..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

عودة إلى حكاية الدستور السوري

شورش درويش

25 سبتمبر 2019 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 70

عودة إلى حكاية الدستور السوري

شـــــارك المادة

منذ مطلع الأزمة السورية، لم تبرح الدبلوماسية الروسية مكانها الأثير، المتمثّل بالتذكير بوجوب الوصول إلى دستور سوري جديد، يشكّل حجر الزاوية في إنهاء النزاع، ويفضّ الأزمة المتواصلة. ومع تدخلها العسكري المباشر عام 2015، أبقت روسيا على مسألة صياغة دستور جديد للسوريين، في سلّم أعمالها الدبلوماسية في أستانة وسوتشي. والأهم أنها وضعتها في سلّة خاصّة ضمن السلال الأربع للمبعوث الأممي الخاص بالأزمة السورية السابق، ستيفان دي ميستورا، وباتت من محاور نقاشات جنيف منفصلةً بذلك عن السلال الأخرى التي قد يعد الدستور تفصيلاً أو تحصيلاً حال تنفيذها، كسلّة شكل الحكم الأمثل، أو الانتقال السياسي. خلال إحدى جلسات أستانة 2017، خرجت روسيا عن النص، عبر توزيع مسوّدة مقترحة لدستور سوري جديد، وضعه خبراء روس، بغية تسريع العملية السياسية. وبمعزل عن إمكانية الاستناد إلى مضامين مسودة الدستور تلك، عمدت موسكو، عبر ورقة الدستور، إلى تجفيف مضمون جنيف عبر سحب المعارضة من يدها إلى مهاوي أستانة، وتجاوز الحضور الدولي الوازن في جنيف لصالح حضور ثلاثي (روسي تركي إيراني)، وبالتالي تحوير الغاية الفعلية لأستانة المتمثلة بوقف إطلاق النار، ليصار إلى الخوض في نقاشاتٍ ذات مضامين سياسية مباشرة، إذ كانت المسوّدة المقترحة أقرب إلى عملية "جسّ نبض" بالغة الهدوء. 

في الأثناء، صرّح وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، في مقابلة مع صحيفة روسية: "انتهت فعلاً الحرب في سورية (...). نعتقد أن تشكيل وإطلاق لجنة تهدف إلى تطوير الإصلاح الدستوري سيكون خطوة مهمة في دفع العملية السياسية التي يقودها السوريون أنفسهم، وتنفّذ بمساعدة الأمم المتحدة". تؤكد كلمات رأس الدبلوماسية الروسية إصرار بلاده على رفع مهمّة صياغة الدستور، أو الإصلاح الدستوري وفق تعبيره، إلى مصاف العمل الوحيد المتبقي لاستتباب الأوضاع في سورية. وفي هذا تعطيل لكل أفق يرمي إلى إيجاد انتقال ديمقراطي للسلطة، ذلك أن المنطق يفترض إحلال الانتقال السياسي في سلّم الأولويات موضع كتابة الدستور، إذ يدرك السوريّ أن أسّ المشكلة لا يكمن في شكل الدستور القادم أو منطوقه، مهما بلغت حساسيته الديمقراطية، أو مدى اعتماده معايير ترفع من شأن الحقوق الفردية والجماعية وكذا صونه ثقافة حقوق الإنسان، فبيت القصيد في مسار إيجاد دستور جديد يكمن في السلطة القائمة على حراسة الدستور، وصونه وتنفيذه، أي القوّة المخوّلة على حمايته، وقمين بالشرح هنا الاستشهاد باقتباس لهوبز: "المواثيق، في غياب السيف، ليست أكثر من كلمات".
تعي روسيا مغبّة تجاهل ملف الانتقال السياسي قبل الشروع في كتابة الدستور، وتعي بالدرجة ذاتها صعوبة إقناع المجتمع الدولي بأن المعضلة السورية ما هي إلّا محض أزمة دستورية، وعليه لن يصنع الأمر فارقاً في مسيرة إعادة تعويم النظام داخلياً أو دولياً.
ثمّة صعوباتٌ تعترض سبيل ما ترى روسيا في الدستور أنه استحقاق المرحلة التي تلي "انتهاء الحرب"، ذلك أن الدستور، وفق منطق الحرب السورية العبثية، يعني أن من سيضطلع بمهمّة إعداده سيكون الطرف المنتصر. ووفق الخط البياني للحرب، سيكون الدستور مكتوباً بقلم النظام والحبر الروسي. وعلى هذا يمكن استشراف القليل مما سيحصل في دستور البلاد القادم كالإبقاء على الصلاحيات الواسعة للرئيس، والإبقاء على نظام الحكم شديد المركزية، فضلاً عن هندسة الفضاء العام، ليواكب مقتضيات مصالح النظام.
وفق تبدّلات ميزان القوى، يمكن التنبؤ بإمكانية تحوّل مفردات الوزير لافروف، في هذا الصدد، إلى واقع، معطوفاً الأمر على موافقة تركية وتجاهل غربيّ، وبالتالي ستسقط مفردات الانتقال السياسي والمصالحة والتسوية من درج الكلام، لصالح الكلام عن الدستور وأبوابه وفصوله ومواده.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع