..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

عجز الثقة وجَلَد الفاجر

حسن الأشرف

29 ديسمبر 2013 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 8242

عجز الثقة وجَلَد الفاجر
القوي.jpg

شـــــارك المادة

"اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة"، هكذا أعلنها عمر بن الخطاب _رضي الله عنه_ مدوية صريحة بليغة. ويحق التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء تعوذ الخليفة الثاني لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ من الصنفين من الرجال: الفاجر المثابر والجريء القوي، ومن الثقة الصالح السلبي المستكين، (الذي لا يهش ولا ينش).

 

 

ويكفيه أنه في حاله، لا يسكن أبعد من ثيابه، ولا يرى أكثر من أنفه. فلماذا تعوذ منهما عمر؟

ألهذا الحد هذان النوعان من الناس لا خير فيهما؟.

مظاهر عجز الثقة:
الرجل الثقة العاجز لن يفيد الأمة بشيء يُذكَر، مادام تردده وضعفه نواقص قد حث الإسلام المسلم على عدم الاتصاف بها، فقد قال رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: ''المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف''، ويضيف الرسول _صلى الله عليه وسلم_ في السياق ذاته:'' احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان"''، فالدعوة هنا صريحة غاية الصراحة، موجهة إلى كل مسلم بأن يحرص على ما ينفعه في الدنيا والآخرة، مستعينا بالله وحده، ولا يجعله فشل ما عرض في حياته أو عمله عاجزا عن الاستمرار في مساره، كما يرتضيه الله تعالى ورسوله الكريم، في شتى مناحي الحياتين: الأولى والأخرى.
والرجل الصالح إذا كان عاجزا لا ينفع المجتمع رغم شهادة الأرض له بالاستقامة والثقة، فهو بالكاد ينفع نفسه، بل قد يفضي عجزه وتردده في اتخاذ القرارات الحاسمة إلى تهيئ تربة خصبة لكثير من الآفات والأباطيل في المجتمع، فالمرء الطيب العاجز يستطيع إصلاح نفسه فقط، غير أنه لا يساهم بشكل فعال في إصلاح الجماعة، التي تحتاج أساسا إلى الإنسان الصالح المصلح أيضا، الذي تتجاوز رسالته ذاتَه إلى محاولة إصلاح المجتمع بالوسائل المتاحة له ولو كانت يسيرة قليلة.
فهناك فئام من الناس يظنون أنهم بصلاتهم وزكاتهم وصومهم وحجهم قد أدوا ما عليهم تجاه مجتمعهم وبلدهم.
غير أن الحقيقة ليست كذلك، وما هم في ميزان الجماعة إلا كنقط مضيئة يعلوها غبار يحول بينها وبين التوهج والإشعاع.
إن المجتمع المسلم ليس بحاجة إلى عابد غافل، ولا إلى ساجد عاكف، ولا إلى زاهد جامد لا يراوح مكانه، بل هو في أمس الحاجة إلى عابد متنبه ومتيقظ، وإلى ساجد مرتفع الهامة ومنتصب القامة، وإلى زاهد يمسك بتلابيب الحياة لبلوغ مرمى الآخرة.
وقد يتساءل البعض ما فائدة عبادة هؤلاء إن لم تكن تنفع المجتمع وتفيد الأمة كلها؟، وما جدوى علم لا يبدد دياجير الظلام السائد في كثير من الأمكنة في مجتمعاتنا المسلمة؟.
فعجز الصالح الثقة على التفاعل مع محيطه القريب قبل البعيد، والمساهمة في إصلاح عيوب المجتمع أفرادا وجماعات ومؤسسات، يجعله يستقر في المؤخرة، ويرضى بالسلبية منهجا، فارا من مواجهة المشاكل وتحدي العراقيل، مفضلا السلامة والدعة والعيش في هناء، قد يلهيه كسب قوت يومه، وقد يغرق في التفاصيل المملة لواقعه، أو خائفا على منصبه، يتبع سير السفهاء ويرنو إلى عيش الغوغاء.. وإن سألتَه عن حاجة المجتمع لصلاحه وإصلاحه، بسط أمامك ألف عذر وعذر ليقنعك. أنه مفيد في حالة سكونه وتقوقعه أكثر من انطلاقه وحركيته في ظل واقع موبوء لا يشي بالخير ..

والصواب أن الفرد الثقة الصالح ينبغي أن يكون صالحا لنفسه ومُصلِحا لمن حوله، وثقته تقاس أساسا بمدى عطائه الفردي والجماعي، وحجم تأثيره الإيجابي في محيطه.

مثال عجز الثقة:
ولعل من أبرز الأمثلة التي تبرز عجز كثير من أهل الصلاح والثقة أنهم إذا تولوا مناصب أو مراكز وأنيطت بهم المسؤوليات، وكان المرجو منهم خدمة مجتمعاتهم وعقيدتهم، كانوا أقرب إلى التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة منهم إلى القيادة القوية، ربما حتى لا يقال عنهم أنهم انحازوا لمبادئهم وعقيدتهم، أو اتهِموا بتهم تشكك في سلامة نواياهم، كما حدث ويحدث لكثير من أبناء الصحوة الإسلامية اليوم، حيث تُكال التهم لهم بدون وازع تحت دواعي ومزاعم واهية محبوكة بكثير من الخبث واللؤم العالميين.
وفي المقابل، يجتهد أهل الباطل والفجور في استغلال مناصبهم ومسؤولياتهم ومنابرهم لبث أفكارهم والدفع بمشاريعهم الهدامة إلى الأمام، غير آبهين بالأصوات المنتقدة أو الأيادي النظيفة التي تدعوهم إلى التعقل وتحاول محاربتهم بالتي هي أحسن.

المطلوب من الثقة:
و المطلوب من الثقة أن يكون نافعا لنفسه، نافعا لغيره أيضا. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الشريف:"أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظاً ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام. وإن سوء الخلق ليفسد العمل، كما يفسد الخل العسل". والحديث رواه الطبراني، وحسنه الألباني.
ففي هذا الحديث الجامع، يبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس. والنفع لا يكون فقط ماديا، بل يشمل النفع بالنصيحة والنفع بالمشورة والتوجيه إلى الخير، فالدال على الخير كفاعله، وغير هذه الأبواب كثير.. فكل من ينفع الآخر فهو داخل ـ إن شاء الله تعالى ـ في الذين يحبهم الله تعالى: ''أحب الناس إلى الله أنفعهم''.
ولعل المثال الساطع الذي يوضح بجلاء المهام التي ينبغي أن يضطلع بها الثقة الصادق والصالح هو ما حواه جواب الرسول الكريم حين أتاه صحابي يسأله: "يا رسول الله علمني شيئا ينفعني الله به".
فكان رد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بليغا يختزل المضمون العميق لما يجب أن يكون عليه المسلم الثقة الصالح من قوة ونفع للناس عوض التقوقع والتشكي من سوء أحوال البلاد والعباد.. أجابه الرسول الكريم بالقول: "يا أبا برزة.. انظر ما يؤذي الناس فاعزله عن طريقهم".
ولعل الأذى الذي يقصده المصطفى يعم أذى الطريق من أزبال وحجارة وشوك، ويتعداه إلى إماطة الأذى الأكبر من طريق المسلمين، والمتمثل في التحديات الخطيرة التي تقف أمام نمو المجتمع المسلم، من مشاكل اقتصادية وتنموية وتواصلية وسياسية أيضا، مثل معضلة البطالة والفقر والأمية..الخ.
و أحب الأعمال إلى الله كثيرة، تبتدئ بإدخال السرور على قلب المسلم بأن تزوره في مرضه وعافيته، وشدته ورخائه، وبالسؤال عنه ومعرفة ما يفرحه وما يترحه، كيف يعيش، وهل يحتاج إلى مساعدة أو عليه دين حتى تبادر إلى مد يد العون له، أو على الأقل تذليل العقبات أمامه، وبِكشف الكرب عنه، أو بطرد الجوع عنه، وهو عمل من أعمال البر الجليلة، ويجزي عنها الخالق سبحانه بجنة عالية، قطوفها دانية، فيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
إن من ينفع الناس ويشارك في بناء المجتمع بناء قائما على الخير والفضيلة هو من الأخيار ولا شك، أما الذي يدوس على مشاعر الناس غير آبه بما يحتاجونه ولا بما يهمهم، فهو من الأشرار ولا قيمة له تذكر في المجتمع.
قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: ''ألا أخبركم بخيركم من شركم؟ خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره، وشركم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره''.

جرأة الفاجر:
والثقات العاجزون يمنحون ـ بسبب عجزهم وسلبيتهم ـ فرصا تلو أخرى للسفهاء الذين يستطيعون ـ بفضل دهائهم وذكائهم ـ أن يسيروا دواليب حياة الناس ويدبروا شؤونهم.
وهؤلاء أيضا رغم جَلدهم وعناصر التفوق في شخصياتهم لا يفيدون المجتمع بقدر ما يسيئون إليه. وهو الصنف الثاني الذي تعوذ منه الفاروق عمر رضي الله عنه فهو الفاجر الذي يمتاز بالجَلَد والصبر وقوة الشكيمة ونبوغ الفكرة.
ويبرز مثال جلد الفاجر وجرأته على نشر الباطل والفساد في كثير من القائمين على وسائل الإعلام والصحافة في بلادنا الإسلامية، حيث ينبرون للدفاع عن أفعالهم رغم قبحها، وعن توجهاتهم رغم دناءتها، يدافعون عنها دفاعا شرسا، حتى أنه قد تنطلي الحيلة على البعض من شدة حرصهم على الذود عن حياض قيمهم الموغلة في الفساد، وهو فساد قديم قدم البشرية نفسها، إنما تتجدد الوجوه والأماكن والأزمنة، ويظل الصراع بين الحق والباطل هو جوهر شتى مناحي حياة الإنسان.
وفي بعض البلاد الإسلامية ـ المغرب مثلا ـ تندفع صحف وجرائد لتسيء لشخص الرسول الكريم أو تستهزئ بالذات الإلهية العظيمة، كما حدث منذ بضعة أسابيع حين نشرت مجلة مغربية فاق خبثها خبث الصحف الدانماركية التي أساءت لمقام المصطفى عليه الصلاة والسلام بنشرها رسوما كاريكاتورية مقيتة، فقد أفردت في ملف صحفي كامل أنواعا من نكت سخيفة لا تضحك أحدا، ومنها نكتة تصور الله عز وجل يخاطب الصحابي الجليل أبو هريرة ويخوفه بالنار، ثم يقول له إنها "كاميرا خفية" فقط..
وجرأة الفاجر في هذا المثال تكمن أساسا في دفاع المجلة عن خطها التحريري الذي تفوح منه العداء لكل ما هو دين، ولها سوابق عديدة في هذا المجال، واعتبر أصحابها أنهم لم يقصدوا الإساءة لأحد، وانبرت وسائل إعلام أخرى تدافع عن ما أسموه بحرية التعبير والحق في الاختلاف، وغيرها من المفاهيم الكبيرة التي تستدعي جعجعة ولا طحين.
وهذا هو دأب الفاجر حين يكون ذا جلد وجرأة وقوة، تجده يدافع عن باطله كأنه الحق الذي لا مراء فيه، ويستعمل جميع إمكانياته الذاتية والموضوعية ليقوي من مركزه ويساعد أعوانه في الشر والزيغ والفساد والإفساد..
وهكذا إن كان الثقة الصالح عاجزا لا يصلح ما حوله، فإن الفاجر يكون صابرا مقداما، فاسدا في ذاته ويتفنن في إفساد محيطه.

الميزان:
والمطلوب الذي يحتاجه المجتمع المسلم في واقعنا الحالي هو الجمع بين الصفتين الحميدتين في الفئتين معا: الجلد والقوة عند الفاجر، والثقة والصلاح عند العاجز.
وهذان عنصران أساسيان في بناء كل فرد وكل جماعة. وما أحوج المجتمع الإسلامي اليوم قبل أي وقت مضى لأناس يمتلكون الشخصية القوية الجذابة، ومعهم ما يكفي من الصلاح والتقوى والورع لبناء أسس الأمة لبنة لبنة.
فدعاء عمر رضي الله عنه: ''اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر ومن عجز الثقة''، مَثلَ الخصال الطيبة في هذين النوعين من الناس وجسدها في أدق عبارة وأجملها.
وهو نفسه -رضي الله عنه- كان مثالا نادرًا للصلاح والثقة، وللزهد والورع والتواضع والإحساس بثقل مسؤولية الحكم حينما تولى خلافة المسلمين بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، حتى إنه كان يخرج ليلا يتفقد أحوال المسلمين، ويلتمس حاجات رعيته التي استودعه الله أمانتها، وله في ذلك قصص عجيبة تُجسد الجلد وقوة الحق المطلوب أن يتصف بها كل مسلم، حتى تحفظ الأمة من جلد الفاجر وعجز الثقة.


المسلم

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع