..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

لماذا يحكمنا الطّغاة

فايز الصلاح

12 نوفمبر 2019 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 187

لماذا يحكمنا الطّغاة

شـــــارك المادة

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
سألني صديقي متعجباً: لماذا يحكمنا الطغاة؟! فقلت له: بعيداً عن المجاملات والأوهام المخدِّرات، يحكمنا الطّغاة لأننا طّغاة، وكما نكون يولَّ علينا!!

إنها سنةٌ ربانيةٌ كونيةٌ شرعيةٌ، فالملوكُ والرؤساءُ والأمراءُ والمديرون، كلُّ أولئك صورةٌ وانعكاسٌ لأعمالنا، وكما نكون يولَّ علينا، {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي(ت 520) في كتابه"سراج الملوك" (ص: 94):" لم أزل أسمع الناس يقولون:" أعمالُكم عمّالُكم، كما تكونوا يولَّ عليكم"، إلى أن ظفرتُ بهذا المعنى في القرآن؛ قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً} [الأنعام: 129].
وكان يُقال: ما أنكرت من زمانك فإنما أفسده عليك عملُك. وقال عبد الملك بن مروان: ما أنصفتمونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ولا في أنفسكم بسيرتهما، نسأل الله أن يعين كلٌّ على كلٍّ. وقال قتادة: قالت بنو إسرائيل: إلهنا أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف نعرف رضاك من سخطك؟ فأوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائهم: إذا استعملتُ عليكم خيارَكم فقد رضيتُ عنكم، وإذا استعملتُ عليكم شراركم فقد سخطتُ عليكم. وقال عبيدة السلماني لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين ما بال أبي بكر وعمر انطاع الناس لهما، والدنيا عليهما أضيق من شبر فاتسعت عليهما ووليت أنت وعثمان الخلافة ولم ينطاعوا لكما، وقد اتسعت فصارت عليكما أضيق من شبر؟ فقال: لأنَّ رعية أبي بكر وعمر كانوا مثلي ومثل عثمان، ورعيتي أنا اليوم مثلك وشبهك!.
وكتب أخ لمحمد بن يوسف يشكو إليه جور العمال، فكتب إليه محمد بن يوسف: بلغني كتابك وتذكر ما أنتم فيه، وليس ينبغي لمن يعمل المعصية أن ينكر العقوبة، ولم أر ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب، والسلام؟" اهـ.


وأسند في (الدر المنثور) عن منصور بن الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً}، ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون:" إذا فسدَ الناس أُمِّر عليهم شرارُهم".
وقال الرازي في تفسيره" مفاتيح الغيب" (13/ 150):" الآية تدلُّ على أنَّ الرعية متى كانوا ظالمين فالله تعالى يُسلّط عليهم ظالما مثلهم، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم" اهـ.
وقال شيخ الإسلام في"مجموع الفتاوى" (35/ 20):" وقد ذكرتُ في غير هذا الموضع أنَّ مصير الأمر إلى الملوك ونوابهم من الولاة والقضاة والأمراء، ليس لنقص فيهم فقط، بل لنقصٍ في الراعي والرعية جميعاً؛ فإنه:" كما تكونون : يولّى عليكم "، وقد قال الله تعالى:{ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا }" اهـ.
وممن بين هذه القاعدة العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه الماتع"مفتاح دار السعادة"، حيث استفاض في الكلام على حكمة الله في أفعاله وأقواله.
وبيَّن أنَّ الرعية إذا عدلت عدلت ملوكهم، وإذا ظلمت ظلمت ملوكهم، وإنك تجد كثيراً من أرباب العمل يظلمون عمالهم، فيسلط الله عليهم الملوك بفرض الضرائب عليهم جزاءً وفاقاً.
قال ابن القيم في"مفتاح دار السعادة"(2/ 721-723):" وَتَأمل حكمته تَعَالَى فِي تسليط الْعَدو على الْعباد إِذا جَار قويُّهم على ضعيفهم وَلم يُؤْخَذ للمظلوم حَقه من ظالمه، كَيفَ يُسَلَّط عَلَيْهِم من يفعل بهم كفعلهم برعاياهم وضعفائهم سَوَاء. وَهَذِه سنة الله تَعَالَى مُنْذُ قَامَت الدُّنْيَا، إلى أن تُطوى الأرض وَيُعِيدهَا كَمَا بدأها.


وَتَأمّل حكمته تَعَالَى في أن جعل مُلُوك الْعباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كَأَنَّ أَعْمَالهم ظَهرت في صُوَر وُلاتهم وملوكهم؛ فَإِن استقاموا استقامت مُلُوكهم، وَإِن عدلوا عدلوا عَلَيْهِم، وَإِن جاروا جارت مُلُوكهمْ وولاتهم، وَإِن ظهر فيهم الْمَكْر والخديعة فولاتهم كَذَلِك، وَإِن منعُوا حُقُوق الله لديهم وبخلوا بهَا منعت مُلُوكهم وولاتهم مَا لَهُم عِنْدهم من الْحق وبخلوا بهَا عَلَيْهِم، وَإِن أخذوا مِمَّن يستضعفونه مَالا يستحقونه في معاملتهم أخذت مِنْهُم الْمُلُوك مَالا يستحقونه وَضربت عَلَيْهِم المكوس والوظائف، وَكلُّ ما يستخرجونه من الضَّعِيف يَسْتَخْرِجهُ الْمُلُوك مِنْهُم بِالْقُوَّةِ؛ فعمَّالهم ظَهرت فِي صور أعمالهم.
وَلَيْسَ فِي الْحِكْمَة الإلهية أن يُولَّى على الأشرار الْفجار إلا من يكون من جنسهم.
وَلما كَانَ الصَّدْرُ الأول خِيَارَ الْقُرُون وأبرَّها كَانَت ولاتهم كَذَلِك، فَلَمَّا شابوا شابت لَهُم الْوُلَاة، فَحكمة الله تأبى أن يُولّي علينا فِي مثل هَذِه الأزمان مثلُ مُعَاوِيَة وَعمر بن عبد العزيز، فضلاً عَن مثل أبي بكر وَعمر، بل ولاتنا على قَدْرنَا، وولاة من قبلنَا على قَدْرهم، وكلٌّ من الأمرين مُوجَبُ الْحِكْمَة ومقتضاها، وَمن لَهُ فطنةٌ إِذا سَافر بفكره فِي هَذَا الْبَاب رأى الْحِكْمَة الإلهية سائرةً فِي الْقَضَاء وَالْقدر، ظَاهِرَةً وباطنةً فِيهِ ،كَمَا فِي الْخلق والأمر سَوَاء.


فإياك أن تظنَّ بظنك الفاسد أنَّ شَيْئاً من أقضيته وأقداره عَارٍ عَن الْحِكْمَة الْبَالِغَة، بل جَمِيعُ أقضيته تَعَالَى وأقداره وَاقعَةٌ على أتمِّ وُجُوه الْحِكْمَة وَالصَّوَاب، وَلَكِنَّ الْعُقُول الضعيفة محجوبةٌ بضعفها عَن إِدْرَاكهَا، كَمَا أنَّ الأبصار الخفَّاشيّة محجوبةٌ بضعفها عَن ضوء الشَّمْس، وَهَذِه الْعُقُول الضِّعَاف إِذا صادفها الْبَاطِل جالت فِيهِ وصالت، ونطقت وَقَالَت، كَمَا أنَّ الخفَّاش إِذا صادفه ظلامُ اللَّيْل طَار وَسَار" اهـ.
وقال الكواكبي في كتابه"طبائع الاستبداد" (ص: 24):" وإذا سأل سائلٌ: لماذا يبتلي الله عبادَه بالمستبدِّين؟ فأبلغُ جواب مُسْكِت هو: إنَّ الله عادلٌ مطلقٌ لا يظلم أحداً، فلا يُولَّى المستبدّ إلا على المستبدِّين. ولو نظر السّائل نظرة الحكيم المدقِّق لوجد كُلَّ فرد من أُسراء الاستبداد مُستبدّاً في نفسه، لو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كُلَّهم، حتَّى وربَّه الذي خلقَهُ تابعين لرأيه وأمره.
فالمستبدُّون يتولاهم مستبدّ، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى:" كما تكونوا يُولَّى عليكم"" اهـ.


وليس معنى ذلك أن الظالمين المتسلطين من حكامٍ وغيرهم معذورون ولا لوم عليهم، بل هم محاسبون على أعمالهم، وهم مسؤولون عن رعيتهم، وحسابهم عريضٌ وشديدٌ ولن ينجيهم يوم القيامة إلا العدل.
بل إنَّ الله عز وجل يُسلّط على الحاكم المستبد الذي يظلم رعيته، وينشر فيهم الفساد ظالماً أشدَّ منه ظلماً، يذلُّه ويهينه ويسلب أمواله.
فإن قيل: فما شأن الصالحين من الرعية أن يقع عليهم الظلم؟!
قيل: إن كانت العقوبةُ جماعيةً فإنها تعمُّ الصالح والطالح ، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].
وفي الصحيحين عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ:" لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ"، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ:" نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ".
وتكون المصيبة على المؤمن لطيفة القَدْر والوَقْع، وكلما ارتقى بإيمانه حصل له من الخير في السراء والضراء.
ففي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ".
قال ابن القيم في"مفتاح دار السعادة" (2/ 80):" وَلِهَذَا سلَّطَ على أنبيائه وأوليائه مَا سلَّط عَلَيْهِم من الْقَتْل وأذى النَّاس وظلمهم لَهُم وعدوانهم عَلَيْهِم، وَمَا ذَاك لهوانهم عَلَيْهِ وَلَا لكرامة أعدائهم عَلَيْهِ، بل ذَاك عين كرامتهم وهوان أعدائهم عَلَيْهِ وسقوطهم من عينه؛ لينالوا بذلك مَا خلقُوا لَهُ من مساكنتهم فِي دَار الهوان وينال أولياؤه وَحزبه مَا هيئ لَهُم من الدَّرَجَات الْعلي وَالنَّعِيم الْمُقِيم، فَكلُّ تسليط أعدائه وأعدائهم عَلَيْهِم عين كرامتهم وَعين إهانة أعدائهم، فَهَذَا من بعض حكمه تَعَالَى فِي ذَلِك ووراء ذَلِك من الحكم مَا لَا تبلغه الْعُقُول" اهـ.


وإذا أردنا أن نُغيّر واقعنا فينبغي أن نلجأ إلى من بيده الأمور، ونتخذ الأسباب والوسائل الشرعية المقدور عليها، حتى يتحقق التغيير بإذن الله الواحد القدير، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } [الرعد: 11]، وقال أيضا:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ } [الأنفال: 53، 54].
هذا والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع