..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الولايات المتحدة والقراءة الخاطئة في سوريا

منذر الزملكاني

١٢ ٢٠١٢ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 3148

الولايات المتحدة والقراءة الخاطئة في سوريا
usa.jpg

شـــــارك المادة

فوجئت الولايات المتحدة، مثلما فوجئت أي دولة أخرى في العالم، بالثورات العربية وظروف اشتعالها وسرعة امتدادها وقوة تأثيرها. وانعكس ذلك على سرعة رد الفعل الأميركي، وقدرتها على الحزم مع هذه الأحداث الخطيرة وغير المسبوقة في تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ حيث كانت الولايات المتحدة، ولأول مرة منذ زمن طويل، في موقع رد الفعل وليس الفعل نفسه.

 


لقد كان الارتباك في الإدارة الأميركية واضحاً تجاه هذه الأحداث، وهذا لم يكن فقط ناجماً عن إخفاق استخباراتي ذريع وإنما أيضاً عن غياب خطة «ب» بديلة للشرق الأوسط، خصوصاً في ما يتعلق بسوريا. وكأن شعار «إلى الأبد»، المقصود به طبعاً حكم العائلة والطائفة، الذي رفعه حافظ الأسد، كان معتمداً لدى السياسيين الأميركيين (جمهوريين وديمقراطيين) أكثر مما كان مفروضاً على السوريين أنفسهم.
لقد غطى هروب زين العابدين بن علي من تونس الارتباك الأميركي تجاه الثورة التونسية؛ حيث لم تتحمل الولايات المتحدة عناء سياسياً ودبلوماسياً كبيرين لحل الأزمة، كما أنقذت العلاقات القوية جداً للمجلس العسكري في مصر بالإدارة الأميركية ارتباك الموقف الأميركي تجاه الثورة المصرية؛ فالعلاقة المزدوجة التي كانت تربط الولايات المتحدة مع مصر من خلال مبارك ومن خلال المجلس العسكري أيضاً أعطت الإدارة الأميركية نوعاً من الحزم مع مبارك وإن كان متأخراً. لكن الطمأنينة كانت موجودة عند الأميركيين طالما استقرت الأمور بيد المجلس العسكري. وكان الخوف الحقيقي هو فقدان المجلس العسكري، وليس مبارك، السيطرة على البلاد. أما في ليبيا فقد استخفى الارتباك الأميركي وراء دور أوروبي متقدم يفضل أن يرى العالم من دون معمر القذافي. وفي اليمن كان التخفي وراء الدور الخليجي المؤثر فعلاً والذي قاد إلى المبادرة الخليجية ومن ثم تنحي علي عبد الله صالح.
لكن في سوريا، الارتباك الأميركي لم يجد ما يستره أو يخفيه ولا حتى مع «الفيتو» الروسي والصيني الذي لم يكن أكثر من فزاعة، كما وصفه الدكتور بشير زين العابدين. وهذا كان نتيجة لسياسات أميركية جديدة قديمة تجاه سوريا؛ حيث يتم التواصل معها من خلال قناة واحدة فقط وضيقة جداً تتمثل بالرئيس وكبار المحيطين به والموالين له. ومن جهة أخرى لم تترك الولايات المتحدة الساحة السورية ملعباً لأي قوة دولية أخرى منذ عقود؛ فقد تم استئصال الحلفاء قبل الخصوم. والدليل على ذلك هو أنه لا تستطيع أي قوة ولا حتى مجموعة قوى إقليمية أو دولية فرض تسوية أو حل ما في سوريا، ولا حتى مجرد التوسط بنزاهة من أجل ذلك.
ليس من كبير العناء أن يعلن الرئيس الأميركي سقوط شرعية بشار الأسد بعدما سقط القناع عن وجه النظام، واستهدف السوريين بمدافعه ودباباته وليس المحتلين. فالشرعية سقطت لأن الثورة أوقعت النظام في تناقض كبير مع الأيديولوجية التي عمل على زرعها لعقود في عقول السوريين وغيرهم. وهي أيديولوجية المقاومة والصمود والصراع المزعوم مع إسرائيل التي كانت مصدر شرعيته منذ يومه الأول. والأحداث الأخيرة في سوريا فضحت هذا الزعم وبينت زيفه، خصوصاً بعد تناثر الجيش السوري في المناطق السورية كلها، وتركه الجبهة الأمامية خالية ومفتوحة أمام أي هجوم إسرائيلي محتمل. ولذلك يجاهد النظام في تسويق رواية العصابات المسلحة؛ فهو يريد الحفاظ على تلك الأيديولوجية المزعومة والصورة المزيفة والسائدة محلياً وعربياً ودولياً، وأنه يقاتل عصابات متآمرة مع الخارج تستهدفه بسبب مواقفه الوطنية؛ فالشرعية لم تسقط عن بشار الأسد ونظامه؛ لأنه فقط قتل من السوريين ما قتل، فهذا الجانب الأخلاقي لا يهم الأميركيين كثيراً ولا غيرهم. لقد قتل حافظ الأسد مئات الآلاف من السوريين واللبنانيين والفلسطينيين ولم تسقط شرعيته لا دولياً ولا عربياً إلا بموته.
وبمراجعة الموقف الأميركي نجد أننا أمام معادلة غير متوازنة أبداً؛ فجميع المسؤولين الأميركيين، وعلى رأسهم الرئيس أوباما، يصرحون بأن بشار الأسد زائل لا محالة، لكن الأمر هو التوقيت. وبمعنى آخر: إن الأمر هو ليس هل سيزول بشار الأسد، بل متى سيزول.. لكن ما الذي يجعل الولايات المتحدة حازمة في مصير بشار الأسد وغير قادرة على الحزم في توقيت وقوع هذا المصير؟ مع أن الحزم بمصير بشار الأسد أعقد بكثير من الحزم بتوقيت مصيره، وأيضاً على الرغم من وجود «فيتو» روسي وصيني يصفونه هم بأنه عائق كبير!
ويبقى السؤال الأكبر: إذن متى يسقط بشار الأسد ونظامه؟ أو بالأحرى متى تريد الولايات المتحدة إسقاط بشار الأسد ونظامه؟ وهنا تكمن القراءة الخاطئة للأميركيين.
الأميركيون يعتقدون أنه لا ضمان للمصالح الأميركية والإسرائيلية إلا باستمرار الحكم العلوي المطلق في سوريا، وهذا ما يفسر دعم الولايات المتحدة في عام 2000 ميلادية وراثة بشار لأبيه حافظ الأسد، على الرغم من فقدانه مقومات القيادة وعلى الرغم من المعوقات الدستورية التي تم التحايل عليها بطرق غير لائقة جعلت الدستور السوري أضحوكة زمانه.
لكن هذا لم يعد ممكناً في ظل الأحداث الأخيرة، خصوصاً مع موالاة جل الطائفة العلوية للنظام، مما وضع الولايات المتحدة في مأزق إيجاد البديل الذي يمكن له أن يرضي السوريين ويعيد الاستقرار لسوريا. والحقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية تتحمل مسؤولية تطور الأزمة في سوريا لأنها استقرأت سير الأحداث فيها بشكل خاطئ وسيكون مدمراً بلا شك إذا استمرت الإدارة الأميركية في سياسة التمهل أو الإهمال. لقد راهنت على قدرة بشار الأسد في قمع الشعب السوري وتأديبه كما فعل أبوه من قبل وكأنها نسيت أو تناست أن القوة لا تورث وإنما تكتسب. ولو أنها تدخلت منذ البداية بقوة وحكمة مع حلفائها في الغرب والشرق واستجابت للمطالب الشعبية وفهمت متغيرات المرحلة الراهنة لكان الوضع أفضل بكثير..
لم تنفع كل المهل التي أعطيت لبشار الأسد ولن تنفع أي مهل ممكن أن تعطى له في المستقبل تحت أي صيغة كانت، لا لشيء وإنما لأن الشعب السوري هو الذي تغير وأن الموت لم يعد يخيفه، بل أصبح يطلبه. فلم يكن فقط الاستقراء السياسي والاستراتيجي للأميركيين خاطئاً، وإنما الاستقراء السيكولوجي للشعب السوري أيضاً.
إن الوضع الراهن للمعارضة السورية لا يوحي أبداً باقتراب حل الأزمة في سوريا؛ فالحل، سواء أكان سياسياً أم عسكرياً، يقتضي تنظيم المعارضة وتدريبها وإصلاح ذات بينها ولو مرحلياً، وذلك ما فعله الأميركيون مع المعارضة العراقية قبل احتلال العراق.
وهذا ما يرجح أن الولايات المتحدة تتبنى تحويل سوريا إلى دولة فاشلة مدمرة البنية التحتية تسودها النزاعات والصراعات، إما بشكل مقصود ونية مبيتة، وإما من خلال سياسة التمهل أو الإهمال في حل الأزمة السورية. ولا أجد ما يدعم ذلك الترجيح سوى تصريح جيفري فيلتمان عندما قال إن بشار الأسد يدمر بلده، وأيضاً حجم الجرائم الوحشية التي يرتكبها النظام والتي سوف تؤثر بشكل كبير على النسيج الاجتماعي لسوريا مستقبلاً وعلى العيش المشترك. لكن تحويل سوريا إلى هذه الحالة سيكون كارثياً على المنطقة برمتها وستنهار الحدود وتعم الفوضى وستتهدد المصالح العالمية ولن تشعر إسرائيل بأمان قط بعدها، حتى لو امتلك كل فرد في إسرائيل سلاحاً نووياً، خصوصاً عندما نعرف جيداً أهمية بلاد الشام في الدين الإسلامي وفضل الهجرة إليها والجهاد على أرضها في زمن الفتن. يبقى الخطأ الأكبر للولايات المتحدة هو عدم الإدراك أن القائد، وحاشيته، عميلاً كان أم بطلاً، ومهما بلغت أهميته، لا قيمة له عندما يكون عبئاً على القضية.

المصدر: سوريون نت

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع