..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


اضاءات

الضحكة الدامعة!

سلمان العودة

15 نوفمبر 2014 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1869

الضحكة الدامعة!
images (2).jpg

شـــــارك المادة

حين وقع الأبوان في الخطيئة بكيا حتى بلَّ دمعهما الثرى، إنها دموع التائبين، ويُروى أن ملكاً قال لهما: هذا أطيب ماء على وجه الأرض!

قالوا: وكيف؟

قال: لا أطيب من دمعة تائب نادم على ذنبه.

 

هل تذكر أنك ذرفت دموع ندم على مقارفة ذنب أو تفويت طاعة؟ تلك الدموع يثقل بها ميزانك، ويبرأ بها قلبك من جراحه.

لم ترقأ عين آدم حين خرج من الجنة حتى عاد إليها.

في قتل قابيل هابيل بكيا على فقْد هذا وعلى جُرم هذا.

الإنسان كائن (شاعر) يحس بالفرح فيضحك، وبالحزن فيبكي.

هو الكائن الوحيد الضاحك الباكي، المتعة والفرح جزء أصيل في تكوينه، والجد الصارم ينافي الفطرة.

الألم عابر لا يجب أن نبني له تمثالاً، ولا أن نجعله أساس مشاعرنا.

كان أبو ذر يُحدِّث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في قصة المعراج:

«فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِي الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى» (رواه البخاري).

قلب آدم كبير؛ اتسع لفرحة الصالحين من أبنائه إلى يوم الدين، وتألَّم للتائهين، وبكى من أجلهم.

أكثر ما يُحزن الأبوين هو حال الأبناء، والخوف على مستقبلهم.

أما حكاية بكاء آدم مائة عام حتى نبت الدارسين والقرنفل من دموعه فهي تهويلٌ ليس له أصل، وجعل الله في الأبوين القدرة على التكيُّف مع الأوضاع المختلفة.

ومثلها رواية بعضهم أشعاراً في رثائهما لابنهما القتيل:

تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَنْ عَلَيْها  ***  فوجْهُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ 

تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي رِيحٍ وطَعْمٍ  *** وَقلَّ بَشاشَةَ الوَجْهُ المَلِيحُ

وهي من الأكاذيب، والشعر المذكور ركيك ومعيب ومنحول.

على أن شعر الرثاء من أصدق المعاني كما في قصيدة ابن الرومي:

بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي *** فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي

وقصيدته في رثاء يحيى العلوي، وفيها قوله:

وليس البكا أن تسفح العينُ إنما *** أحرُّ البكاءين البكاء الموَلَّجُ

أتُمتِعُني عيني عليك بدمعة ***  وأنت لأذيال الرَّوامس مُدْرَجُ

وقصيدة أبي الحسن التهامي:

حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري ***  ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار

وقصيدتي في فقيدي "عبد الرحمن":

وداعاً حبيبي لا لقاء إلى الحشر *** وإن كان في قلبي عليك لظى الجمر

رأى أحدهم في المنام دمعة واحدة طفرت من عينه، فسأل معبراً فقال له: قصيدة يقولها في موت ولده.

ركب الأبوان على اعتدال المزاج، وهو محمود في الفرح والحزن: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ {76}) (القصص)، (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {139}) (آل عمران)، التعبير الفطري عن الغرائز حسن: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلاَ بِحُزْنِ الْقَلْبِ وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ» (البخاري ومسلم).

والإيمان بالقَدَر يعدل المزاج: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى {43}) (النجم).

وفي الحديث: "فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ" (رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي وقال: حديث غريب)، وقِلَّته تقتل الحب.

للحيوانات مشاعر محدودة تجاه نفسها أو ولدها أو من يحتك بها، وقد يبكي البعير فتدمع عينه، قال المثقب العبدي:

إِذا ما قُمتُ أَرحَلُها بِلَيلٍ *** تَأَوَّهُ آهَةَ الرَجُلِ الحَزينِ      

أَكُلُّ الدَهرِ حَلٌّ وَاِرتِحالٌ ***  أَما يُبقي عَلَيَّ وَما يَقيني

والفن البشري في جملته تعبير متنوع عن مشاعر الفرح، والألم، والحزن، والندم، والاشتياق، والحنين، والفقد..

الدموع رمز النبل والصدق: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ {84}) (يوسف)، (تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ {92}) (التوبة).

إنهم يحاولون ألا يرى الناس دموعهم، فحتى في الدمع هناك درجة من التمثيل!

وربما اغتبط أحدهم بحضور دمعته وإجهاشه أمام الملأ؛ ليكسب تعاطفاً أو يحوز ثقة!

استحضار الكآبة والألم ليس محموداً ولا متعبَّداً به، إنما يُؤجر العبد على الصبر والرضا.

جربت أن أدعم عوامل السعادة والمتعة حتى تتغلب على نقيضها، فوجدت السعادة تفترش حياتي حتى في المواقف الصعبة، وصار السرور مزاجاً عاماً لا يُلغيه ألم عابر.. وصرت أُعبِّر عن حالة السعادة وأتحدث عنها حتى تبرمج عقلي الباطن عليها.

الحزن مؤلم في لحظته، ولكنه كثيراً ما يصبح ذكرى ممتعة تعبر عن زوال الهم والبلاء، وتبدل الحال، والروح والفرج، وتعطي مادة مغرية للحديث.

أعجبني تعبير شعبي عن ألم الفراق لم أقرأه إلا وتجدد تفاعلي معه وكأنني أطالعه للمرة الأولى.

تلكم هي قصيدة "عابرة سبيل" من الكويت لزوجها قبيل وفاتها إثر مرض عضال:

ترى الذبايح وأهلها ما تسليني ***  أنا أدري أن المرض لا يمكن علاجه

أدري تبي راحتي لا يا بعد عيني *** حرام ما قصرت إيديك في حاجه

خذها وصية وأمانة لا تبكيني *** لو كان لك خاطر ما ودي إزعاجه

أبيك بيديك تشهدني وتسقيني *** وأمانتك لا يجي جسمي بثلاجه

لف الكفن في يديك وضف رجليني *** ما غيرك أحد كشف حسناه وإحراجه

أبيك بالخير تذكرنى وتطريني *** يجيرني خالقي من نار وهّاجه

سامح على اللي جرى ما بينك وبيني *** أيام نمشي عدل وأيام منعاجه!

إنها دموع النهاية التي لا تُنسي ضحكات البداية!

 

 

 

موقع الدكتور سلمان العودة

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع