..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

من ليس خاسراً في سورية؟

غازي دحمان

21 أكتوبر 2019 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 186

من ليس خاسراً في سورية؟

شـــــارك المادة

في بداية تحويل الثورة إلى حرب، متعدّدة الأطراف، في سورية، ظهرت تقديرات تحذّر من تحوّل سورية إلى ثقب أسود، وما يعنيه ذلك من مخاطر على مستوى المنطقة، وربما أبعد منها. طوت التطورات هذا التحذير، فأطراف اللعبة المختلفون أنجزوا، وبسرعة قياسية، بناء هذا الثقب، باندفاعٍ تحرّكه أحلام القادة وحماسة المقاتلين.

منذ قام بشار الأسد بتعويم سورية، بعد تأكّده من فقدانه السيطرة على ديناميات ثورتها، تحوّلت سورية إلى جنة للحالمين بالأمجاد وصناعة الإمبراطوريات، واستثمار مستقبلي في زحمة التنافس الجيوسياسي العالمي، خصوصا أن هذا التعويم جعل من سورية ملاذاً قانونياً يجري فيه حماية اللاعبين من أي آثار قانونية لسلوكهم، ويمكّنهم، عبر دعاوى أيديولوجية مزيفة، من تبييض كل جرائمهم، السابقة واللاحقة، ولا بأس، والحال هكذا، من تجريب كل أنواع القتل والأسلحة، وتحويل المجرمين الجنائيين إلى أبطال.
لكن، ومنذ تلك اللحظة، يدور الجميع في حلقةٍ مفرغة، فقد ثبت أن من السهل لأي طرفٍ الدخول إلى ساحة الصراع السوري، والجميع دخلوا ولم تكن ثمّة مشكلة لديهم في ذلك. ولكن هل هذا هو النصر؟ هل يكفي البناء على حادثة الدخول السهلة، وإطلاق النار في الإتجاهات الأربعة، لصناعة حكايةٍ من الوهم عن العظمة والقوّة التي لا تقهر؟
الجميع أدمتهم سورية، بطريقةٍ أو أخرى. هذا الفراغ الهائل الذي يغري اللاعبين للخوض فيه دفع الجميع إلى التورط بمشاريع أكبر من مقاساتهم. وجدت روسيا في الحرب السورية فرصة لإصلاح النظام العالمي، وراح إسترتيجيوها يبشّرون بقرب نهاية الغرب، إنطلاقاً من الاختراق المتحقّق على الجبهة السورية، ولم ينتبهوا، وربما عمداً، إلى الأعطاب الكبيرة في ركائز قوّة روسيا، البلد المتخلف تكنولوجيا وتنموياً، ويعجز عن إدارة التوازنات وتسيير يوميات مواطنيه.
وتندفع إيران، من خلف جبال فارس، حيث ترى في الحدث السوري فرصةً لتغيير التركيبة الديمغرافية من قم إلى بيروت، عبر شراء ولاءات أناسٍ أرهقت كاهلهم الحرب، وجنود جلبتهم من بؤر آسيا المعدمة، وهكذا فرشت إيران طريقها إلى الشرق بثرواتها، كل متر تتقدّم فيه مرصوفٌ بثرواتٍ مهدورة، في حين أن الشارع الإيراني يبحث عن خبز الغد. وترغب تركيا في بناء جدار ديمغرافي من العرب المؤيدين لها على حدودها، لكنها تبنيه على ارضية متحرّكة، وبدون ركائز حقيقية، طالما أن الأحداث السورية جارية وسائلة.
هل أدركت أطراف اللعبة الحقيقة، واستطعمت الثمار السورية المرّة؟ منذ سنوات وهذه الأطراف تحارب طواحين الهواء، والتوصيف الحقيقي لموقفهم في سورية، أنهم بصدد مشاريع خادعة، توهم بأنها اقتربت من الإنجاز، لكنها في الواقع لا تزال عند خط البداية. يلهث الجميع وراء النصر في سورية، لكنه يستعصي على الجميع، ويبدو أشبه بحلمٍ بعيد المنال، أو سرابٍ كلما ركضوا باتجاهه ابتعد.
يطلق الجميع عملياتهم من واقع الخسارة، في محاولاتٍ لتجنب الغرق في مستنقع الخسارة، حتى لو أوهموا أنفسهم بالوهم والخداع بأنهم ينتصرون، كما تفعل روسيا. صحيحٌ أنها حققت مكاسب ميدانية، لكن تصريفها إلى ثمار سياسيةٍ مستحيل، كذلك إمكانية استفادتها، أو تعويضها لخسائرها من كيس ما استثمرته في سورية لا يبدو وعدا صادقا، ما ستأخذه باليمنى ستصرفه باليسرى في بلاد خربة. وتورطت تركيا بملايين اللاجئين، وبارتباطاتٍ لن تستطيع الفكاك منها بسهولة، ولن تستطيع صناعة منطقة سكنية آمنة ستكلفها مليارات الدورلات. وهي اليوم تحاول الهرب من شبح حرب أهلية موضوعها الأساسي اللاجئون السوريون. وأنفقت إيران مليارات الدولارات، وتورّطت بصناعة مليشيات، وهو بمثابة وعد بإنفاق دائم، في وضعٍ لن يحل لها أزماتها المركبة، الوضع الاقتصادي المتأزم وصراعات الداخل الناهضة بقوّة.
ولا تعدو التفاهمات التي تجري بين اللاعبين سوى نوع من تسكين الجراح، وتمرير الوقت والمداورة على الوقائع، وجميع اللاعبين، وعلى الرغم من العداء الظاهري والمعلن بينهم، يتفقون على تكتيك واحد، يقوم على فتح المساحات أمام الأطراف الأخرى للتورّط في المستنقع السوري.
لا تحتاج الحلول في سورية إلى مجاهر لإبصارها. الجميع يعرفها ويراها بعين مجرّدة، لكنهم يبتعدون عنها، فما زالت قوّتهم تغويهم، وما زالوا يعتقدون أن الانتصار والوصول إلى الأهداف يبقى سهلاً، وبالتالي فإن فرص التجريب واللعب والمناورة ما زالت ممكنة.
بعد كل هذه السنوات، أصبح الجميع على علم بأنه ما لم يتم إقرار حل سياسي في سورية يكون مقبولاً ومعقولاً، فإنه لا نصر لأحد، ولا نهاية لأزمة، وأن الحرتقات التي يقوم بها الرئيس الروسي، بوتين، ليست سوى خرافات، يعتقد أنها استراتيجية حكيمة. واذا لم يتم التوصل إلى هذا الحل ستبقى سورية أرض سراب، وثقبا أسود، يقع فيه كل الباحثين عن أمجاد واهمة، وحلول سهلة لأزمات مركبة.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع