..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


اخبار الثورة

الثورة السورية في عامها التاسع: صمود بوجه الخراب

عبسي سميسم

15 مارس 2019 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 144

الثورة السورية في عامها التاسع: صمود بوجه الخراب

شـــــارك المادة

قبل 8 سنوات أسقط المتظاهرون في ساحة 16 تشرين، في مدينة درعا السورية تمثال حافظ الأسد، على وقع الشعارات التي كانت تطالب بإسقاط النظام السوري. انتظر نظام بشار الأسد 8 سنوات كاملة، وتحديداً قبل أيام من دخول الثورة السورية عامها التاسع، ليعيد يوم الأحد الماضي نصب التمثال. خطوة النظام واضحة في أهدافها ودلالاتها. يريد القول إنه بات المسيطر على البلاد، بعدما تمكن بحسب اعتقاده وما يروّج له من "الانتصار" على الثورة. لكن خروج أهالي درعا مجدداً في احتجاجات رفضاً لنصب التمثال، والشعارات التي رفعت وبينها "تموت الشعوب ولا تقهر" و"كان زمان يا رفيق ولى زمن التصفيق"، كانت التعبير الأمثل عن أن رهانات الأسد، الذي تسلح بدعم من روسيا وإيران ومليشيات متعددة الهويات وبالمجازر لسحق شعبه، بأنه سيكون قادراً على إنهاء الثورة لا تزال خطأً. كذلك شكلت الاحتجاجات رسالة واضحة بأن سيطرته الميدانية لا تعني أنه سيكون قادراً على محو الثورة ومبادئها، ولا سيما بعدما صمدت على مدى ثمانية أعوام رغم حجم الخراب الواسع الذي دمر البلاد، وحصيلة القتلى الهائلة ورغم الخذلان العربي والدولي والتحولات والتحديات التي واجهتها.
ويدرك نظام الأسد أن السيطرة الميدانية لا تقترن بقدرة على الحكم، وخصوصاً أن قرار النظام بات مرهوناً لدى الروس والإيرانيين. فنظام بشار الأسد يواجه اليوم تحديين يزعزعان قدرته على حسم الصراع لصالحه؛ أولهما عودة المهجرين إلى البلاد، والثاني إعادة إعمار سورية بعد الحرب التي كبّدتها خسائر بمليارات الدولارات.
ومع دخول الثورة السورية عامها التاسع، تحوّلت البلاد إلى مناطق نفوذ إقليمي ودولي، مع تنافس مختلف أفرقاء الصراع على المستويات كافة، وهو ما يدفع القضية السورية برمتها إلى مزيد من التأزيم، والبلاد إلى حواف التقسيم والتشظي. نظرة على المشهد السوري اليوم، تبيّن حجم الخراب في المستويات كافة، الذي نال من البلاد بعد 8 سنوات من نزاع بدأه النظام الرافض لتطلعات السوريين بالحرية والكرامة، ومرت خلاله مسيرة الثورة بتحوّلات جذرية، من فترات كان نظام الأسد فيها على وشك السقوط، على الرغم من تدخّل إيران بشكل مباشر لصالحه واستعانته بمليشيات متعددة الجنسيات، إلا أن إرادات ومصالح الدول العظمى حالت دون سقوطه، وصولاً إلى التدخّل الروسي الذي كان عاملاً حاسماً في منعه من السقوط، وتمكينه لاحقاً من استعادة جزء كبير من المناطق التي خسرها على يد المعارضة.

واليوم باتت قوات النظام تسيطر على أكثر من 60 في المائة من مساحة سورية، تليها "قوات سورية الديمقراطية" التي تسيطر على نحو 30 في المائة من الأراضي، فيما تقتصر سيطرة فصائل الجيش الحر على نحو عشرة في المائة، تتوزع بين محافظة إدلب وشمال محافظتي حلب وحماة وأجزاء من محافظة اللاذقية.
لكن هذا التوسع للنظام وصموده، كانت نتيجته شلالات من الدماء، لا تزال تسيل في عموم البلاد، من دون أن يتمكّن من تسجيل نصر حاسم على الثورة يعيد تأهيله سياسياً، وخصوصاً مع وجود ملفي إعادة الإعمار، وعودة المهجرين، في الوقت الذي رهن فيه النظام قراره لدى الروس والإيرانيين، وبات واجهة متهالكة لا يملك الحد الأدنى من السيادة على البلاد، وينحصر دوره في تسهيل مهمة موسكو وطهران للتجذّر الاقتصادي والثقافي والعسكري وخلق حقائق يصعب تجاوزها في أي حل سياسي، لا يبدو أن المتصارعين على سورية معنيون بتعجيله.

عودة اللاجئين
يشكّل ملف عودة اللاجئين السوريين، أو النسبة الكبرى منهم إلى بلادهم، معضلة كبرى في القضية السورية والقضية الأصعب التي تقف في وجه النظام لتحقيق انتصار، وخصوصاً أن الجانب الروسي حاول أن يجعله من الأولويات السورية في محاولة واضحة من موسكو للتأكيد أن مفاتيح الحل السوري بيدها. كما سعت روسيا إلى إعادة تأهيل النظام من خلال هذا الملف، فبدء عودة أعداد كبيرة من اللاجئين من دول الجوار ودول الاتحاد الأوروبي يعني انتصار النظام وحلفائه في الصراع، ومن ثم سيكون أمامهم فرصة فرض شروط "المنتصر" في الحل السياسي. ولكن الموقف الروسي اصطدم بقوة برفض غربي صريح لعودة اللاجئين من دون تحقيق حل سياسي جادّ وفق قرارات الشرعية الدولية، بدءاً من بيان جنيف1 وانتهاءً بالقرار 2254، الذي حدد أطراً معيّنة للحل، يحاول النظام وحلفاؤه القفز فوقها، ولكن هذه المحاولات تواجه صعوبات جمّة.

وفشل الروس في إقناع الغرب ودول الجوار بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، التي لا تتوفر فيها أدنى درجات الحياة الكريمة، حيث الاقتصاد المترنح، والأجهزة الأمنية ومجموعات الشبيحة التي تعيث بالبلاد قتلاً واعتقالاً، فضلاً عن كون النظام غير معني أساساً بعودة أحد على الرغم من إدراكه أهمية هذا الملف لتسويق نفسه وإعادة تأهيله دولياً، إلا أنه يتعارض مع مخططاته في عمليات التغيير الديمغرافي التي أجراها في سورية.
وهجّر النظام نحو 10 ملايين سوري من بلادهم، فضلاً عن وجود ملايين النازحين داخل بلادهم، سعياً منه للوصول إلى مجتمع وصفه بشار الأسد بـ"المتجانس" الذي لا يشكّل قلقاً لنظامه، ويقبل ببقائه في السلطة إلى الأبد وتوريث السلطة لابنه. ولم يعد إلى سورية منذ سيطرة النظام على جنوب سورية ووسطها بدعم روسي خلال العام الماضي، إلا بضعة آلاف مضطرين من لبنان والأردن، تعرّض أغلبهم إلى انتهاكات من أجهزة النظام الأمنية، وكان الهدف منها ردع آخرين من العودة إلى بلادهم لأن النظام لا يريد أحداً، بل هو لا يملك الإمكانيات اللازمة لعودة لاجئين على نحو واسع.

كما لم يقم الجانب الروسي بدوره كضامن في المناطق التي وقّعت اتفاقات مصالحة مع النظام، إذ فتك الأخير بها قتلاً واعتقالاً وتضييقاً، ما دفع ملايين السوريين للتريّث في العودة، وربما التأسيس لحياة جديدة في المغتربات، لتخرج مسألة العودة إلى سورية من حساباتهم.
وتراجع ملف اللاجئين في سلّم الاهتمام في الآونة الأخيرة عقب الفشل الروسي الذريع في معالجته، إذ لم تتعامل موسكو مع الملف من جانب إنساني، بل من زاوية سياسية، وأرادت من خلاله التأكيد أن سورية باتت الحديقة الخلفية للكرملين تفعل بها ما تشاء وقتما تشاء، كما سعت لتحويل سورية إلى ورقة مساومة مع الغرب مع سلّة ملفات أخرى.

ويعيش اليوم نحو 4 ملايين سوري في تركيا، وأكثر من مليون في لبنان، ونحو مليون ونصف في الأردن، ونصف مليون في مصر، وأكثر من هذا العدد في السودان، ونحو 900 ألف في ألمانيا وحدها، وربما أكثر من ذلك في عموم دول الاتحاد الأوروبي السويد. وعلى الرغم من التضييق عليهم في بعض البلدان، إلا أن عموم اللاجئين يرفضون العودة من دون حل سياسي يضمن كرامتهم، وهو ما يبدو في المدى المنظور بعيد المنال تماماً، إذ يتعامل النظام مع السوريين داخل سورية وخارجها تعامل المنتصر الذي يريد العودة بالبلاد إلى ما قبل عام 2011.

الإعمار المتوقف
أما الملف الثاني الذي يعد عقدة رئيسية على طريق تأهيل النظام، فهو ملف إعادة الإعمار، الذي يحول دون انتصار الأسد وتمكينه بشكل نهائي. ولم تتمكن الدول الداعمة للنظام من فعل شيء يذكر حيال هذا الملف، وذلك بسبب عدم امتلاكها، ولا سيما روسيا وإيران، القدرة على تغطية نفقات هذا الملف الذي يمتلك الغرب مفاتيحه بالكامل، والذي لا يزال يضع شرط الحل السياسي وفق قرارات الأمم المتحدة شرطاً أمام أي تقدّم في هذا الملف، إذ ترفض الدول الأوروبية والولايات المتحدة إعطاء الشرعية للنظام من خلال هذا الملف، وإن كان بعضها بدأ يقبل بوجوده ضمن مرحلة انتقالية.

وركّزت النقاشات خلال مؤتمر بروكسل الأخير، الذي استُبعد من المشاركة فيه وفدا النظام السوري والمعارضة، حول كيفية مساعدة المدنيين من دون إضفاء الشرعية على نظام الأسد، وهو ما يعكس التداخل المتزايد بين الأهداف الإنسانية الأساسية، والطموحات السياسية للدول التي تعارض نظام بشار الأسد، وهي في الوقت نفسه الدول المانحة الإنسانية الرئيسية في سورية.

ويصرّ المانحون الرئيسيون، بما في ذلك الولايات المتحدة، والدول الأوروبية الرئيسية، على ضرورة ربط قنوات الدعم الإنساني بأهدافهم السياسية الطويلة الأجل. وفي حين أن هذه الدول تقرّ بأن بشار الأسد لن يتخلى عن السلطة قريباً، إلا أنها تأمل إجباره من خلال الالتزام بنظام عقوبات صارم، وعدم المشاركة في جهود إعادة الإعمار، وعدم الاعتراف بشرعيته السياسية، على القيام بإصلاحات سياسية جوهرية. وهذا يتطلب الامتناع عن أي خطوات سياسية أو اقتصادية قد تسهم في مساعدة نظام الأسد على ترسيخ موقفه الداخلي، وتجاهل مطالب الإصلاح في الوقت نفسه. ويرى أصحاب هذا الرأي أن أوروبا، والدول المانحة الأخرى، يجب ألا تتحوّل إلى مجرد بيدق في اللعبة الروسية - الإيرانية، وتكمل مهمتهما في إنقاذ الأسد وتثبيت حكمه، فبعدما كان دور روسيا وإيران عسكرياً وسياسياً هو مساعدة الأسد في الحفاظ على سلطته في وجه معارضيه، يكون دور أوروبا اليوم دفع تكاليف تثبيت هذا الحكم، عبر إعادة إعمار حرب الأسد على شعبه ومعارضيه، مع بقائه في السلطة، وتجاهل مطالب الإصلاح السياسي.

غير أن الدول الأوروبية ليست موحّدة في هذا الموقف من نظام الأسد. وثمة خلافات في ما بينها حول الطريقة المثلى للتعامل مع النظام. ومقابل الفريق الذي يرى وجوب تشديد الحصار والعقوبات على النظام لإجباره على القبول بإصلاحات سياسية، تطالب بعض البلدان مثل إيطاليا والنمسا والمجر، بضرورة تبنّي سياسات تساعد في عودة اللاجئين السوريين من أوروبا والعالم إلى بلادهم، عبر فتح حوار مع نظام الأسد.

معاناة متواصلة
حملت السنوات الثماني الماضية الكثير من المآسي والمعاناة للسوريين، وهي محنة ما زالت متواصلة، ولا تلوح في الأفق أي نهايات سعيدة لها. وأشارت المعطيات التي كشفها التقرير الأخير للشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى مقتل نحو 225 ألفاً من المدنيين، بينهم نحو 28500 طفل، ونحو 15500 امرأة، فيما يتحمّل حلف نظام الأسد - روسيا - إيران النسبة العظمى (92 في المائة) عن سقوط هؤلاء الضحايا. ولفتت الشبكة إلى أن هذا الحلف شنّ ما لا يقل عن 441 هجوماً بذخائر عنقودية و216 هجوماً كيميائياً، ما تسبّب بمقتل ما لا يقل عن 1461 شخصاً، مع استخدام تنظيم "داعش" للأسلحة الكيميائية 5 مرات.

وخلال هذه الفترة ألقى نظام الأسد أكثر من 77 ألف برميل متفجر. كما وقع 149 هجوماً بالأسلحة الحارقة، كان النظام مسؤولاً عن 19 منها، والقوات الروسية عن 125 هجوماً، وقوات التحالف الدولي عن 5 هجمات على أحياء سكنية في مدينة الرقة. كما قُتل 921 مدنياً بسبب الحصار الذي اتبعته قوات النظام ضد المناطق الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة. وتصدّر النظام ارتكاب التعذيب الذي يؤدي للموت في كثير من الأحيان، مع تسبّبه بمقتل قرابة 14 ألف شخص في سجونه.

وفي ما يخصّ الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، أكدت الشبكة أن النظام السوري والمليشيات الموالية له مسؤولة عن معظمها، إذ لا يزال نحو 128 ألفاً قيد الاعتقال أو الإخفاء القسري في سجونهم، فيما يوجد في سجون قوات سورية الديمقراطية (قسد) نحو 2700 شخص، ولا يزال مصير أكثر من 8 آلاف من المعتقلين لدى تنظيم "داعش" مجهولاً، مع استمرار "هيئة تحرير الشام" في احتجاز أكثر من 1700 شخص، ونحو 2700 في سجون الفصائل المعارضة المسلحة. وحمّل التقرير تنظيم "داعش" مسؤولية مقتل 32 شخصاً تحت التعذيب، و"تحرير الشام" مسؤولية تعذيب 21 شخصاً حتى الموت، وما لا يقل عن 38 على "قوات سورية الديمقراطية"، و43 على أيدي الفصائل المعارضة المسلحة. وقدّرت الشبكة الحقوقية تعرّض قرابة 14.2 مليون شخص للتشريد القسري، بينهم 8 ملايين داخل سورية، و6.2 ملايين لاجئ خارجها.

كذلك خلقت الحرب في سورية تحديات غير مسبوقة على صعيد الوضع الإنساني، ومنع إدخال المساعدات للمحتاجين اليها. وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني: "قد يكون بالإمكان ربما تخيُّل منع إدخال المساعدات الإنسانية، بما يشمل ذلك من انتهاك أساسي لحقوق الإنسان، لكن من الصعب جداً تصوُّر قيام نظام بقصف متكرر للمنظمات الإنسانية وملاحقة العاملين فيها وقتلهم... لقد وصل التوحش إلى مستوى مخيف، وأصبحت مهمة إنقاذ وإغاثة المدنيين عملاً يودي بصاحبه إلى الموت".

وسجل عام 2018 سقوط نحو عشرين ألف قتيل، وهي أدنى حصيلة منذ اندلاع الثورة السورية، فيما قُتل عام 2017 أكثر من 33 ألف شخص، بينما سجل عام 2014 أعلى حصيلة سنوية بمقتل أكثر من 76 ألف شخص، وحينها كانت الحرب في أوجها، وكانت فصائل المعارضة تسيطر على مناطق واسعة من البلاد، أبرزها الغوطة الشرقية قرب العاصمة والقسم الشرقي من مدينة حلب، ومساحات واسعة في محافظتي درعا وحمص. وشهد العام نفسه صعود تنظيم "داعش" وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

استطلاع الرأي

برأيك، كيف ستنتهي تهديدات الضربة الأمريكية المرتقبة ضد النظام؟

نتيجة
..
..