..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مقالات منوعة

وراء الأسوار ... معارك الكبار والصغار!

إبراهيم الحسون

28 يناير 2020 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 427

وراء الأسوار ... معارك الكبار والصغار!

شـــــارك المادة

 

 

حديثنا هنا له علاقة بسور الرقة الأثري الذي بقيت معالمه تزين محيط المدينة القديمة إلى يومنا هذا؛ فهذا السور تحيط به منطقة ترابية محرَّم البناء فيها، كانت تسمى "منطقة ما وراء السور"، كنت ممن ولِد بين أسوار هذه المدينة في أحد أحيائها القديمة ودرس في مدارسها، وكانت هذه الأسوار تمثل جزءاً هاماً من طفولتنا؛ إذ إنها كانت الملاعب التي نركض على ترابها خلف كرتنا الصغيرة التي نشترك جميعاً في شرائها عندما نريد لعب كرة القدم، وهذا الاشتراك كان هدفه منع استبداد أي فردٍ غنيٍّ امتلكَ الكرةَ لوحدهِ يُدخِل مَن يشاء ويخرج مَن يشاء اللعبة.

 

وهي نفسها - أعني الأسوار- ساحات الوغى التي تشهد معاركنا عندما نختلف، لكن هذه المعارك وانتقالها إلى منطقة ما وراء السور كان لها استراتيجية معينة كنا نتبعها، ذكّرني بها أحد الأفاضل قبل أيام، وتبيَّن لي من خلال النقاش أنها منتشرة في مناطق كثيرةٍ بغض النظر وجود أسوار من عدمه. الاستراتيجية المتبعة هي أننا كنّا - معشر أطفال الحي - إذا رأينا أن الخلاف قد يتحول إلى قتال (كونة) بالمصطلح المحلي كان أحدنا يتوعّد خصمه، فيقول: "إن كنتَ بطلاً فلنلتقي بعد نهاية وقت المدرسة وراء السور"!

 

وهناك جلست أتفكّر: لماذا كنّا نفعل هذا؟ وهل هذه الاستراتيجية متبعة في السياسية الدولية الآن؟ فرأيت أن أقوم بذكر بعض الحيثيات والدّوافع لانتقال هذه المعركة من داخل المدرسة أو الحيّ إلى منطقة ما وراء السور:

 

أولاً: فرط الشجاعة والثقة بالنفس؛ فالسبب الظاهر أنك تريد بهذا الوعيد إظهار شجاعتك أمام خصمك، وأنّك لا تريد أحداً يفصل بينكما عندما تحتدم المعركة، فلا تترك خصمك إلا وقد لقّنته درساً لا ينساه، دون أن يكون هناك مَن يخلّصه من بين يديك. ولا أنسى أن أذكر هنا أنها كونها منطقة أثرية فهذا يعني أنك ستجد فيها كمية من الحجارة تكفي لأن تكون سلاحاً تلجأ إليه إن لزم الأمر.

 

ثانياً: ترك فرصة للخصم يأخذ فيها وقته للتفكير، فيجد حجةً يتهرب فيها من القتال، فتكون بذلك أثبتت نفسك دون أن تدخل معركة تبقى نتائجها غير مضمونة؛ مع ثقتك بنفسك فيها. بل ترجو أحياناً أن يعرض سبب يعيق اللقاء وراء السور؛ حتى يبرد الموضوع وينتهي الأمر، ويحتفظ كل طرفٍ بحقه في الرد في المكان والزمان المناسبَين.

 

ثالثاً: تحاول خلال هذه الفترة - وأقصد هنا ما بين الوعيد والميعاد - إثارة بعض الحلفاء ممن يمكن أن يقف معك ويذهب لمؤازرتك خلف الأسوار، وهذا يظهر عندما يكون الخصم أكبر منك سنّاً؛ فلا بد أن تجد مَن يقف في وجهه معك ممن هو في عمره أو أكبر منه، وهذا بدوره يجعلك تميز صديقك الحقيقي من المزيف، بالإضافة إلى أنه يجعلك تتبع استراتيجية أخرى، وهي أن يكون لك دائماً صديق قوي مهاب الجانب لمثل هذه المواقف. على أن هذه الصداقة في الغالب لها عواقبها؛ فحليفك القوي ذاك قد يطلب منك أن تشاركه في الوجبة التي تعدّها لك والدتك، وأحياناً أن تعطيه أجوبة الواجب المنزلي (الوظيفة) إن كان في مثل عمرك وصفّك، وقد يتطور الأمر لأن يطلب منك أن تدرس بجد لأنه سوف يجلس بجانبك في الامتحان وينقل الأجوبة منك! فبمجرد مؤازرته لك يعني أنك صرتَ جزءاً من حِلفه (شلَّته) وفي حِماه، وبالتالي يجب عليك أن تشترك معه في أي معركة قادمة إذا كانت جماعية، وتُقاطع مَن يقاطعه، وأن تُحسَب عليك كل عداواته ، كما أنك تكون جزءاً من فريقه في لعب الكرة. والحالة الوحيدة التي تتضاءل فيها المصالح هو أن يكون هذا الحليف أخاك الكبير أو ابن عمك الشجاع الذي تهاب الناس الاشتباك معه.

 

رابعاً: الهروب من عقوبة المدرّسين؛ لأن المعركة إن بدأت داخل المدرسة فقد يستدعي ذلك أن يتعرض كلاكما لعقوبة تبقى آثارها على الأقدام والأيدي والجلود لأيام لاحقة؛ لأن عقوبة المدرّسين في ذاك الوقت كانت أشبه بعقوبة فروع المخابرات، أو الأمن الجنائي.

 

خامساً: وهذا من الأسباب المهمة، أن المعركة إذا جرت في الحي فإنه قد تكبر لتشمل العائلتين، بل والقبيلتين، لدرجة أن يدخل بعضهم السجن والبعض الآخر قد يدخل المستشفى، مما يعود بالسوء على شعبيتك في أسرتك، بأنك لا تأتي إلا بالمشاكل، وقد تُعيَّر بها لفترة طويلة، وأنك تسببت لإخوتك أو أبيك وأعمامك بالسجن أو الإصابة. ولسان حالك: أن أذهب وحدي مع بعض حلفائي ننهي الأمر إما بالنصر وإما بهزيمة محدودة خير لي من أبقى أتحمل كلام أمي وهي تعيّرني مدةً طويلة!

 

كما أنّ المشكلة إن عظمت أصبح الصلح فيها صعباً، بخلاف ما إذا كانت خلف الأسوار؛ فلا تلبثون أن تتصالحوا، وتعودوا للعب كرة القدم في الميدان نفسه الذي تصارعتم فيه بالأمس. أخلص إلى القول: كم هو وجه التشابه بين معارك الأطفال تلك وراء سور الرقة ومعارك الدول اليوم على أرض ليست بأرضها؛ فكما أننا كنّا ننقل المعركة حتى لا تنخفض شعبيتنا ونبقي الجرح صغيراً يسهل أن يندمل فكذا تفعل الحكومات كي لا تخسر شعبيتها. ومثله أننا كنا نهرب من قيود المدرسة فإن للحكومات في أرضها مَن يحاسبها لاختراق القواعد والقانون، وأما خارج الأرض فهي تنتهك كل أنواع القواعد والقوانين بسبب غياب الرقيب. يضاف إلى ذلك أن انسحابك من معركة خارج أرضك أسهل عندما ترى أن الأمور لا تجري في صالحك، وكذا جمع الحلفاء خارج الأرض أسهل؛ لأنك إن جمعتهم على أرضك خسرت سيادتك عليها، كما يفعل أحمق سوريا الآن! ثم إن الحلفاء أنواع: منهم مَن يحالفك لمصالح قد تبقى في عنقك إلى أن يشاء الله، ومنهم مَن يسري دمك في عروقه ويعتقد أن النيل منك نيل منه!

 

وأما بوالين الحرب التي تُنفخ اليوم حتى يكاد يصدّق المرء أن الحرب العالمية الثالثة تُدقّ طبولها، كما كانت في الأزمة كوريا الشمالية، ثم انتهت بمصافحة لم يخمّنها كل المنجّمين؛ فكذا كانت الهيشات (الكونات) تتعالى فيها الصيحات وقد تنتهي بنكتة بذيئة يرميها ظريف في الوسط يقلب المشهد ضحكاً مجنوناً!

 

ومن الموافقات الغريبة في هذا الموقف أن صاحب المشكلة بعيد وراء البحار، ومَن سيدفعون الثمن هم الجيران المحسوبين على ذاك (المشكلجي)؛ مثلما كان يُزجُّ في السجن أقارب صاحب المشكلة وأهله، ويرجع هو للعب مع الذين اختلف معهم! ... هذا إسقاطٌ أردت فيه بيان حالنا بين الدول الكبرى، وكيف أضحت أرضنا كحال هذه الأسوار الأثرية التي وصلت إلى حد يصبح فيه أهلها كالحجارة التي تستخدم في المعارك، وفقدت هيبتها لدرجة أنها اعتُبرت أرضاً خالية لا تصلح إلا لهذه المعارك. وهنا يأتي سؤال: هل كنّا حينها كباراً عندما اخترنا أن تكون منطقة ما وراء السور ميدان حل مشاكلنا البينية؟ أم أن العالم الآن مجنونٌ فقدَ العقل والمنطق حتى صار التعامل فيه كتعامل الأطفال؟!

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع