة غنية بالنفط رغم الانتشار الكثيف لجيش رسمي مدرب ومسلح أمريكيا.

تشير مصادر عراقية إلى أن السقوط السريع للموصل سببه اتفاق بين شيوخ العشائر السنية وقيادة "الدولة" هندسه "عزت الدوري" الرجل الثاني في نظام صدام حسين، مبررين تفضيل العشائر للدولة على المالكي بسياساته العنصرية وما تعرض له السنة من تهميش وعنف.  وبعدها بشهر، خرج عزت الدوري في تسجيل صوتي ليعلن فيه تحرير نصف العراق ويحيي قيادة تنظيم "الدولة"[16]. 

غير أن هذا وحده ربما لا يكون كافياً للتفسير، فمن غير المعقول أن تمتلك "الدولة" القدرة على احتلال الموصل بهذه السهولة والبساطة دون مساعدات مخابراتية ولوجستية قدمت لها من داخل العراق ومن خارجه من قبل قوى إقليمية، والأهم دون ضوء أخضر أمريكي. خاصة إذا قارنا الموصل بكردستان العراق أو عين العرب-كوباني. غير أن ثمة من يرى في الموصل نموذجاً على نمط التفكير الاستراتيجي والتكتيكي للدولة، فالموصل ببساطة تتوسط الدائرة الواصلة بين تركيا وإيران وسوريا وكردستان، كما أنها تطل على الخليج العربي ونهر الفرات، ما يمنحها أهمية استراتيجية غير متوافرة بالرمادي أو الفلوجة مثلاً، فهي مركز دائرة كل من فيها هم أعداء لبعضهم البعض، ومن ثم تضمن الدولة الوليدة استحالة اجتماع الكل ضدها لإجهاضها، بل تستخدمهم ضد بعضهم.  وهكذا نقلت "الدولة" ببراعة نموذج مصهرة الاستنزاف متعددة الأطراف من سوريا إلى العراق.

ما منح أقوى شرعية لخطاب "الدولة" وخطها سياسة أمريكا ذاتها تجاه الربيع العربي، التي عبر تجديد وتعزيز تحالفاتها المستقرة مع مشايخ الخليج قادت وأشرفت على عودة الانقلابات العسكرية على أول انتخابات ديمقراطية حرة حقاً في تاريخ الدولة القومية العربية المعاصرة ومنحتها الشرعية، في رسالة واضحة إلى الشعوب مفادها: صناديق الاقتراع لا تعني شيئاً، ليس أمامكم إلا السلاح. 

ناهيك عن الانفجار الهوياتي وانبعاث الهويات المحلية والدينية والإثنية والعرقية الذي صاحب انهيار البنى السياسية ما بعد الكولونيالية، والتي شجعته السياسات الهوياتية التي أذكت التوازي في أشكال الانقسام فتفاعلت الانقسامات الدينية والطائفية والاقتصادية. وأوجد التمييز الطائفي والسياسات الهوياتية التي تعرضت له قطاعات واسعة من العراقيين حاضنة اجتماعية مثالية للدولة وأمثالها[17].

تقدم الجغرافيا السياسية مدخلاً آخر لتفسير صعود "الدولة" التي أثبتت أنها (والحركات الجهادية) الوحيدة المؤهلة لملء الفراغ الجيوسياسي الناتج عن تراجع قوة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والمشرق العربي خصوصاً. وهو تراجع استمر منذ حرب أفغانستان والعراق وصولاً إلي الثورة السورية. لقد تدخلت أمريكا وتورطت أكثر مما يجب، أكثر مما تحتمل، انكشفت حدود القوة الأمريكية وأفضت موجة الضربات الاستباقية إلي هزيمتين عسكريتين متتاليتين. أثبتت أمريكا قدرتها علي إسقاط أنظمة وتدمير دول وتغيير الأوضاع، غير أنها أثبتت كذلك عجزها عن إعادة بنائها وتشكيلها مرة أخرى.  وفي خضم ذاك الفراغ الذي خلفته حروب أمريكا وتدخلاتها استعرت الانقسامات والاستقطابات الهوياتاية والعرقية والطائفية، وعلي تلك الأرضية وجدت "الدولة" وغيرها مساحة متزايدة للنمو والتطور. وللمفارقة يجد الأمريكيون أنفسهم اليوم مضطرين للعودة كرة أخرى بعد أن انسحبوا مكرهين ببقايا قوتهم وكرامتهم لمواجهة التحدي الصيني المتزايد، غير أن أمريكا وحلفاءها الخليجيين انغمسوا في صراع نفوذ مع الروس وحلفائهم الإيرانيين ما أطال أمد الصراع[18].

وثمة من يقرأ "مشهد" "الدولة" ضمن "المسرحية" المستمرة منذ قرنين من الزمان التي تمخض عنها الشرق الأوسط المعاصر، تلك المسرحية التي لم تكن صيرورة نحو الحرية بل نحو غرس وتطوير السلطة الانضباطية الحديثة. فالذات الاجتماعية العربية ولدت أساساً داخل علاقات السلطة بل كجزء منها. ومن ثم فالدولة لا يمكن إرجاعها إلي أسباب تاريخية أو تراثية أو دينية بقدر ما هي نتيجة من ضمن نتائج وتمظهرات فشل الدولة القومية العربية الحديثة التي ظهر مجالها العام كجزء من تطور تكنولوجيات الرقابة والسيطرة السلطوية. من هذا المنظور، فالدولة ليست استجابة إسلامية "ما" لتحدي الحداثة والإمبريالية الغربية وإنما هي نتيجة للانقلاب الابستيمولوجي الذي أحدثته الإمبريالية الغربية بإزاحة الشريعة كأساس للاجتماع الإسلامي واختزالها داخل البنية القانونية الحديثة لتعمل الشريعة والدين كجزء من الماكينة السلطوية بدلاً من أن تكون مناقضة ومقوضة لها، فمولد الدولة العربية الحديثة كان يعني بالضرورة انمحاء التوحيد كقاعدة فاعلة مؤسسة لبنية السلطة وعلاقتها بالمجتمع[19].

وتقدم بنية "الدولة " ذاتها مدخلاً مهماً لفهمها، فمن الأمور الجديرة بالملاحظة موضع "الدولة" في السياق "الجهادي". فهي تقترب جداً من نموذج الحركة الوهابية النجدية في منتصف القرن الثامن عشر[20] ونموذج الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر في تسعينات القرن المنصرم أكثر من كونها تطوراً أو استمرارية للخط الجهادي الأممي الذي ابتدأه عبد الله عزام في سبعينات القرن العشرين.

المسألة تتعدى انفصال "الدولة" و"النصرة" الذي كان أحد تجليات الانشطار الداخلي المؤجل داخل القاعدة من زمن بين رافدين أساسيين:

الرافد الأول الممتد من عزام إلى السوري أبي مصعب: يمثل الذي خرجوا من أو تركوا الأخوان اختلافاً معهم حول قراءة الواقع، وبقوا متفقين معهم عقائدياً وفكرياً، فهم أبناء أدبيات قطب وعزام.  أما الرافد الثاني فهم: النجديون وهم سلفيون أتوا من رحم أدبيات محمد بن عبد الوهاب ثم حملوا السلاح مقتفين ثورته.  كان أسامة بن لادن قادراً على حفظ التوازن بين التيارين بحكم تكوينه الشخصي الذي كان مزيجاً من التيارين أما الظواهري ابن تجربة الإخوان ثم الجهاد المصري فلم يتمكن من المحافظة على ذاك التوازن. فضلاً عن ذلك فإن أغلبية المنضمين والمؤيدين للدولة من خارج التيار الجهادي أساساً.

فمنذ تولى أبو بكر البغدادي قيادة التنظيم في 16 مايو 2010 تحولت البنية التنظيمية للفرع العراقي في هذه الحقبة نتيجة سيطرة عدد من العسكريين البعثيين الذين نشؤوا في المؤسسة العسكرية في عهد صدام، مثل حجي بكر، وأبو مسلم التركماني، وأبو عبد الرحمن البيلاوي، وأبو أحمد العلواني، وأبو مهند السويداوي، ومحمد الندى الجبوري وغيرهم من قادة وأركان حرب "الدولة"[21].  والأغلب أن هؤلاء البعثيون يستبطنون مشروع صدام المحلي والإقليمي وإن بمسحة دينية.
الخطوط الحمراء: التحالف ضد "الدولة"

ومع توسعات "الدولة" الإقليمية وتجاوزها الخطوط الحمراء التي رسمت لها ظهر التحالف الدولي ضد "الدولة" معبراً عن مدى انزعاج الأميركيين واستفزازهم نتيجة اختلاط أوراقهم في العراق وسوريا بفعل "الدولة".  فلم تكن الأهوال التي ارتكبها الأسد على مدى ما يقارب السنوات الثلاث كافياً، كما لم تكن جرائم الدولة بحق أهل السنة وتوغله في مناطقهم ودمائهم كافية لصحوة الضمير الأمريكي التي أتت فجأة وأعقبها تدخل سريع عندما هددت "الدولة" معاقل الأكراد في شمال العراق وعين العرب-كوباني، فضلاً عن المسيحيين والإيزيديين.

فحتى وإن تقاطعت مصالح "الدولة" مع مصالح أمريكا وحلفائها، إلا أن "الدولة" أجبرت أمريكا علي العودة من جديد إلي الشرق الأوسط بعد أن كانت قد انسحبت منه جزئياً، كانعكاس لتغير أولوياتها في عهد أوباما عن سابقه بوش، لا سيما لمواجهة الصعود الصيني المذهل وأسباب أخرى تتضمن الفاتورة الباهظة لمغامرات بوش الفاشلة في أفغانستان والعراق، ورغبة الرأي العام الأمريكي في عدم التورط في حروب طويلة مكلفة. 

لقد فرضت "الدولة" نفسها على الأجندة الأمريكية كأمر واقع، واجه أوباما ضغوطاً هائلة في واشنطن للتعامل مع "الدولة" وما مثلته من تهديد. غير أن استراتيجية أوباما والإدارة الأمريكية لم تقدم جديداً فوق سياسة الانسحاب الجزئي من الشرق الأوسط التي تبناها ونفذها أوباما منذ وصل إلى البيت الأبيض.

فقد تلخصت خطة أوباما في توجيه ضربات جوية محدودة لمواقع "الدولة"، بمشاركة حلفائها الغربيين فضلاً عن العرب (للتأكيد على أنها ليست حرباً أميركية ضد الإسلام). بينما ستتحمل أطراف أخرى الجهد الأكبر على الأرض: القوات الكردية، والجيش العراقي، وقوات عشائرية سنية، فضلاً عن قوات من "المعتدلين" السوريين وفق معايير الاعتدال الأمريكي الذين سيتم إعدادهم في الشهور القادمة.

تتجاهل أمريكا المطالب التركية بشكل كامل، فلا حديث عن مستقبل سوريا ولا تصور لإصلاح بنية الدولة العراقية والحصاد المر للسياسات الطائفية والتوغل الإيراني العميق، وثمة تجاهل تام لفكرة المناطق الآمنة وحظر الطيران. كل هذا رغم إدراك جميع الأطراف بلا شك لمحورية الدور التركي، فعملياً لا يمكن تصور مواجهة "الدولة" عسكريا أو إعادة إعمار سوريا لاحقاً دون مشاركة تركية كاملة.  خاصة وأن الضربات الجوية لم تغير كثيراً من الوضع على الأرض، لا سيما مع الخبرات التي طورتها الحركات "الجهادية" عبر السنوات الماضية في التعامل مع ضربات كهذه.

إذاً هو التردد الأمريكي والخوف من مآلات تدخلها عسكرياً على الأرض وعدم الاستجابة التركية لمخططات التحالف يفسر جانباً مهماً من رد الفعل الأمريكي البارد والبطيء والمحدود. فضلاً عن ذلك فأمريكا بالتأكيد لا تسعى لهزيمة "الدولة" دون وجود بديل على الأرض يمكن أن تطمئن إليه من القوى المعتدلة وفق التعريف الأمريكي.  فغاية ما تريده أمريكا التعامل مع التحدي الذي تمثله "الدولة" ولكن على نحو "موضعي"، دون تعكير صفو الموجة العارمة للثورة المضادة التي اجتاحت المنطقة عقب نسمات الربيع القصير للغاية، بل بما يعزز هذه الثورة المضادة.  فأمريكا إذا لا تريد السماح لأي قوة تغيير عربية بالاستفادة من هذه الحرب الغربية ضدها، وإن استفادت أطراف أخرى لا سيما إيران والأسد.

أما تركيا فهي تخشى من فراغ سياسي وأمني ستخلفه الحرب على "الدولة" إذا لم يكن ثمة بديل، فراغ لن يملأه من وجهة النظر التركية إلا أحد طرفين: إما الأسد مما سيجعل تركيا في موقف صعب نتيجة وصول قوات الأسد بروحها الانتقامية فضلاً عن خسارة الثورة التي راهنت عليها تركيا واستثمرت فيها طويلاً. وإما قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري، القريب من حزب العمال الكردستاني التركي والساعي لإقامة منطقة حكم ذاتي على غرار كردستان العراق، مما قد يشعل حرباً مع الأكراد الأمر الذي يمثل خسارة فادحة لجهود السلام خلال السنوات الماضية ويكون حاجزاً بينها وبين المجال السوري الحيوي بالنسبة لها[22].

المستفيد أساساً من هذه الحملة الدولية هي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها. فالدولة وإن بدا أنها مناقضة للغرب ولأمريكا إلا أنها تصدر عن المنطق ذاته وإن اتشحت بوشاح إسلامي، فهي جزء من الاستجابة الأمريكية للربيع العربي: تأمين المصالح الاستراتيجية، إعادة صناعة أنظمة وشبكات سيطرة محلية، تأمين بقاء الجماعات الوظيفية الحاكمة خاصة في الدول المركزية (مصر وسوريا).  وحتى إن تجاوزنا مسألة التوقيت بخصوص التحالف الذي تشكل بذريعة "الدولة"، إلا أنه من حيث جدية التنفيذ وجدواه يثير العديد من التساؤلات والشكوك. فلا يبدو من الضربات أنها تهدف حقيقة للقضاء على "الدولة"، وإنما ما يحدث هو مناورة لكسب الوقت لإعادة بناء وهيكلة شبكة جديدة من التحالفات الإقليمية والمحلية لإعادة إنتاج النفوذ الأمريكي وترميم ما خسرته نتيجة الربيع العربي.

في حواره مع قناة abc الأسترالية في 27/09/2014، تحدث مارتن إنديك عن تلك التحالفات معبراً عن السعي الأمريكي لبناء شبكة من التحالفات تضم إسرائيل وممالك الخليج ومصر والسلطة الفلسطينية لمواجهة الإخوان و"الدولة" و"الأسد وإيران".

وباستثناء استخدامه "الأسد وإيران" التي تصالحت معها أمريكا أخيراً، فإن هذا المسعى هو في جوهره ينتهي لحرب سنية سنية، فالرابح الأكبر من وراء كل ما يحدث هو بلا شك إيران، فهي الرابح الأكبر في المنطقة. وهو استمرار لذات المنطق الحاكم صناعة "مصهرة استنزاف" لجميع الأطراف تتم فيها عملية الاحتواء المزدوج متعددة الأطراف.
خاتمة:

سيبقى السؤال: إلى أين يأخذنا التحالف الدولي ضد "الدولة"؟ سؤالاً مفتوحاً، فلا تزال الحرب الأمريكية على القاعدة ماثلة للجميع، فبدلاً من القضاء على القاعدة تحولت إلى "قواعد" كثيرة منتشرة عنقودياً في أرجاء العالم. خاصة وأن الضربات الجوية لم توقف "الدولة" بقدر ما حولتهم من مجموعة تخاصمها جميع المجموعات القتالية في سوريا إلى "مجاهدين" يقاتلون "حلفاً صليبياً كافراً".

مازالت المظالم التي تتغذى عليها المجموعات الجهادية المسلحة (على اختلافها وتناقضاتها) قائمة.

ليس ثمة شك أن الفقر والتهميش وعقود من حكم الأقليات التي لا تعبر عن الشعوب، ثم الهيمنة الأمريكية والجموح الإيراني... الخ كل ذلك يعاد التمكين له في الاجتماع العربي بعد أن تصدع جزئياً أمام الربيع العربي. ومن ثم حتى لو تراجع تنظيم الدولة الإسلامية إلى الهوامش الحدودية وبات مهمشاً كأي جماعة مسلحة، فإن بذور الرفض مازالت قائمة وسيجني ثمارها "قاعدة" أخرى، أو "دولة" أخرى، طالما أن الشعوب لا يسمع لصوتها وتصادر إرادتها، وتغلق أمامها سبل التغيير.

 

لتحميل لصورة pdf اضغط هنا

------------------------------------------------------------------

[1]. انظر حول نشأة "الدولة": أحمد الساهر، 2014، الدولة التي رأيت: شهادتي للخلافة المنتظرة؛ عبد الرحمن صيام ، داعش .. التاريخ والتنظيم، نون بوست.نت، 7 مايو 2014.

[2]. راجع: حسن أبو هنية، مرجعية تنظيم الدولة الإسلامية: من التوحش إلى فقه الدماء، عربي21.كوم، 26 أكتوبر 2014؛ حمزة المصطفى وعبد العزيز الحيص، 2014، سيكولوجيا داعش، منتدى العلاقات العربية والدولية، 28 سبتمبر 2014.

[3]. يُقال أنه عضو أيديولوجي لا تنظيمي في القاعدة، ويُقال كذلك أنه اسم مستعار وأن الكتاب نتاج مجموعة عمل كبيرة.  ويُروى أن المخابرات الأميركية عثرت على وثائق ورسائل موجهة من وإلى بن لادن تشمل فصولاً من هذا الكتاب، وترجمه إلى الإنجليزية عام 2006 ويليام ماكانتس، زميل مركز مكافحة الإرهاب بالأكاديمية العسكرية الأمريكية.

[4]. انظر أيضا: حسن أبو هنية، هل يشكِّل تنظيم "داعش" خطرًا على الأردن؟، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقييم حالة، 17 سبتمبر، 2014.

[5]. أبو بكر ناجي، 2005، إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة، مركز الدراسات والبحوث الإسلامية، ص 15.

[6]. أبو بكر ناجي، المرجع السابق.

[7]. أبو بكر ناجي، المرجع السابق، ص 11.

[8]. انظر مثلا: حمزة المصطفى وعبد العزيز الحيص، مرجع سابق، ص ص 5-8؛ أبو فراس السوري، 2014، شهادة الشيخ أبي فراس السوري حفظه الله، http://www.youtube.com/watch?v=K_mzhBm6ltQ.

[9]. راجع لقاء الجولاني مع تيسير علوني علي الجزيرة.

[10]. أبو بكر البغدادي، 2014، إعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام، http://www.youtube.com/watch?v=f0G5CUssyFk.

[11]. أبو محمد الجولاني، 2014، جبهة النصرة ترفض الاندماج مع الفرع وتبايع التنظيم الأم، http://www.youtube.com/watch?v=O86-sOV447M.

[12]. حمزة المصطفى وعبد العزيز الحيص، مرجع سابق.

[13]. راجع مثلا: حادثة أبي عبيدة البنشي، حادثة مقتل محمد فارس ، أحداث مسكنة، أحداث عرسال.

[14]. أحمد الساهر، مرجع سابق؛ حسن أبو هنية، مرجعية تنظيم الدولة الإسلامية، مرجع سابق؛ حسن أبو هنية، هل يشكِّل تنظيم "داعش" خطرًا على الأردن؟، مرجع سابق.

[15]. محمد المختار الشنقيطي، تركيا لا تخدم الأميركيين إيمانا واحتسابا، الجزيرة.نت، 23 أكتوبر 2014.

[16]. عزت الدوري، 2014، عزت الدوري يعلن تحرير نصف العراق ويحيي قيادة تنظيم الدولة الإسلامية، http://www.youtube.com/watch?v=pw5fxR-GHWQ.

[17]. حسن أبو هنية، هل يشكِّل تنظيم "داعش" خطرًا على الأردن؟، مرجع سابق؛ Soumaya Ghannoushi, What gives legitimacy to ISIL's rhetoric?, Aljazeerae.com,10 October 2014..

[18]. Ghannoushi، المرجع السابق.

[19]. محمد تركي الربيعو، «الجهاد في زمن الليكزس» عن أزمة الحداثة والعنف الديني في الشرق الأوسط، القدس العربي، لندن، 15 أكتوبر 2014.

[20]. سمير الحمادي، الوهابية والسلفية الجهادية: مقدمة في إشكالية العلاقة، التقرير.كوم، 10 سبتمبر 2014؛ محمد حسن، السعودية: داعش المنطقه الأكبر، نون بوست.نت، 18 سببتمبر 2014.

[21]. حمزة المصطفى وعبد العزيز الحيص، مرجع سابق؛ نواف القديمي، سؤال كبير ... كيف تشكّلت داعش؟ (1-2) ، العربي الجديد، 20 أغسطس 2014.
[22]. محمد المختار الشنقيطي، مرجع سابق.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع