..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


سوريا المعاصرة

داريا، تفوّقٌ بالنضال السلمي والمسلح

أحمد أرسلان

16 ديسمبر 2019 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 806

داريا، تفوّقٌ بالنضال السلمي والمسلح

شـــــارك المادة

مدينة "حاملي الورود" ابتداء.. و"أيقونة الثورة والصمود" انتهاء، هكذا أثبتت داريا أن حراك الشعب السوري انطلق كحراك مدني سلمي، قوبل بأبشع الجرائم على أيدي قوات الأمن والجيش ما اضطر السوريين لمقابلة البندقية بالبندقية.

 

مدينة داريا أكبر مدن الغوطة الغربية، تقع جنوب غرب العاصمة دمشق بحوالي 8 كيلو مترات، تميزت خلال الثورة السورية بحراك سلمي منظم مبكر في عمر الثورة، ولمع عدد من نشطاءها كالناشط "غياث مطر" الذي تميز بسلوكه الراقي، ولُقب بـ "غاندي الصغير"، حيث كان من أوائل المتظاهرين وممن نظم ودعا للمظاهرات السلمية.

اشتهر عنه مبادرته في توزيع قوارير الماء مزينة بالورود لعناصر الأمن والجيش سعياً في إبراز سلمية الثورة ورقي المتظاهرين، وهدف غياث ومن معه بهذه المبادرة استخراج إنسانية عناصر الأمن والجيش، إلا أن محاولاته ورفاقه فشلت، فهو أمام جيش بنيت عقيدته على أنه يحمي "سوريا الأسد" وأن ما دون ذلك لا قيمة له.

سعت قوات الأمن لاعتقال غياث مطر، ووقع في كمين نصبته له بعد أن اعتقلت صديق له وأجبرته على الاتصال به (في السادس من أيلول للعام 2011) لتسلمه بعد 4 أيام من التعذيب لعائلته جثة مشوهة.

لكن داريا لم تفتر، واستمر النضال السلمي مع نمو النضال المسلح لحماية الأهالي من تنكيل قوات الأمن والشبيحة ومنعهم من اعتقال المزيد منهم، وما إن انتصف عام 2012 حتى خلت المدينة من الوجود الأمني والعسكري لنظام الأسد، بفضل تكاتف الأهالي وعمليات الجيش الحر.

 

وفي ثاني أيام عيد الفطر في العشرين من شهر آب/ أغسطس من عام 2012 تفاجئ أهالي داريا بقطع نظام الأسد الكهرباء وكافة أشكال الاتصالات عن المدينة، فأظلم وسكن كل شيء، وفجأة أضاءت واهتزت المدينة مع سقوط عشرات قذائف الهاون في منطقة "فشوخ" الملاصقة لدرايا، ونزح أهلها إلى مدينة داريا.

وفي صباح اليوم التالي، (الثلاثاء 21 آب/أغسطس 2012) أغلق جيش الأسد كافة مداخل ومخارج المدينة بالحواجز العسكرية والسواتر الترابية، وانتشرت 30 دبابة على الطريق الدولي، وسجن أهل داريا في مدينتهم.

تقدم جيش الأسد محاولاً دخول المدينة، فتصدت كتائب الجيش الحر له بسلاحها الخفيف، وأفشلت محاولتي اقتحام، ثم حاصر الثوار غرفة عمليات لنظام الأسد تخفت في مزرعة قرب داريا، وأطبقوا الحصار عليهم وقتلوا فيها 15 ضابطاً من رتبة رائد حتى عميد، واغتنم الثوار أسلحة خفيفة ومتوسطة.

 

اشتدت الحملة العسكرية لقوات الأسد، واستجلبت قوات من الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد شقيق بشار الأسد، إضافة لقوات فرع المهام الخاصة التي يقودها العقيد غسان جودت إسماعيل، وبدء القصف المكثف بالدبابات والهاون والصواريخ والمروحيات مما خلف دماراً واسعاً وعشرات الشهداء والجرحى، حتى عجزت عن استيعابهم مشافي المدينة وكادرها الصحي المحدود. وذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في شهادتها بأن أهالي مدينة درايا لم يناموا تلك الليلة من شدة القصف، وأن الجثث كانت في الشوارع لكن كثيراً منها لم يستطع أحد الوصول إليها بسبب القصف الكثيف المستمر.

اضطرت كتائب الجيش الحر إلى ترك المدينة ظناً منها أن انسحابها من المدينة سيوقف العملية العسكرية لنظام الأسد، فضربت أحد الحواجز العسكرية على أطراف المدينة وانسحبت لخارجها.

 

وفي اليوم الخامس للحملة العسكرية (السبت 25 آب/أغسطس)، تقدمت قوات جيش الأسد إلى داخل المدينة، في أكبر عملية تصفية جماعية قامت بها خلال الثورة السورية، وداهمت المنازل والمساجد التي اختبئ داخلها الأهالي وأطلقت النار على كل من قابلتهم في الرأس والصدر، وأحصى الأهالي في نهاية ذلك اليوم أكثر من 500 شهيد معظمهم من النساء والأطفال.

أذاعت شاشات تلفاز نظام الأسد وبكل وقاحة مشاهد الجثث المتناثرة في أزقة المدينة، ومراسلوها يبحثون عمن بقي في صدره بقية نفس، يأخذون منهم شهادات بالقوة على أن من قتلهم هي كتائب الجيش الحر، واستمرت عمليات القصف والتصفية 8 أيام مخلفة وراءها أكثر من 700 شهيد.

 

ندد العالم المتحضر واستنكر، وبقي الجلاد طليق، لكن داريا أبت أن تستسلم، وأصر أهلها على تسجيل صفحات صمودهم الخاصة في تاريخ الثورة السورية، وأعيد تحرير المدينة من جديد وأسس أهالي داريا المجلس المحلي لمدينتهم بعد أسابيع قليلة من المجزرة (تشرين الأول/أكتوبر 2012)، وهدف المجلس إلى تجميع الجهود الثورية والعسكرية في إطار تنظيمي يتجاوز نقاط الضعف والفوضى والتشتت السابق في العمل. وتكوّن المجلس من عشرة مكاتب، منها لجان الأحياء والطبي والإعلامي والقانوني الشرعي والحراك السلمي والعمل العسكري، وهكذا سجلت داريا سابقة في الأنظمة الداخلية للمجالس المحلية الثورية يكون فيها المكتب العسكري جزء من الهيكلية التنظيمية وليس قائدًا لها.

 

وفي الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2012 حشد الأسد قوات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري على أطراف مدينة داريا، في وجه فصائل محلية بتسليح خفيف، وبدء عملية عسكرية أخرى، وما إن تقدمت دبابات الفرقة الرابعة حتى تخطفتها أيادي ثوار داريا واحدة تلوى الأخرى، مستبسلين في الدفاع عن المدينة، وهلكت على أطراف المدينة كل القوات التي حاولت التقدم، فاكتفى الأسد بحصار داريا لخمس سنوات كاملة متتالية، بقي فيها ثوار داريا يقلقون الأسد ويستهدفون قواته، وهم المحاصرون في مدينتهم وهو المحصن في قصره.

المصادر:

المجلس المحلي لمدينة داريا.

مقابلة مرئية مع أحد قادة الجيش الحر – ساري مصطفى – لعنب بلدي.

موقع نور سورية.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع