..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

بعد عام من الإخفاقات: المجلس الوطني السوري إلى أين؟

الطاهر إبراهيم

10 نوفمبر 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 4906

بعد عام من الإخفاقات: المجلس الوطني السوري إلى أين؟
1.jpg

شـــــارك المادة

يقول البعض: قل لي كيف بدأت أقل لك كيف وأين ستنتهي!. ما أعرفه ولا ألزم غيري به، أن المجلس الوطني السوري بدأ مع تطلع بعض المعارضين السوريين المنفيين الطامحين كي يكون لهم دور في سورية المستقبل، بعد أن شبت ثورة 15 آذار عن الطوق، ورأينا كل يوم جمعة أن المظاهرات تنطلق عارمة في أكثر من 300 مدينة وقرية سورية، بلغت  ذروتها يوم 9 تموز (يوليو) 2011 في حماة في مظاهرة نصف مليونية، حضرها سفيرا واشنطن وباريس.

 

 

وسمعنا مذيع قناة الجزيرة "جمال ريان" يخاطب زميلته في تقديم أخبار منتصف اليوم: "هذه ليست حماة إنها ميدان التحرير في القاهرة". يومها أنشد منشد الثورة "إبراهيم قاشوش" أنشودته الشهيرة وقد صارت على كل شفة ولسان: "يا لله ارحل يا بشار"، قام بعدها الشبيحة باعتقاله وقطع حنجرته وإلقاء جثته في نهر العاصي، يرحمه الله تعالى.

يومها أدرك السوريون أن رحيل النظام السوري أصبح قاب قوسين أو أدنى. فتداعى طامحون ومعارضون آخرون إلى لقاءات في اسطنبول وفي الدوحة، وتم الاتفاق على لقاء في اسطنبول لوضع النقط على الحروف، ليفاجأ هؤلاء بقيام مجموعة العمل الوطني، وهو حزب صغير لا يتجاوز عدد أعضائه ثلاثين سوريا، مع أفراد آخرين، بإعلان قيام "المجلس الوطني" في أيلول ضم 71 عضوا. أحس المعارضون الآخرون أنهم وضعوا أمام الأمر الواقع.

تتمة القصة معروفة، حيث دخلت مجموعة العمل الوطني في بازار مع شركائها في مباحثات اسطنبول والدوحة، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين أكبر فصيل معارض في سورية، التي رضيت بحصة أقل مما تستحق.

وبعد مخاض عسير أعلن عن قيام المجلس الوطني في شكله السابق، قبل مؤتمر الدوحة، ولم يكن فيه أي ممثل للثوار في الداخل وإن زعم خلاف ذلك.

قدمت بهذه المقدمة، لأن ما واجه المجلس الوطني من عثرات منذ قيامه في تشرين أول 2011  ، يعود في معظمه إلى ما جرى في كواليس تلك الفترة. ومع أن المتظاهرين رفعوا لافتة تقول: "المجلس الوطني يمثلني"، فلم يستطع المجلس أن ينفذ إلا القليل مما وعد به عند تشكيله، بسبب خلاف أعضاء المكتب التنفيذي على الصلاحيات ومن يكون الرئيس؟ ما أدى إلى أن يخسر من رصيده باستمرار، خصوصا عند المتظاهرين والجيش الحر.

نزعم أن المجلس الوطني لم يتبق من رصيده الكثير. وإلا لكان رفع المتظاهرون في الجمعة غداة مؤتمره في الدوحة، لافتة تشي بأن هؤلاء المتظاهرون لا يزالون يحملون بعض الرضى عن أدائه. لكن المجلس ابتعد في أدائه عن الداخل السوري، ما جعل المتظاهرين "يطنشونه" ويرفعون راية: "الزحف إلى دمشق".

بينّا فيما سبق أن ولادة المجلس الوطني لم يكن فيها ما يوحي باليسر والسهولة. لننظر الآن هل تمتع المجلس بشرعية شعبية وشرعية ثورية تسمح له أن يستند عليهما في قيادة المعارضة ضد نظام الحكم في دمشق.

عشية المؤتمر الحالي الذي انعقد في الدوحة كان أعضاء في المكتب التنفيذي أكدوا، كما رئيسه "عبد الباسط سيدا"، أن أسباب فشل المجلس في مسيرته اعتماده التوافق والتعيين بدلا من اعتماده الانتخاب في تشكيل مؤسساته، وأنهم سيعتمدون الانتخاب لاختيار مؤسسات المجلس.

لكن أيا من هؤلاء القياديين في المجلس الوطني لم يقل لنا كيف تم اختيار الهيئة العامة عندما تم تشكيل المجلس؟ أجاءت بالانتخاب أم بالتوافق أم بالتعيين؟ أم قفز أعضاؤها إلى مركب المجلس على سلم نصبه لهم من وصل قبلهم إلى المجلس؟ لن نحرج هؤلاء الأخوة بالجواب، وأكثرهم معارضون حقيقيون للنظام، بل نبادر إلى الجواب، فنقول: إن مجموعة من الأفراد عينوا أنفسهم بالمجلس من دون انتخاب، ومن ثم التقوا بآخرين ائتلفوا معهم على حصة لكل مجموعة. بعضهم رضي بحصته وبعضهم قبل على مضض. بعد ذلك تم توسعة المجلس بآخرين كجوائز ترضية لإرضاء هذا الفصيل أو ذاك حتى بلغ أعضاء المجلس 270 عضوا. وكان عندما أعلن عنه في تشرين أول 170 عضوا. نؤكد هنا جازمين أن جميع أعضاء المجلس جاؤوا بالتعيين والتوافق، إلا ما كان من جماعة الإخوان المسلمين، حيث أَفرز مندوبيها جناحٌ متنفذ فيها.

عند تشكيل المجلس الوطني ابتداء وتعيين أسماء أعضائه، لم يؤخذ رأي الشعب السوري. كما لم يستشر الثوار ولا الجيش الحر وهما مصدر الشرعية الثورية التي يقاتلان بها جيش النظام. هذا يعني أن الهيئة العامة فاقدة للشرعية الثورية والشرعية الشعبية على حد سواء.

وبالتالي فإن الأمانة العامة للمجلس الوطني والمكتب التنفيذي ورئيس المجلس وقع انتخابهم لاغيا، لا شرعية له، لأن ما أسس على فاسد فهو فاسد. هذا يجعل المجلس مجرد حزب أو فصيل كباقي فصائل المعارضة، ليس له ثم ما يميزه عن فصائل المعارضة الأخرى. وليس من حق المجلس الوطني أن يطالب بأن يكون ممثلا شرعيا للشعب السوري لأنه لم ينتخبه، ولا حتى للمعارضة.

للأسف تبين للجميع أن المجلس الوطني رغم أنه لم يتشكل بشكل ديمقراطي، سعى إلى شرعية يفرض من خلالها شروطه على فصائل المعارضة. كما حصل عندما اجتمع في اسطنبول، في 31 آذار 2012 مائتا شخصية معارضة من المجلس الوطني ومن معارضين آخرين.

فقد تم الاتفاق على تشكيل لجنة من عشرة أعضاء، خمسة من المجلس الوطني وخمسة معارضين من خارجه، يعملون على توسعة المجلس وإعادة هيكلته.

التقت اللجنة مرتين في جنيف ومرتين في اسطنبول. لكن اللجنة وصلت إلى طريق مسدود، لأن مندوبي المجلس أرادوا فرض رأيهم على الأعضاء من خارج المجلس، فتم إغلاق هذا الملف، ليعاد فتحه في مؤتمر الدوحة الحالي.

استطرادا: فشل المجلس الوطني في توسعة نفسه شكلا وموضوعا، كما أعلن منذ تأسيسه في 2 أكتوبر 2011. فلم يكن المجلس جادا في ذلك، لأن أعضاء المكتب التنفيذي لم يكونوا راغبين في التوسعة للحفاظ على نفوذهم.

نستطيع أن نسمي مئات المعارضين السوريين خارج سورية ومثلهم داخلها، أمضوا حياتهم في معارضة النظام. بعضهم ليس في المجلس من هو مثله في مناوأته للنظام، رفض إدراجهم في عضوية المجلس. كما إن هناك كتابا معارضين تم استبعادهم وليس هناك ما يبرر هذا الاستبعاد أو عدم إضافتهم إلى المجلس، مع أن بعضهم كتب ما يزيد عن 600 مقال في فضح طغيان النظام السوري واستبداده وفساده.

وفشل المجلس ثانيا في اعتماد الشفافية منهجا له: فقد ذكر عند قيام المجلس الأول في سبتمبر، الذي تمت توسعته في 2 أكتوبر 2011: أن المجلس يتكون من 60% من الناشطين في الداخل و40% من الخارج، ليتبين بعد ذلك أن هذا لكلام ليس صحيحا فلم يكن فيه أحد من الداخل.

وفشل ثالثا في أهم ما أعلنوه وهو دعم الجيش الحر والمتظاهرين الذين رفعوا لافتة: "المجلس الوطني يمثلني". فلم يستطع المجلس أن يرد لهم الجميل ولم يقدم للجيش الحر إلا النذر اليسير.

وفشل رابعا في أن يضيف بمؤتمر الدوحة معارضين من خارج طيف المجلس. فقد تم توسعة المجلس أفقيا، أي أن كل مكون في المجلس أضاف أفرادا محسوبين عليه، واستثنوا معارضين لا يوافقونهم في طروحاتهم.

وفشل المجلس خامسا: في مؤتمره في الدوحة بأن يكون ديمقراطيا، ولو لمرة واحدة. فقد أعلن قبل المؤتمر أن المجلس سيلجأ للانتخاب لتشكيل مؤسساته. وعند انتخاب الأمانة العامة تم ذلك بديمقراطية ملتوية. إذ وضعت آلية للانتخاب أدت إلى تكدس الناجحين في الكتل النافذة وإلى عدم تمثيل المرأة في الأمانة العامة، وإلى فشل أسماء لامعة في الوصول إلى عضوية الأمانة العامة مثل الأستاذ "جورج صبرة".

وكانت المفاجأة أن الأستاذ "صبرة" الذي فشل في وصوله للأمانة العامة انتخبته الأمانة رئيسا للمجلس. فهل هي جائزة ترضية؟ لكنها من العيار الثقيل.

على أن مؤتمر المجلس الوطني في الدوحة قبل أن يغلق أبوابه جرت مفاجأة أخرى من العيار الثقيل، إذ أعلنت السيدة "سهير الأتاسي" انسحاب لجان التنسيق المحلية من المجلس الوطني، احتجاجا على عدم اعتماد خطة للإصلاح، وعلى كل حال هذه ليست أول مرة تنسحب فيها. فقد انسحبت في مؤتمر القاهرة كما انسحبت قبل ذلك من مؤتمر اسطنبول في آذار الماضي.

فهل ننتظر مفاجآت أخرى قبل انفضاض المؤتمر؟ ولعلها هذه المرة ستكون بانسحاب أعضاء من المجلس والتحاقهم في هيئة المبادرة التي رفضوها عندما أعلن عنها، خصوصا وأن أسماء لامعة في المجلس عزفت عن الدخول في انتخابات الأمانة العامة للمجلس الوطني مثل الدكتور برهان غليون!

 

المصدر : مجلة العصر

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع