..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

حتى لا تضيع الفرصة الأخيرة (4)

مجاهد مأمون ديرانية

11 فبراير 2020 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 356

حتى لا تضيع الفرصة الأخيرة (4)

شـــــارك المادة

في تاريخ الفتوح حادثة تستحق الدرس والاعتبار: "معركة الجسر" التي وقعت في شعبان سنة 17 هجرية على ضفة الفرات وضاع فيها نصف الجيش بين غريق في النهر وقتيل بأفيال الفرس وسيوفهم. هذه المعركة قادها أبو عبيد الثقفي في الهجوم والمثنى بن حارثة في الانسحاب، وبقيت إلى اليوم درساً حياً في سجلات التاريخ بنتيجتها العجيبة: كيف يكون ثمن الهجوم العاطفي الكيفي غير المنظم أربعة آلاف شهيد وكيف يمكن للانسحاب الهادئ المنظم أن ينقذ أربعة آلاف آخرين من المقتلة.

في الحرب لا يُعتبر الهجوم انتصاراً ولا الانسحاب هزيمة إلا باعتبار النتائج النهائية، ورُبّ هجوم كَيفيّ اعتباطي عشوائي يقود إلى هزيمة، ورُبّ انسحاب تكتيكي مخطط منظم يعقبه انتصار. وانظروا إلى معاركنا مع العدو التي تخوضها فصائلنا على الجبهات: هل هي من صنف العمليات الحربية المدروسة المنظمة أم أنها عمليات كيفية عاطفية، سواء في الهجوم أو في الانسحاب؟

فأما من حيث الشجاعة والهمة والإخلاص فلا ينتقص من مقاتلي الثورة المرابطين على الجبهات إلا جاحد لئيم، ولكن الشجاعة والهمة والإخلاص ليست العناصر الوحيدة ولا العناصر الجوهرية في صناعة النصر. لا يمكن لمعركتنا مع النظام أن تنجح إلا بخطة حرب مركزية شاملة تستوعب أرض المعركة كلها على اتساعها، ويُتّخَذ فيها القرار الصحيح بالتقدم والهجوم المدروس في بعض الجبهات وبالانسحاب التكتيكي الآمن من بعضها. ولا خطةَ حربٍ مركزيةً إلا بقيادة مركزية، إن وُجدت ترجّحت احتمالات النصر بأمر الله، وإن غابت ترجحت احتمالات الهزيمة لا قدّر الله.

* * *


ليست هذه دعوة لتوحيد الفصائل والفيالق التي ما تزال حتى اللحظة رُقَعاً ممزقة في نسيج الثورة، قطعاً صغيرة مبعثرة بقيادات مستقلة وخطط منفردة، فكلٌّ يدافع عن منطقته أو يحارب العدو في أقرب الجبهات إليه "على التيسير" وحسب الاجتهاد الفردي والإمكانات البشرية والمادية المتاحة. ليست هذه دعوة لتوحيد تلك الفصائل التي لن تتحد في كيان واحد أبداً، ليس قبل الخروج من تيه أربعين سنة تموت فيها الشخصية السورية الفردية التقليدية وتولد روح جديدة مشحونة بالاستعداد الذاتي للتعاون والتضحية.

المطلوب هو (بكل بساطة) قيادة مركزية للمعركة على طريقة هيئات الأركان المشترَكة في الجيوش النظامية، حيث نجد لكل سلاح (الأسلحة البرية والبحرية والجوية) هيئة أركان خاصة بها، بل لكل فرقة من فرق الجيش هيئة أركانها الخاصة أيضاً، ولكن تلك القيادات الفرعية لا تُنشئ خططها من نقطة الصفر ولا تبني تصورها عن المعركة على رؤيتها الخاصة، بل تنطلق من الخطة المركزية التي وضعتها هيئة الأركان المشتركة التي تحيط وحدَها بكل ميدان المعركة على اتّساعه والتي تدرك خطة العدو المركزية وتتعامل معها بخطة مركزية تناسبها.

* * *


لو أن الجيش الوطني الذي يمثل (صورياً واعتبارياً) كياناً عسكرياً ثورياً موحداً، لو استطاع أن يصنع قيادة مركزية لمعركتنا مع النظام لتغير تاريخ سوريا ولأمكن إنقاذ إدلب والشمال المحرر كله بإذن الله، بشرط أن يرتقي قادة الفصائل إلى مستوى الأمانة ويتعاملوا مع أي خطة يُتفَق عليها بصدق وإخلاص، فلا ينفرد فصيلٌ بعمل دون سواه ولا يغيّر فصيلٌ خطته ولا يُخلي مواقعه ونقاطه إلا بتنسيق مع القيادة المركزية.

وسوف يكون من تحصيل الحاصل التعاون والتنسيق والتكامل بين قيادة الثورة المركزية والقيادة العسكرية التركية لو أطلقت تركيا عمليتها المرتقبة، ولكن ماذا لو لم تفعل؟ سأستعير الجواب من الجملة التي ختمت بها مقالة "إرادةٌ لا تنكسر وثورةٌ لا تموت" التي نشرتها قبل أسبوع: "الأمل الحقيقي -بعد الأمل بالله- هو في الذات وليس في الداعمين والأصدقاء، فما حَكّ جلدَك مثل ظفرك ولا حرّر أرضَك غيرُ جيشك، ولن يحمل هَمَّ ثورتك وشعبك أحدٌ سواك".

ويبقى الشرط الجوهري الذي سيصنع الفرق الحاسم بين النصر والهزيمة: معرفة حقيقة جبهة النصرة (هيئة تدمير الثورة وتسليم الشام للنظام) وإدراك أمّ الحقائق، وهي أنها ليست من الثورة ولا يمكن التعامل معها ككيان ثوري إلا لو تعاملنا كذلك مع الفرقة الرابعة والفيلق الخامس. وهذا يقتضي عدم الثقة بها وعدم التعاون العسكري معها في أي جبهة من الجبهات، وعدم تسليمها نقاط رباط لأن أي نقطة في عهدة النصرة هي مشروعُ تسليم مؤجَّل أو معجَّل، واعتبار نقاطها نقاطاً متقدمة للعدو ينبغي لفصائل الثورة الحذر منها وتدشيم الأرض وتدعيم المقاومة أمامها ووراءها، حتى لا يصبح الصباحُ على مقاتلينا المرابطين في الجبهات فيجدوا نقاط النصرة وقد أُخليت بليلٍ وهم نائمون والعدو قد التفّ عليهم من حيث لا يتوقعون، وهي خيانة متكررة حصلت مئات المرات في كل الجبهات وما زالت تحصل إلى اليوم، وسوف تستمر حتى يُكمل الجولاني مهمته الخبيثة ويعيد للنظام كل الأراضي المحررة لا قدّر الله.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع