..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مقالات منوعة

لا دماء في القامشلي

أحمد ملحم الشمري

٥ ٢٠١٢ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 2919

لا دماء في القامشلي
1القامسلي.jpg

شـــــارك المادة

خيال الطفولة الغض يرمي إليك بأفكار غير واقعية، تظل تعاني من تداعياتها، ولا تستطيع التخلص من أسرها ومن فتاتها العالق في الذهن بسهولة، حتى وإن جلت لك السنون كثيراً من غبشها، فكرة غير صحيحة عاشت معي زمناً طويلاً، تقول بأن المدن كل المدن تقع في جهة الشمال، أما الجنوب فيخلو من المدن، تتمدد على ترابه  قرى متباعدة يتلوها حماد يتوقف عند جبل سنجار.

 


ويختصر الخيال الطفولي المدن في مدينة وحيدة هي المدينة الحلم، المدينة الأجمل، المدينة التي  جمعت براءة القرى وتنظيم المدن الكبرى، مدينة القامشلي، المدينة السورية الفتية التي تنام وتستيقظ مع أختها التركية المعمرة (نصيبين) في أحضان جبال طوروس تستجديان حماية لا تنال من رياح الشمال التي لا ترحم.
يمر بنا ـ قبل طلوع الشمس كل يوم ـ الباص الوحيد (بوسطة جميل) الذي يحتكر النقل البري من سفح سنجار إلى القامشلي صباحاً وبالعكس عصراً، يتلكأ ويبطئ في سيره عند كل قرية، يحمل الركاب مع بضاعتهم التي يجلبونها إلى المدينة ليعودوا عصراً بالمؤونة والكسوة.
صياح وتلاسن وثغاء، أصوات متنافرة تختلط وترتفع، تضخمها ساعات الصباح الأولى إلى أبعد مدى لتوقظ النائم وتنبه الغافل، تراب يعلو، وهدير يشق هدوء الصباح ينبئان بأن الحافلة قادمة.
منذ يومين ونحن ننتظر هذه اللحظة ـ التي تحتفظ بها الذاكرة حية على الدوام ـ لتتسلل أمنيات لا يمكن تحقيقها إلا بالسفر إلى المدينة الطافحة بكل أنواع الإغراءات لأطفال يحلمون  بثياب جديدة وأحذية جديدة، وقصة شعر عند حلاق حاذق لا يصيبهم مقصه بأذى وهو ينتقي ما يطيب له من شعورهم.
إنه اللقاء الأول وتكررت من بعده اللقاءات، ونغادرها فيما بعد إلى المدن الأخرى وإلى العاصمة، نقضي في الشام مرحلة دراسية كاملة ويبقى الحنين إلى القامشلي هو الحنين الذي لا يضاهيه حنين.
القامشلي حديثة النشأة، ولكنها تجمع دروس التاريخ والجغرافيا في كراسات ملونة بكل اللغات واللهجات، مدن في مدينة، مزيج من الأقوام والديانات ليس كمثله مزيج، خلطة رائعة من عطور شتى، فيها السرياني وفيها الآشوري، فيها الأرمني وفيها الشيشاني، فيها الكردي وفيها العربي، فيها المسلم وفيها المسيحي، فيها الشرقي وفيها الغربي، فيها الموسوي وفيها اليزيدي، فيها البدوي وفيها القروي، فيها الحوراني وفيها الشامي، فيها الحمصي وفيها الحموي، فيها الحلبي وفيها الديري ..... فيها من سفيرة وفيها من السخنة، عائلة من هنا وعائلة من هناك، قصص طويلة وتاريخ عابر للأزمان، والآصرة  جيرة وخبز وملح ومحبة .
ليس لجميع من ذكروا أفضال على القامشلي، بل هي صاحبة اليد البيضاء على الجميع، فتحت ذراعيها للمظلومين والمهجرين ممن نجوا من المذابح (قفقاس، أرمن، آشوريين، أكراد...)، نصرت الضعيف، آوت المشرد، مسحت الدمعة، أطعمت الجائع، ونسجت لمن لاذ بها عرى صداقة وأواصر قربى مع من سبقه ومن أتى بعده .
تنقلنا في السكن بالقامشلي من بيت أبي صالح النجداوي ( أصله من حايل ) إلى بيت أبي فؤاد   وأصله ( من ماردين ) فما أقرب المسافة بين حايل وماردين !! قبل أن نستقر بمنزل لنا، أحببنا أبا صالح والساكنين في داره كما أحببنا أهلنا، وأحببنا أبا فؤاد والمستأجرين الآخرين في بيته كما أحببنا أقرب الناس إلينا  .
 القامشلي مدينة فريدة في نشأتها، وفريدة في تكوينها، وفريدة في ثراء تنوعها، فهي ليست أصلاً لأحد، وليست ملكاً لقوم دون آخرين، وليست مربطاً لخيل طائفة دون الطوائف الأخرى، إنها مجمع أنيق تآلفت فيه أقوام جمعتهم الظروف والمصالح والرياح الطيبة، ورفرفت عليهم سكينة المواطنة والتفاهم والمودة .
جمعتنا مقاعد الدراسة مع طوني الأرمني وبهزاد الكردي وبكري الحلبي ووو، لم نشعر في يوم من الأيام أن هذا غريب أو أن ذاك بعيد، أو أن هؤلاء مختلفون عنا، وعشنا زهوة الحياة في ظل أمل أن تدوم الحال على ما هي عليه الحال .
ولكن رياحاً قاسية شديدة الوطأة حلت بنا وبكل المدن السورية حملت إلينا أصناما فرضت على الناس عبادتها من دون الله، أحالت سعادتنا شقاء، وأمننا قلقاً، وغنانا فقراً، ومودتنا شكاً، فأخذت النفوس تمرض، وغدا التقرب من الأصنام  الصغيرة نهج حياة يتم تدريسه بطرق شتى، وتنتقل مهاراته من العارف  بالمهنة إلى التلاميذ الصغار تزلفاً وتقرباً من الصنم الكبير طمعاً بالرضا وخوفاً من البطش، انتهى عصر الحقيقة وابتدأ عصر التزييف، ليتم تنفيذ سياسة فرق تسد بأبشع الوسائل وأخس الأساليب،  سعادة قصيرة، وشقاء طويل هذه حكمة التاريخ . 
وشردنا الطغاة فيما بعد في شتى أصقاع المعمورة، أرض الشتات  بعيدة بعيدة،

أين السويد من القامشلي؟

أين  باريس من القامشلي؟

أين ألمانيا من القامشلي؟

طوني في السويد وبهزاد في باريس وبكري في ألمانيا، لم يفرق الطاغية في أذاه بين عربي وكردي وأرمني وو...، كلنا تحت سكينه سواء.
خمس و ثلاثون عاما والقامشلي تسكن القلب، وتملأ النظر، وتدلف إلى الذهن دون استئذان، نحلم بها في الليل، ونتخيلها في النهار،  ولكن الطرق إليها سدت، رحيل البدن إليها مستحيل، ورحلة الروح التي تتم إليها يوميا لا تكاد تروي عطشاً أحال الجوف إلى حريق، يشرد بنا الخيال إلى شوارعها وأحيائها، إلى أهلها وناسها، إلى مدارسها ومكتباتها، أفرانها ومطاعمها ومقاهيها، أسواقها وباعتها الجائلين، نهرها وجسريها، إلى حمامها وعصافيرها وأشجارها، وإلى أولئك الذين يمثلون ملحها وزينتها وورودها (صطيفو، مرادو، حبصونو، شكرو...)

القامشلي المدينة الودود التي حنت على الجميع، قربت البعيد وأزالت غربة الغريب، وأنالت كل من جاءها مراده ومبتغاه.
في خضم الكارثة التي تتعرض لها سورية، والتدمير الممنهج الذي تقوم به العصابة الحاكمة للمدن والقرى، والمجازر التي تنفذها، وأعداد الشهداء التي تتزايد يوما بعد يوم من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب على امتداد التراب السوري، أجد نفسي ملزماً بتذكير الأهل في القامشلي من جميع المكونات العرقية والدينية أن يحافظوا على تاريخهم المشترك في التعايش الذي ضربوا به أروع الأمثلة في التلاحم والتوادد والمحبة، أن يحافظوا على الصورة التي لا تفارق الأذهان، ان يكونوا يقظين تمام اليقظة لما يدبر لهم من فتن، تتمثل في تقريب فصيل صغير من مكون رئيس عزيز على الجميع ليكون رأس حربة في فتنة بدأ تنفيذها لجر المدينة الحبيبة بل منطقة الجزيرة بكاملها إلى المجهول، والقذف بها إلى أتون حرب على التاريخ والإنسان لا تبقي ولا تذر.
إن من يبحث عن مكاسب فئوية على حساب الدم السوري ويرهن نفسه في خدمة العصابة الغريبة عن هذا الشعب، أو يمد يده لما وراء الحدود السورية، اقتناصاً للفرص ـمع هول الفجيعة ـ هو كمن يفرح بمصيبة أهله، بل هو غريب عن هذه البلاد، غريب عن آمال وطموحات هذا الشعب في الوحدة الوطنية، والتحرر من الظلم والعبودية، إنه غريب غربة هذه العصابة التي أجرمت بحق كل مدينة وقرية وعائلة وفرد على تراب هذا الوطن .
إن العصابة وقد تأكدت من النهاية القريبة بعد أن لفظها أقرب قريب ـ أحداث القرداحة خير شاهد ـ أرادت أن تشعل نيران الحروب الأهلية لتنفذ شعار أوغاد الشبيحة  (الأسد أو نحرق البلد) الشعب يريد سوريا بدون الأسد و شبيحته يريدون الأسد حتى و لو على أشلاء الشعب وما تبقى من انقاض الوطن، والفتنة التي تتم في القامشلي بتسليم فصيل معين تدور حوله الشبهات من جميع الأطراف إدارة شؤون الناس في هذا الظرف الدقيق والعصيب فتنة يراد لها أن تكبر وتكبر ليكون أهل القامشلي والجزيرة وقودا لها، ولكن يمكرون والله خير الماكرين.
إن أهلنا في القامشلي وعلى رأسهم إخواننا الكرد الشرفاء لا تنقصهم الوطنية، لا يستعيرونها من أحد، بطولاتهم في مقارعة الاستعمار الفرنسي في معركة بياندور ليست بعيدة عن ذاكرة الناس، وقافلة شهدائهم تتوالى من  الشهيد المرحوم عباس محمد العباس المصطفج الذي قتله الجنرال الفرنسي المجرم روغان تحت أقسى أنواع التعذيب إلى الشهيد مشعل تمو الذي اغتالته يد مجرمة أخرى هي بنت لتلك اليد الأولى  تعادي التلاحم الوطني الذي يمثله الشهيد كما كانت تلك تعاديه.
إننا على ثقة تامة بأن هذا الفصيل لا يمثل إلا نفسه، ليس له تاريخ في هذه الأرض و ليس له مستقبل، وليس له أتباع يؤمنون بما يؤمن به، وليس له مناصرون يتعاطفون مع طروحاته، اعتاش على الإرهاب، يفرض الأتاوات ويجبي الخوات بأقسى الأساليب بلا ضمير يمنع ولا وازع خلقي يردع، ليكون أداة لتنفيذ ما تطلبه منه العصابة الحاكمة على رغم الخيانة التي ارتكبتها بحق مؤسسه ورئيسه .
فيا أهلنا من قبائل وعشائر الكرد الأشاوس يا أبناء الميران والآليان والشيتية والهاروكية والكيكية والملية والكاباره والدقورية والميرسينية والاومرية والملي، ويا أهلنا من أبناء بينار علي وحلي خضراني والتملية والبادينية والبرازية.
يذكر كباركم في السن أن القبائل العربية والكردية قبل الحكم الوطني كانت تعيش حياة البداوة ورغم بداوتها لم تعرف الاصطفاف الذي يعتمد على الفرز العرقي والقومي، كانت شمر وطيء تتحالفان مع قبائل كردية ضد بعضهما البعض، وهما قبيلتان تنتميان إلى أرومة واحدة، ولا يذكر تاريخ الجزيرة أن قبائل عربية تحالفت ضد قبائل كردية بسبب العرق والانتماء القومي كما لم يسبق أن اجتمعت قبائل كردية على محاربة قبائل عربية لذاك السبب،كانت المناوشات بين القبائل على العموم تفرضها وقائع وظروف آنية بعيدة كل البعد عن التصنيفات التي تحاول أن تقودنا إليها الفتنة الجديدة .
لقد عشنا سوية في وطن واحد تنعمنا بخيراته يوم كان ينعم بحكم رشيد، تنفسنا لسنوات قلائل نسائم الحرية، وذقنا طعم الأخوة والمحبة والشراكة الجميلة في وطن جميل، وعشنا سنوات من البهجة التي أصابتنا ببعض الغفلة، حتى تسلطت علينا عصابة بليل، أذاقتنا باسم البعث والممانعة الكاذبة الظلم والعنت سوية، لم يفلت من ظلمها ومكرها عربي أو كردي، مسلم أو مسيحي، عملت جاهدة على تفكيك اللحمة الوطنية، وزرعت بأساليبها الميكافيلية بذور العداوة بين القبائل والعشائر والعائلات ولم يسلم من كيدها أبناء البيت الواحد، مارست سياسة منهجية في  التقريب والإبعاد، وتعميق الهوة بين مكونات المجتمع المتآلفة، أفسدوا ضمائر الناس، أشغلوهم  ببعضهم، حتى إن مسؤولاً أمنيا في الجزيرة يتبجح بنجاحه في شق الأكراد إلى ستة عشر حزبا بعد أن كانوا حزباً واحداً، وأداروا لعبة قذرة في استعداء القبائل العربية والكردية على شيوخها وأغواتها بالإغراء حينا وبالترهيب حينا آخر.
إننا على ثقة أكيدة بأن أهلنا في الجزيرة، وإخواننا في القامشلي على وعي كامل بما يدور حولهم وما يخطط لهم، وسيتغلبون بحكمتهم ووطنيتهم وتلاحمهم وبعون من الله على الفتنة ويتجاوزونها إلى حيث الحرية والسلامة والإخاء .    

 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع