..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

سجن رومية، سجن لبنان

نجوى بركات

23 يونيو 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1735

سجن رومية، سجن لبنان
00 رومية.jpg

شـــــارك المادة

هل ما زال نافعاً أن نشجب ونندد ونعترض ونحذّر؟ أم أننا تأخرنا كثيراً، وقد بات الانزلاق، لا بل السقوط، محتوماً، فيما نحن لا نفعل سوى أن نغمض أعيننا، متوجسين، متوقعين وصول لحظة الاصطدام والانفجار الكبير؟

تُسرّب أشرطةُ عملية تعذيب معتقلين في سجن رومية اللبناني، يقال إن عمرها شهران تقريباً، وإنها تلت التمرد الذي قام به الموقوفون الإسلاميون في المبنى "ب"، وقرار وزير الداخلية اللبناني بقمع التمرد. وتُصدر لجنةُ أهالي معتقلي سجن رومية يومها بياناً تتحدث فيه عن تعرية السجناء أياماً، ضربهم ضرباً مؤذياً، كسر عظام بعضهم وعمي عيون آخرين، بالإضافة لخلع أكتاف بعض آخر، في حين يعد وزير الداخلية بإجراء تحقيق شفاف في القضية، مؤكداً أنه لم يتم إيذاء أحد من السجناء في رومية.

ويكفي النظر إلى ما تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي من أخبار، وما ضجت به من تعليقاتٍ هي أقرب إلى حرب كلامية مستعرة، لإدراك فداحة الحالة التي وصلت إليها البلاد، لا على مستوى انتهاك كل المعايير الأخلاقية والإنسانية في التعامل مع السجناء، بل ولجهة تسييس الحدث والحكم عليه، سلباً أو إيجاباً، تبعاً لما يمليه علينا "ضمير" انتمائنا الطائفي، أو ميلنا السياسي.

هكذا انشغل المعلّقون اللبنانيون، مثلاً، بتحليل لكنة عنصريْ الأمن اللذين مارسا التعذيب، وبتوصيف دقيق لمظهريهما، مؤكدين أنهما من الشيعة المرتهنين لحزب الله وإيران، ومهددين كل من يدافع عنهما، ويلف لفيفهما، بعقاب قريب، سيسحقهم فيه السّنة كالحشرات.

في حين اعتبر آخرون أن ما يظهره الشريط رد فعل طبيعي على تمرّدٍ قام به السجناء الإسلاميون، وعلى ما سببوه من تدمير في السجن الذي أحرقوه، قبل أن يحتجزوا 15 عنصراً من قوى الأمن، ويرسلوهم إلى المستشفيات مكسّري العظام، بسبب الضرب الوحشي بالعصي وقساطل الحديد. وقد أشير إلى وجود "إمارة رومية"، كان يحكمها سجناء المبنى "ب" الذين سبق أن ارتكبوا جرائم بحق سجناء آخرين، كانت تتمتع بكل مقومات الرفاهية التي قد لا يجدونها خارجاً، وتتوفر فيها وسائل الاتصال الحديثة التي مكّنتهم من استمرار التواصل مع الخارج، وإدارة عمليات إرهاب حتى. ولم ينسَ بعضهم ذكر المماطلة في محاكمتهم، معتبراً أن ذلك أصل البلاء وسبب تفاقم الأزمة، خصوصاً وأن هناك من بينهم أبرياء، قد تكون عقوبات تهمهم أقصر لكثير من مدة توقيفهم... 

وخلاصة القول إن أحداً لم يذكر أن عنصري الأمن ممثلان لدولةٍ، لا ينبغي، ولا يحق لها، أن تمارس التعذيب على سجنائها وموقوفيها، أيا كانت تهمتهم، حتى ولو كانوا جلادين، حتى مع اليقين المبرم بأنهم مجرمون، لأن الدول المتحضرة لا تمارس على السجين وحشية. ولم ينشغل أحد بتلك الأجساد الجاثية على ركبها، تستجدي الرحمة والشفقة، أو بمشهد العري مقترناً بالتعذيب، وبالقسوة مقترنة بلاأخلاقيةٍ تريد الإذلال والتحقير.

عارياً يبدو الرجل، ضعيفاً، ضحية، وقد نزع عنه، منه، كل ما يخفي هشاشته. هي جلود عارية، وعظام وأطراف موثقة في الظهر. بهذه البساطة، بهذا الفقر. فيما يسخر عنصر الأمن في أحد الشريطين من جسدٍ بدين، يلتقط ثديه المترهل كثدي امرأة، ويسأله ما هذا، ثم يضربه بهراوته عليه.

لم يفكّر أحدٌ أنه ليس الألم الجسدي، ليس الضرب بالعصا، أو الرفس بالقدم، ليس الكلام البذيء والشتائم. إنه الإذلال والتحقير، وهما لا يكتملان، ما لم يكن الرجل عارياً. كسر الإرادة والمقاومة، اغتصاب الروح، في سجنٍ لا تتوفر فيه أدنى الشروط من أي نوع كانت. اكتظاظ وتحقير، وعائلات برمتها تُذل وتهان، كلما صعدت إليه لتزور أبناءها، وشعب بأكمله يعيش في سجن كبير، أضاع، منذ دهر، بوصلته، ولا يني يدور على نفسه في عين الإعصار.

 

العربي الجديد

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع