..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

واشنطن لموسكو: كش ملك

علي العبد الله

14 فبراير 2018 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 242

واشنطن لموسكو: كش ملك

شـــــارك المادة

 

أسرعت روسيا إلى استثمار دور قواتها المسلحة في حماية النظام السوري، وقبضت الثمن بعقد اتفاقيتين مع الأخير، قبل بموجبهما بقاء القوات الروسية على الأرض السورية، في قاعدتين، جوية في حميميم وبحرية في طرطوس، مدة كل منهما 49 سنة قابلة للتمديد آليا، فترة إضافية مدتها 25 سنة. جاءت الاتفاقيتان تنفيذا لرؤية الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الاستراتيجية بالوجود العسكري في نقاط قريبة من الخاصرة الرخوة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في حوض البحر الأبيض المتوسط، للرد على التهديدات الغربية، واحتواء مخاطر زحف الحلف المذكور باتجاه حدود روسيا الغربية، ونشر الدرع الصاروخية الأميركية في بولندا ورومانيا وتركيا.

 

وقد بوشر بتحويل القاعدتين إلى مجمّعين كبيرين للقوات (البحرية غدت جاهزة لاستقبال وخدمة صنوف السفن والمدمرات والفرقاطات والغواصات والطرادات النووية. والجوية لصنوف الطائرات، قاذفات ومقاتلات ومروحيات. وعززا بالدفاعات الجوية الحديثة من طراز إس 300 وإس 400 والدبابات والمدرعات والأسلحة والذخائر، بالإضافة إلى طواقمها من الجنود وصف الضباط والضباط الذين تجاوز عددهم 4500 فردا لتشغيلها وحمايتهما)، وإلى نقطتي ارتكاز متقدمتين في مسرح عمليات فائق الأهمية
لم تكتفِ روسيا بالقاعدتين على الأرض السورية، بل تحركت لاستعادة نفوذ الاتحاد السوفييتي في مصر والجزائر والسودان، وتواصلت مع الجنرال خليفة حفتر في ليبيا للغرض نفسه، من أجل تكثيف الضغط على التحالف الغربي، ودفعه إلى الإقرار بها قوة عظمى، والتسليم بدورها ومصالحها والاتفاق معها على مخارج للملفات العالقة بينهما (رفع العقوبات الاقتصادية عنها،  

القبول بضم جزيرة القرم، وقف نشر الدرع الصاروخية الأميركية قرب حدودها، وقف زحف حلف الناتو نحو حدودها)، وعلى مناطق النفوذ وحل المشكلات الإقليمية والدولية الساخنة


جاء التدخل العسكري الروسي في سورية في سبتمبر/ أيلول 2015، بعد فشل محاولات وقف زحف "الناتو" ونشر الدرع الصاروخية الأميركية في الهجوم على جورجيا عام 2008، واقتطاع أراض منها وإقامة كيانين سياسيين تابعين (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية) والهجوم على أوكرانيا عام 2014، وضم جزيرة القرم وتشكيل جمهوريتين "شعبيتين" مواليتين في شرقي البلاد (جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك)، وما ترتب عليه من فرض عقوباتٍ اقتصاديةٍ عليها، انعكست سلبا على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، التي تعاني من مصاعب أصلا بسبب انهيار أسعار النفط، وانهيار سعر صرف العملة الوطنية: الروبل
لم تستجب الولايات المتحدة للرسائل والإشارات الروسية، بل تركتها تغوص في الصراع  السوري، من أجل استنزافها وتدفيعها أثمانا باهظة، وتحميلها مسؤوليات سياسية وأخلاقية عن القتل والتدمير الممنهج للمدن والبلدات والقرى السورية الذي انخرطت فيه، إلى جانب قوات النظام وحلفائه الإيرانيين ومليشياتهم الطائفية، ووضعها في مواجهة العالم الإسلامي السنّي، على خلفية هذا الاصطفاف المذهبي، لابتزازها ودفعها للخروج من أوكرانيا وإعادة جزيرة القرم إليها


ردّت الولايات المتحدة على رؤية بوتين الاستراتيجية، ونشره قوات روسية في سورية، بعقده الاتفاقيتين المذكورتين، بخطوة من النوع نفسه: إقامة قواعد عسكرية على الأرض السورية (5 قواعد عسكرية شمال شرق الفرات جُهز بعضها لاستقبال طائرات ثقيلة واستيعاب معدات وعتاد متطور، خصوصا قاعدة تل حجر في منطقة رميلان التي زودت بتقنيات دقيقة، وفق مصادر مطلعة أشارت إلى الحراسة المشددة حول القاعدة المكونة من طوقين، خارجي تقوم به "وحدات حماية الشعب" الكردية، وداخلي تقوم به قوات خاصة أميركية ويمنع اجتيازه لغير الأميركيين، بالإضافة إلى نقل المعدات من كردستان العراق عبر معبر سيمالكا بشاحنات مغلقة كي لا يتم التعرف إلى طبيعة المعدات ونوعيتها)، والإعلان عن بقائها (القوات الأميركية) فترة مفتوحة. وهذا مع قاعدة التنف، ذات الموقع الاستراتيجي الحساس (على مشارف الحدود مع العراق والأردن والجولان السوري المحتل)، والمزوّدة بأسلحةٍ حديثةٍ ومتطورة، راجمات صواريخ مداها 350 كم قادرة على شل القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، والأسلحة التي خزّنتها ونشرتها في إسرائيل، يعكس التوازن العسكري بينهما شرق المتوسط. تتضح الصورة أكثر، إذا ربطنا هذه المعطيات بالاستراتيجية الأميركية الجديدة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في خطابه عن حالة الاتحاد، واعتباره روسيا تهديدا للأمن القومي الأميركي، وبرنامجه لتطوير القوة النووية الأميركية (التركيز على تصنيع قنابل نووية صغيرة لتكون قابلة للاستخدام)


يمكن اعتبار الخطوة الأميركية، إقامة هذه القواعد وتجهيزها بالتقنيات والمعدات المتطورة والعتاد الثقيل، تطويقا للقاعدتين الروسيتين، وامتصاص أثرهما واحتواء دورهما في معادلة الصراع الغربي الروسي. وهذا يفسر إلى حد كبير عصبية القيادة الروسية وتوترها والتصريحات الحادة ضد الوجود الأميركي على الأرض السورية (عدم شرعيته، زوال مبرّره، هدفه تقسيم سورية، المطالبة بانسحابه) التي أطلقها كل من وزير الخارجية، سيرغي لافروف، وزير الدفاع سيرغي شويغو، الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، الممثل الخاص للرئيس الروسي في سورية، ألكسندر لافرنتييف، الناطقة باسم الخارجية، ماريا زخاروفا، السفير الروسي في لبنان، ألكسندر زاسيبكين، السفير الروسي في دمشق، ألكسندر كينشاك، رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما، فلاديمير شامانوف، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الدوما، قسطنطين كوساتشيف، بالإضافة إلى الحملات الإعلامية التي شنتها وسائل الإعلام الروسية المرئية والمسموعة والمقروءة على الدور الأميركي في سورية


لم تتوقف الحملة الروسية على الوجود العسكري الأميركي في سورية، وخصوصا في شمال شرق نهر الفرات، عند الحملات الدبلوماسية والإعلامية، بل سعت إلى تحفيز ضغط ميداني، مباشر من خلال مباركة الموقف الإيراني الذي أعلنه مستشار المرشد الأعلى، علي أكبر ولايتي، والذي لوح بطرد القوات الأميركية من شمال شرق الفرات، واختبار مدى جدية الموقف الأميركي في الدفاع عن المناطق التي تسيطر عليها "قوات سورية الديمقراطية" بمهاجمة مواقع تلك القوات في ناحيتي ذيبان والبصيرة (قرى خشام، جديد عقيدات، جديد بقارة) في محافظة دير الزور بقوات من الفيلق الخامس، الذي شكلته منذ نحو عام، تساندها قوات موالية لإيران (لواء الباقر). والدفع نحو صدام أميركي تركي، من خلال تشجيع تركيا على تحدي الموقف الأميركي من بقاء "قوات سورية الديمقراطية" في منبج، والتصعيد عسكريا ضد فصائل المعارضة لإحراج واشنطن التي شجعتها على مقاطعة مؤتمر سوتشي، وربط استكمال العملية السياسية باستعادة النظام السوري لكل الأراضي السورية. وهذا استدعى ردا أميركيا تمثل في هجمات بطائرات درون (طائرات من دون طيار) على قاعدتيها في حميميم وطرطوس (نجم عنها إعطاب سبع طائرات ومنصة صواريخ إس 400)، وإسقاط طائرة سوخوي 25 في محافظة إدلب، وقصف قوات النظام وحلفائه في ريف دير الزور (قتل 137 عنصرا منهم) في استهداف مباشر للوجود الروسي في سورية


تنطوي الخطة الأميركية على نتيجتين مباشرتين بالنسبة للملف السوري: بقاء الملف مفتوحا فترة غير محدّدة، وما سينجم عن ذلك من قتل ودمار وتهجير، واستمرار حاجة واشنطن لقوات "وحدات حماية الشعب" الكردية، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، في الحروب بالوكالة الدائرة على الأرض السورية، ما سيدفعها إلى الضغط من أجل إشراك الحزب المذكور في المفاوضات، مع احتمال تبني مشروعه الفيدرالي في سورية.

 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع