..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الطريق إلى المحرقة

جهاد صقر

11 ديسمبر 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 4633

الطريق إلى المحرقة
صقر00.jpg

شـــــارك المادة

تُعرف العقيدة العسكرية بأنها "مجموعة من القيم والمبادئ الفكرية التي تهدف إلى إرساء نظريات العلم العسكري وعلوم فن الحرب، لتحدد بناء واستخدامات القوات المسلحة في زمن السلم والحرب بما يحقق الأهداف والمصالح الوطنية".

عندما تنحرف عقيدة الجيش العسكرية،تنحرف بوصلته بالكلية، ويتناقض الشعار مع المحتوى، تماما كما هو حال فيلق القدس الإيراني -وسواه من جحافل غثائية واقعنا المعاصر-؛ خطأ في المضمون وخطأ في البوصلة يضل معه الجميع الطريق، ليس إلى القدس وحدها.

وعندما لا يدرك الجيش من القدسية سوى قداسة ولي أمر الوطن لا الوطن، ولا يعرف من الانتماء سوى الانتماء لمن يحكم الوطن بدلا من الانتماء للوطن ذاته، فلا عجب أن يحيد عن مهمته الأساسية في الدفاع عن ذاك الوطن.

فعبر مجموعة من السنن الكونية والقواعد الإنسانية والدستورية الثابتة، يمثل الوطن الامتزاج الأرقى بين الأرض والإنسان، فعلى أي أساس يُختزل هذا الوطن في حفنة قليلة من الأشخاص؟

لا ريب أن التجرد من الانتماء للوطن بمفهومه الشامل كاف لتجريد من يُكلف بالذود عنه من الكثير مما يمت لقواعد السلوك والشرف العسكري، الذي يميز الجيش النظامي عن العصابة الإجرامية بِصلة.

ومن الطيعي أن يكون مرد مثل هذا الانحراف خلل في الفكر على مستوى المجتمع ككل -لا على مستوى الجيش فحسب-؛ خلل أعلاه جهل وأمية في فهم مقاصد النصوص وصولا إلى أمية الإحساس -أساسا لكل أمية فكرية كانت أو تربوية أو سياسية أو سواها-. والمحصلة انحطاط المرء من مرتبة الإنسان الحر إلى دونية العبد المرتزق.

ولا يقتصر مفهوم الارتزاق -ومن معالمه شيوع ظاهرة المرتزقة- على المؤسستين العسكرية والأمنية، بل قد يتوسع ليشمل مختلف شرائح المجتمع، وذلك عندما يشتري الخوف على الرزق خيارات الناس ومصائرهم، مغريا القوم بالتنازل -بدافع من الخوف أو الحرص على الرزق- عن بعض حقوق مواطنتهم الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تكفلها لهم الدساتير كافة بما فيها العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

وتبعا لتغييب مفهوم المواطنة سواء لدى الشعوب المحكومة بالفعل أو تلك التي يُراد التحكم بها، يتحول دور الجيوش النظامية والهياكل الأمنية بمرور الوقت ليصبح أقرب لدور جحافل وقطعان المرتزقة -وإن بدت في شكلها نظامية-، ليمكنها أن تأخذ -حسب الجرعة- شكل العصابة المافيوية أو الميليشيا الإجرامية.

ينطبق ذلك على الاحتلال الأجنبي المباشر، كما ينطبق على الأنظمة التي تقوم بدور الوكالة المحلية أو الإقليمية لهذا الاحتلال كشكل من الاحتلال غير مباشر. واقع يتمثل فيه جوهر الحثالة المجتمعية في نفس عبد مرتزق بكل ما يعتريه من غثائية ومادية وانعدام أخلاق وإنسانية، وبما يقوم عليه من خضوع ينفذ -بلا تفكير كهاتف عملة- كل ما يتلقى من أوامر أو ما يناط إليه من أعباء.

حين تسود الغثائية تغيب الموازين، ويعجز الفرد عن وضع أي أمر في الميزان يقيس به المشروعية أو -على الأقل- مدى انسجامه مع القواعد الدستورية، ولا نقول القواعد الإنسانية التي لا تعد لدى عديمي الشرف المدني أو العسكري قضية.

وهنا ينبغي التمييز بين عصابات المرتزقة التي تحمل لواء العبودية وميليشيا حرب العصابات التي تحمل لواء الحرية، إذ تنتصر الأولى في مواجهاتها غير المتكافئة بوجه المدنيين البسطاء -العُزل من السلاح- بلا نصير يصد عنهم تلك القوة الغاشمة القائمة على الفارق المادي ومن ضمنه التسليح.

ما يكشف عوار حثالات المرتزقة هو معاركها الحقيقية بوجه ما يكافئها عسكريا في المقدار ويعاكسها في الاتجاه في الحروب التقليدية، أو بوجه الانتفاضات الشعبية أو  ميليشيا حرب العصابات في الحروب غير التقليدية. وحتى لو لم تكافئ الثانية الأولى ماديا في المقدار، فإنها غالبا ما تتفوق عليها معنويا في المقدار؛ ففارق العقيدة بين نفسية المرتزق المنحرفة الضعيفة ونفسية الثائر الحية القوية بعد معنوي ذو أثر عظيم في قلب الموازين.

إن المرتزق في حقيقة الأمر خاضع منحط في عبوديته مذعن في الأساس لقهر المادة وعالم الأشياء، وأما غريمه المتحرر من سلطان المادة -وإن قلت العدة والعتاد- فصاحب رسالة -أيا كانت- ترتقي به نحو عالم الأفكار.

حقيقة يدرك خطورتها المخططون الاستراتيجيون، ويضعون بناء عليها البرامج الاجتماعية والثقافية بهدف شطب قيمة الحرية الإنسانية وروح المقاومة في نفوس أبناء الشعوب المستهدفة بنير الاستعمار والعبودية، بما يحرمها من الفارق المعنوي الذي يحسم صراعها الطويل نحو الحرية.

وبما أن فاقد الشيء لا يعطيه، فلن يهبك العبد ثورة أو ينتزع لك الحرية.

عندما أغار بعض العرب على قوم عنترة بن شداد من بني عبس وأصابوا منهم، تبعهم العبسيون فقاتلوهم عما معهم وعنترة فيهم، فقال له أبوه -الذي لم ينسبه إليه كونه ابن جارية-: "كرّ يا عنترة". فقال عنترة: "العبد لا يحسن الكرّ، إنما يحسن الحلاب والصرّ". فقال:"كرّ وأنت حرّ". فكرّ عنترة وأبلى بلاء حسنا يومئذ، وكان من أشجع العرب.

قديما كان -أو حديثا- أحسن ويحسن العبد الفرّ -لا الكر-، على غرار مشهد ذلك الجندي المدجج بالسلاح مطلقا ساقيه للريح فرارا من منتفض ليس له من العدة سوى الإرادة، ومن العتاد سوى سكين مطبخ، ذلك أن العبد لا يقوى على المواجهة بمبدأ رجل لرجل، وبضاعة الرجال في كل حال نادرة في حاضر الأيام. وبالطبع لا تخرج الجرذان من الجحر إلا عند سقوط ضحيتها، توسعها ضربا إذ تحيط بها كالأكلة على قصعتها.

بطبعها تؤثر جيوش جحافل المرتزقة مبدأ السلامة وبضاعتها على كل حال الدنيا -لا الآخرة-، مستبدلة المواجهة المباشرة -رجل لرجل- بمواجهات غير مباشرة هي لمعارك ال"جويستيك والريموت كنترول"أقرب، يتم فيها اصطياد الخصم عبر كبسة زر، ويا حبذا تفويض عبيد العبيد -إن وُجِد- على قاعدة "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون"، وكفى الله غير المؤمنين القتال.

مرتزقة بتلك المواصفات هي خير من يؤدي دور سيف المستبد وأداة الاستبداد، وبحجة الدفاع عن الكرامة تراها خير من يجرد المواطنين العزل من الكرامة -قبل السلاح-، بينما هي في واقع الأمر تلهث وراء حفنة من الدولارات في كل جحر بحجة ضرب الإرهاب.

المشهد الإقليمي العربي اليوم قمة في الجنون قيمته تتناسب طرديا مع كم الانحدار الحاصل في قيمة الإنسان، سواء كان مرتزقا أو ضحية.

وبالأمس القريب كانت جثث جند المرتزقة المصريين تعود من ليبيا وجنوب السودان عبر بوابتي سيناء وواحة الفرافرة، فيما جثث المرتزقة الإيرانية تختلط -بلا توقف- بجثث عبيدها اللبنانية والأفغانية والباكستانية والآسيوية، بالقدر نفسه الذي تلوثت به أيديها بدماء ضحاياها السورية والعراقية، تعبيرا عن فشلها الذريع في ترويض الضحية، لتقبل في النهاية ما يعرضه عليها أبالسة المجتمع الدولي وأذنابها المحلية والإقليمية.

وبعد كل أنهار الدم المسفوح تلك يطلع علينا عراب الخارجية الأمريكية بخطته الجهنمية للزج بجيوش برية عربية من مصر والسودان والجزائر في الجحيم السورية، ليستوي القوم في المحرقة الكونية. دعوة وظفت العبودية وانحراف العقيدة والبوصلة من قبل لإرسال ذات المرتزقة مذمومة مدحورة لمعارك غير معاركها الحقيقية. وعندما بدأت الخطة الجهنمية بقطع مياه النيل عن مصر والسودان بسدّ النهضة في منابع النيل، غاب المرتزق المصري -وصنوه السوداني- لخطأ في التوجيه، فالبوصلة لا تعرف معركة الحقوق والكرامة الإنسانية، بل معارك الذل والمهانة بعد تنازلها عن تلك الإنسانية.

مرتزقونا -في واقع الأمر- مجرد دمى (في محارق كيري)، مصيرها الاصطفاف بجانب الظلمة لا الدفاع عن ضحايا الظلمة، متجاوزين قدس الأقداس على مرمى حجر كما تجاوزوا منابع النيل ولا عجب؛ الفرق بينهم وبين غريمهم المصطنع (صبية داعش) لا يتجاوز حفنة من الشعارات يتبعها السفهاء من الطرفين، وبما أن سيد الطرفين واحد، فمصيرهما في تلك المحرقة واحد. هي محرقة لا يراد لها أن تنتهي، وتقول هل من مزيد من المرتزقة المغفلين -وما أكثرهم-... الأخ في جانب يقاتل أخاه في الجانب الأخر، ولا عزاء لكل من سلم إرادته وعقله وحريته -ويا أسفا- لشيطان مريد استغفله.

 

 

عربى21

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع