..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


اخبار الثورة

طفل سوري: لقد حرمتني من ذراعي وساقي يا بشار، هل يكفي ذلك

القدس

10 سبتمبر 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 2545

طفل سوري: لقد حرمتني من ذراعي وساقي يا بشار، هل يكفي ذلك
-سوري-453x308.jpg

شـــــارك المادة

نشرت صحيفة “ذي صنداي تايمز” اليوم تقريرا مطولا بعثت به مراسلتها هاله جابر من مخيم الزعتري تقول فيه إن العائلات السورية التي تتدفق على الأردن تروي كيف تعرضت للتشتت نتيجة الأعمال الوحشية بلا رحمة التي يمارسها النظام السوري ضد شعبه. وركزت في تقريرها على الصعوبات التي مرت بها تلك العائلات في طريق الفرار من جحيم نظام الأسد إلى الأردن والحياة في المخيمات هناك بصفة خاصة(( في الصورة المقابلة: الطفل عمار سلامات الذي فقد رجله ويده)).

 

 

وفيما يلي نص التقرير:
كانت القنابل تتساقط منذ أيام، ولذا، فحين استيقظت هدى أحمد سلامات، 29 عاماً، على صوت الصمت في أحد الصباحات الصافية المشرقة، استغلت الفرصة لتحضر الدواء لأطفالها الأربعة.
ذهب الأطفال معها إلى الصيدلية: أسماء، 4 سنوات، وهند، 9 سنوات، أمسكتا بيديها، بينما حملت رقية ابنة الثالثة عشرة الرضيعة ماريا، 20 شهراً، والتي كانت تتمتم برضى في فستان وردي ناعم.
في الطريق، توقفن عند بيت أحد الأخوال لتناول الشاي وتبادل الأخبار عن الهجمات التي لا تتوقف على بلدتهم حراك، وهي بلدة يسيطر عليها الثوار قرب درعا جنوب سوريا، حيث بدأت الثورة ضد بشار الأسد قبل 18 شهرا.
وبينما كن يخرجن من الملجأ في بيت الخال إلى الشارع، عبر صاروخ الجو مصدرا دويا يصم الآذان، ومزق العائلة تمزيقا.
في البداية، لم تدرك الأم ما كان يحدث. رأت أن ساقها اليسرى قد أصيبت وأن قدمها قد اختفت، لكنها حاربت الدافع لإغلاق عينيها وتمسكت بالوعي، وهي تفكر بأطفالها.
ووسط دوامة الدخان التي تعمي البصر، تحسست هدى الأرض من حولها حتى أحست بالرضيعة ماريا.
وبينما أمسكت يدها الصغيرة، انزلقت باتجاه الملجأ، وجذبت طفلتها خلفها وهي تصرخ: “بحق الله، ساعدوني”.
وحملها بعض الرجال إلى سيارة بعد أن وضعوا الرضيعة، وابنتي الرابعة والتاسعة في المقعد الخلفي حتى يأخذوهن إلى المستشفى.
وصرخت: "لا تضعوني فوقهن، سأخنقهن تماماً إذا فعلتم".
ولم تدرك هدى إلا بعد أن فحصها الأطباء أن الطفلات الثلاث الأصغر كن قد فارقن الحياة قبل أن وصلتهم النجدة. وجدتهن أختها أمل، 33 عاما، في ثلاجة المستشفى وجاءت لإخبارها.
أما زوج هدى، غسان، 35 عاما، وهو حلاق يعمل في بيروت، فقد اكتشف من نشرة إخبارية تلفزيونية أن عائلته قد ضربت.
وفي بحث يائس عن تفاصيل، فتح موقع يوتيوب ليجد مقطع فيديو يظهر جثث بناته على أرض أسمنتية, مع اسم كل منهن مكتوبا على قطعة من ورق ومثبتا بملابسهن. بدت ماريا، التي كانت ما تزال في فستانها الوردي، كأنها نائمة، وعيناها نصف مغمضتين.
وبينما دفن الأقارب أطفال غسان بعد ظهر ذلك اليوم، قطعت ساق زوجته المصابة، أما ابنته التي بقيت على قيد الحياة فقد خسرت الذراع التي كانت تحمل بها أختها الرضيعة.
وفي الوقت الذي تمكن غسان فيه من الوصول إلى المستشفى عبر الهاتف، كانت هناك المزيد من الأخبار السيئة، شقيقة زوجته، إخلاص، 23 عاماً، توفيت، كما مات اثنان من أبناء عمه الصعار، عبد الرحمن ومحمد سلامات، ويبلغان من العمر 8 و6 سنوات. وفقد عمار، 7 سنوات، ذراعا وساقا.
علم غسان ما عليه فعله، أعد العدة ليخرج من تبقى من عائلته من حراك، حتى وإن كانت محاصرة من قبل القوات السورية لثلاثة أشهر.
وحين استعدوا، انضم آل سلامات إلى عشرات آلاف اللاجئين المتجهين إلى الحدود الأردنية، وكان بعضهم محمولا على نقالات، ولأكثر من 24 ساعة، تجنبت العائلة القوات على الحدود التي تحمل أوامر بمنع تنقل الناس، بأي طريقة.
في بعض الأحيان كانوا في مركبات، وأحياناً على عربة، أو على الأقدام. في النهاية، عبروا الحدود ليلا تحت نور القمر واتجهوا إلى مدينة اربد، حيث وجدتهم الأسبوع الماضي.
أصغر ناج في العائلة قد يكون ملفوفا بالضمادات الثقيلة التي تحيط بذراعه وساقه المبتورتين، لكن الصاروخ لم يكسر معنوياته، وقال بينما مد يده اليسرى لمصافحتي: “أنا عمار، عمري سبع سنوات”.
وتذكر كيف كان يركب دراجته مع ابن عمه عبد الرحمن، الذي مات، وأوضح أن أمه لم تكن موجودة لأنها بقيت مع أخته، 12 عاما، والتي تعاني من اللوكيميا.
سألته عما يود أن يقوله للأسد لو كان على الهاتف، فأجاب على الفور: “اذهب واتركنا وشأننا، لا نريدك وقد اكتفينا منك، أخذت ذراعي وساقي، وابن عمي وصديقي قد توفي، ماذا تريد منا أكثر؟”.
كانت عائلة سلامات من بين 1.2 مليون سوري أجبروا على النزوح من منازلهم في سوريا – واحد على سبعة عشر من عدد السكان الكلي.
وبينما كان الكثير من الاهتمام العالمي متركزا على 80 ألف لاجئ تمكنوا من الوصول إلى المخيمات في تركيا، ارتفعت أعداد اللاجئين إلى الأردن إلى 180 ألفا وفقا لمسؤولين أردنيين، منهم 66 ألفا وصلوا سيرا على الأقدام.
وهذه الرحلة، في درجات حرارة تصل إلى أربعين مئوية، مرهقة إلى درجة لا يمكن تخيلها بالنسبة الى صغار وكبار السن على السواء، وقد سار معظمهم لأميال وسط قرى فارغة مدمرة. أخبرني أحد الرجال أنه كان ينحني على أربع بشكل متكرر كي تتمكن أمه من الجلوس على ظهره للراحة.
وما كانوا يهربون منه هو القصف الجوي الأكثر شراسة من ذي قبل في معركة الأسد النارية لاستعادة السيطرة على البلاد. وما ينتظرهم في الأردن هو نوع آخر من الجحيم.
مخيم الزعتري، الأسرع توسعا في المنطقة، هو مدينة من الخيام المليئة بالبشر في أرض صحراوية قاحلة خالية من النباتات والطيور. لكن هنا تأتي العائلات الثكلى لتتقبل خسارة أحبائها وممتلكاتها، لتبدأ التفكير بمستقبلها.
قبل شهر، كان المخيم بالكاد موجودا، والآن، يتحمل 26 ألف شخص الرياح الصيفية الحارة التي تحمل الرمال الحمراء إلى خيامهم وملابسهم وتضرب وجوههم ورئاتهم الصغيرة. وتتوقع الأمم المتحدة أن يزيد هذا العدد الى 80 ألفا بحلول نهاية العام.
ولم تتماش الخدمات كالكهرباء والمياه والصرف الصحي مع النمو المتسارع في عدد السكان، وليس هناك مدارس لـ7500 طفل يفترض أن يذهبوا إليها.
لكن أكثر ما يغضب العائلات هو أنه ليس مسموحا لهم بالخروج من محيط المخيم للتسوق لأطفالهم وأنفسهم، حتى وإن كان العديد منهم قد وصلوا فقط بثيابهم وبعض من المال.
وقال أيمن قردح، 26 عاما، انه كان يتشارك الحذاء مع أخويه، حيث يتبادلون الأدوار للخروج من خيمة العائلة.
وقالت اللاجئة أم عمار: “الأمر كما لو أننا هربنا من سجن إلى آخر، لم نتوقع حين أتينا إلى الأردن أن نسجن كالحيوانات”.
وفي خضم أكبر مشاعر الإحباط حتى الآن، فان احتجاجات اللاجئين ضد الأحوال التي يعيشونها أدت إلى إصابة 28 شرطيا أردنيا بجراح.
وقد واجه الكثيرون خيارات يائسة عندما كان عليهم أن يقرروا ما إذا كان الأفضل لهم الفرار إلى الأردن. ومن بينهم فان ابو محمد الذي خلف زوجته وراءه ليحمل ابنه (4 سنوات) إلى منطقة آمنة، ألا أنه ندم على قراره. وفي الأسبوع الماضي، صعد إلى إحدى الحافلات للعودة إلى الحدود.
وكانت على الحافلة أيضا سيدة حامل قالت أنها تفضل أن تضع مولودها وسط القتال في سوريا من احتجازها في مخيم في الأردن. وقال زوجها “إذا كان ملك الموت سيأتينا، فليكن سريعا، ذلك هو مصيرنا”.
أما أم عمار (34) وطفلها البالغ من العمر 4 أشهر فقد كانت ايضا في طريق العودة الى سوريا “طفلي مريض ولديه حمى وإسهال. لقد انتظرت 21 عاما قبل أن ارزق به، ولا أريد منه أن يموت هنا سجينا في مخيم”.
يشعر كثيرون من المقيمين في المخيم بالمرارة لان المواطنين السوريين الذين لجأ إلى منازلهم مواطنون آخرون خلال الحرب التي اندلعت في كل من لبنان والعراق، لم يجدوا الترحيب نفسه بهم عندما اشتدت بهم الحاجة إليها.
ومن بين الذين لم يجدوا خيارا إلا البقاء في المخيم كانت السيدة سهيلة سلامات (60). وقد جلست هذا الأسبوع في إحدى الخيام مع أبنائها الأربع، وروت كيف أمكنها إنقاذ ابنيها الأكبر سنا (16 و25 سنة) بإخفائهم عن أعين الجنود السوريين الذين كانوا يبحثون عن رجال في سن المشاركة في القتال.
فقد حفرت الأرض بعمق 6 أقدام تحت رواق منزلها وغطتها بمرتبة وبطانيات ووسادات. وجلست فوق الحفرة كلما اقتحم الجنود منزلها.
وقالت “كان الصبيان يختنقان تحتي، ولكن كان علي ان افعل شيا لحمايتهما، وفي اقرب فرصة جمعنا ما امكن حمله وهربنا وجئنا إلى الأردن”.
وبعد مغادرة المنزل تعرض لحريق ولم يترك ذلك لهم اي مكان اخر يذهبون اليه. وقالت بأسى “هذا ليس مخيما، إنه معسكر اعتقال. غادرنا بلادنا بكرامة، ووضعونا هنا في هذا المكان المزري”.
وترتسم على وجوه سكان المخيم مشاعر الذهول، ما يعكس الاستياء من السرعة التي تحولت فيها الحياة العادية في قطاعات مزدهرة نسبيا في العالم العربي إلى حياة تسودها أعمال العنف.
وفي السادس من آذار (مارس) العام الماضي، احتُجزت مجموعة من الصغار (ما بين 9 و 15 سنة) في درعا لأنهم كانوا يقلدون الثورات في تونس ومصر بكتابة شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” على أحد الجدران.
وحسب هيئة “هيومان رايتس ووتش” أطلقت قوات الأمن النار عندما احتج أولياء أمورهم وقتلت أربعة على الأقل. وخلال أيام كبرت الاحتجاجات في تظاهرات اجتذبت الآلاف.
واستولت قوة ناشئة من الثوار على مسجد في وسط درعا، ومنذ ذلك الوقت أصبحت البلدة مركزا للمعارضة الثورية ضد الحكومة.
استخدم الجانبان القوة، إلا انه يبدو أن المحاولات اليائسة لإجبار الجيش السوري الحر على التراجع جعلت النظام يقوم  الشهر الفائت بتكثيف هجماته بإسقاط القنابل من الجو.
وقال حمزة الفضل (28) وهو دليل سياحي “بدؤوا أولا بالرصاصات، ثم استخدموا مدافع الهاون, وبعد ذلك رفعوا من درجتها إلى استخدام المروحيات، أما الآن فان القصف يشتمل على طائرات مقاتلة. إنهم لا يفرقون بين الجيش الحر والمدنيين”.
وأكثر ما يهم الذي وقعوا بين مخالب الصراع هو أن نظام الأسد يجب أن ينتهي.

وقال احد اللاجئين (29) “إذا أطيح به وأمكننا العودة إلى مساكننا، فمن هو الذي يهتم بمن سيخلفه؟”.
ولا يشعر المرء بوجود تأييد يذكر للمعارضة. قال لاجئ آخر “إنهم يملئون جيوبهم، ويواصلون الحديث من أماكن مريحة في الدول الأخرى وفي الفنادق، لكنهم لا يفعلون شيئا بالنسبة لنا”.
الكل يتوق إلى وضع نهاية لمعاناة العائلات، ومنهم هدى سلامات. فقد سيطر الحزن على ابنتها رقية (13) ، وقالت “لقد اعتنيت بها، أطعمتها وغسلت ملابسها، وكانت تسرع نحو وهي تصيح بو ..بو.. كلما سمعت صوت رصاصات أو قذائف عن بعد”.
ولدى رقية طموح غامض فهي تريد أن تصبح صحافية يوما ما .
وقالت: “أريد أن أسافر وأن التقي بأناس مثلي وأسلط الضوء على مأساتهم. وأخشى أن لا أحد يريد أن يقترن بي كزوجة بسبب قطع أحد أطرافي”.
أم بالنسبة لوالدها فهو لم يفقد ثلاثة أبناء فحسب، بل وشقيقين أيضا، قتلوا منذ وصوله إلى الأردن. ويتصبب عرقا الآن خلال الليل الذي ينقضي من دون أن ينام يفكر بهم جميعا، لا يعزيه إلا رقية.
وقال “تنام على ذراعي كل ليلة، وتحمل رائحة وذكرى شقيقاتها الثلاث الأصغر. إنها كل من بقي لدي”

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع