..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


سوريا المعاصرة

شيء من تاريخ التسامح والعنف السياسي السوري جلسة إعلان دستور 1950 في البرلمان السوري

متابعات عقبة

12 فبراير 2013 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 8826

شيء من تاريخ التسامح والعنف السياسي السوري  جلسة إعلان دستور 1950 في البرلمان السوري
النهائي للدستور 1.jpg

شـــــارك المادة

                                                      (1)
يُذكر عن الشيخ علي الطنطاوي (وهو أحد أعلام الحراك السياسي والثوري والثقافي في النصف الأول من القرن العشرين في سورية) أنه قام خلال احتفال المولد النبوي عام 1940م في دمشق برمي أحد زملاء ميشيل عفلق من على المسرح عندما كان يلقي كلمة نيابة عن عفلق وأخذ الميكروفون منه بالقوة بعد أن لاحظ أن الكلمة لا تمجد مقام النبوة الكريم..

 


وأعقب الأمر هياج بين الحضور نتج عنه عقاب علي الطنطاوي بنقله إلى دير الزور.
تبدو تلك القصة كمدخل تجذيري لما حدث مؤخرا في سراقب من حادثتين متعاقبتين (وحوادث أخرى كاعتقالات بعض النشطاء) تؤشر فيما يبدو لنزاع بين مكونات الثورة وشرائحها الفكرية المتنوعة..
وبغض النظر عن التناول الإعلامي للحادثتين الذي شُوّه بقوة واستغل وجُيّر سياسيا من قبل بعض التكتلات الإعلامية المعروفة جيدا، إلا أن التباين والتطرف الفكري لا يمكن إنكار وجوده لدى أطراف في هذه الثورة، وقد يُقلق هذا من النظرة الأولى إلا أنه علامة صحية لمجتمع كسر قشرة الدكتاتورية حديثا بعد كمون استمر خمسين عاما ومازال يتلمس طريقه للحرية والاختلاف.
                                                           (2)
من جهة أخرى لا يمكننا تصور مجتمع متفاعل ومختلف إلا بهذه الطريقة التي ستبقي آمنة طالما لم يتم اللجوء للسلاح لفرض الآراء (لا يمكن تسويغ وتبرير اعتقال النشطاء من قبل بعض القوى الثورية مطلقا)، وباسترجاع التاريخ السياسي السوري الحديث نجد أن العنف الاجتماعي والسياسي ساد أغلب فتراته منذ ما قبل الاستقلال حتى، حيث اغتيل الزعيم الوطني عبد الرحمن الشهبندر عام 1940 واتهم زعماء الكتلة الوطنية بذلك في سياق التنافس السياسي واعترف الفاعلون لاحقا بعد القبض عليهم بأن السبب ديني لأنه تعرض للإسلام في إحدى خطبه!
كما قتل الزعيم الشهير الآخر عدنان المالكي من قبل عضو في الحزب القومي السوري الاجتماعي وأُعدم اثر ذلك عدد من كوادره.
واُغتيل أديب الشيشكلي الحاكم العسكري السابق في منفاه بالبرازيل على يد درزي ثأرا لما فعله الأول في جبلهم.
وتمت مواجهة اعتصام مروان حديد في جامع السلطان في حماة عام 1964 بالعنف والنار وهدم المسجد وقتل بعض المعتصمين.
كما واجهت السلطات اعتصام مماثل في الجامع الأموي عام 1965 بدخول الدبابات إليه وضرب المعتصمين واعتقالهم.
واغتيل صلاح الدين البيطار ومحمد عمران وقائمة طويلة جدا من المعارضين في الخارج.
وتكررت دورة العنف (الذي باءت بكبره الأنظمة المتعاقبة) منذ منتصف السبعينات وتمدد ليختتم بمجزرة حماة 1982
وهاهو التاريخ يعيد نفسه ويقوم النظام الوراثي بإشعال العنف وقتل الشعب السلمي الثائر ليثبت أن أي دولة مدنية جديدة لا يمكن أن تقوم إلا على أنقاضه.

                                                         (3)

التنازع والتوافق النخبوي بين العلمانية والإسلامية:
مصطلحي العلمانية والإسلامية يتم تناولهما هنا بعيدا عن الأسس والمبادئ النظرية إنما عبر الممارسات العملية لكلا رجال ونخب الايديولوجيتين وهذا هو الامتحان الأدق لكل ما تقدمه الفئتين.
فالأسس والنظريات كانت جميلة جدا ومثالية لأغلبية الدعوات والأيديولوجيات في العالم العربية حتى لحزب البعث في قسم من مبادئه لكن المحك كان في التطبيق على أرض الواقع والنزول من البرج العاجي والممارسة العملية والاحتكاك مع الشعوب والتعامل معها.
وهذا مايواجه الإسلاميين الآن في تجربتهم الحديثة في دول الربيع العربي.
الإشكالية الجدلية في الإسلام السياسي ليست في تنزيه وإبعاد مبادئه السامية والمقدسة عن أدران السياسة والسياسيين وإنما في طول المسافة بين ممارسات رجاله وهذه المبادئ عند تنزيله على أرض الواقع والتي لا بد منها في كل العصور التاريخية والأمر ذاته ينطبق على الأيديولوجيات الأخرى كالقومية والاشتراكية والبعثية، وكلما زاد طول هذه المسافة بين الممارسات والمبادئ والمثل كلما  انتكست هذه الإيديولوجيات ومن يحكم باسمها وتراجعت إلى الوراء حتى السقوط، والإسلام السياسي ليس بدعا عن هذه الفرضية.
بالمقابل ليس المطلوب منا أن ندعو لإقصاء الإسلام السياسي أو "علمانية" تامة لأي حزب مشارك وإلا أفرغنا جميع الأحزاب والحركات من مضمونها وغدت هياكل بلا روح.. المطلوب قانون ودستور يحترم الحريات لجميع الإيديولوجيات في دولة مدنية محايدة تماما وعلى مسافة واحدة من الجميع يسودها الحوار والاحترام وتفصل بين السلطات الثلاث وتبعد العسكر تماما عن أي تدخل في الشأن السياسي.
                                                         (4)
التجربة الديمقراطية السورية في الخمسينات ومطلع الستينات كانت ذهبية بحق حتى في تقاربها بين المثل والممارسات من جهة وبين الإيديولوجيات نفسها من طرف آخر..
ونرى في شأن ذلك كيف تم التوافق بنسبة كبيرة في كتابة دستور 1950 وفي تجربة الجبهة الاشتراكية الإسلامية التي قادها الأستاذ مصطفى السباعي وكذلك في تجربة الوحدة مع مصر وإلغاء الأحزاب (بما فيهم الإخوان المسلمون) لصالح تلك الوحدة وتنازلا للإيديولوجية الناصرية.. وهذه التجربة الأخيرة وإن فشلت بعد سنوات قليلة لكنها تثبت أمرا مهما وهو التسامح السياسي للسوريين آنذاك في سبيل الهدف الأكبر وان اضطرهم الأمر لتنازل مؤلم عن أحزابهم ودعواتهم وحركاتهم. 
التوالف السياسي في تلك التجارب الثلاث جعل الصراع في حدوده الدنيا وان لم يلغيه ووجه طاقات البلد نحو البناء، كما أثبتت هذه التجارب أن التقارب العملي بين الإيديولوجيات ممكن حتى مع البون الشاسع بين مثلها ومبادئها ويتيح للجميع العمل بحرية ويضيق المسافة أكثر بين المبادئ التي قام عليها وبين ما ينجزه على الأرض.
أيضا لا بد من ملاحظة نسغ بارز في التجارب الثلاثة السابقة يتعلق بمسؤولية النخبة حول التسامح والتوافق ولجم قواعدهما العريضة، ففي كتابة دستور 1950 أخرجت رابطة علماء الشام مظاهرات هائجة ضد الدستور الذي ساهم "الإسلامي" مصطفى السباعي بدرو بارز في كتابته لأنه لم ينص على أن دين الدولة هو الإسلام، وهدد علماء حلب الزعيم الوطني رشدي الكيخيا بأنه لن يطأ أرض حلب إذ أقر الدستور بالشكل السابق!
وفي تجربة حل الأحزاب لم تكن القاعدة الإسلامية راضية تماما عن قرار الإخوان حل أنفسهم استجابة لوحدة جمال عبد الناصر.
كما أن الجبهة الإسلامية الاشتراكية لم تكن محل رضى من قبل قواعد من الإسلاميين اعترضت كثيرا على مصطفى السباعي.
                                                           (5)
من الخطأ الفصل الساذج بإنشاء ثنائية "إسلاميين – مدنيين" أو "متشددين – علمانيين" كما يُروج مؤخرا في بعض الإعلام الثوري، فرغم أن الكثير من النشطاء والمعارضين ينبهون إلى عدم تبسيط الصراع في سورية إلى "سني – علوي" وخطورة ذلك (وهنا نوافقهم) إلا أنهم لا يلتزمون في المقابل بإلغاء هذه الثنائية المبسطة في الأمور الأخرى خدمة لأيديولوجية معينة أو غفلة لا تبدو طبيعية.

هنالك الكثير من الملتزمين أو الإسلاميين وحتى من أفراد المقاتلين والجيش الحر من يقوم بأعمال مدنية خدمية كثيرة تقع في نطاق ما يسمى بعمل منظمات المجتمع المدني ويقومون هنا بعمل أكبر بكثير من غيرهم كخدمات النظافة وتوزيع الأكل والتطبيب والإغاثة والإعلام الخ، هذا على مستوى السلوك أما على مستوى الرؤية والفكر فالعديد من التجمعات تلك وأفرادها أعلنوا دون مواربة التزامهم بمدنية الدولة القادمة الضامنة لحقوق الجميع.
تلك الثنائية السابقة والمتعمد طرحها تشير إلى نوع من الصراع السياسي وتسجيل النقاط لا غير، حتى بات بعض من يتبناها يحتفي بالشهيد "السلمي" أكثر من الشهيد "العسكري" في مزايدة مقززة لا يرتضيها أحد من الثوار الحقيقيون.
                                                          (6)
لماذا هذا الكلام الآن في لحظات الحرب الساخنة حيث لا صوت يعلو عليها.. وحيث المجازر اليومية التي لا تتوقف!
من حيث المبدأ يجب ترسيخ تعددية الطيف السياسي والفكري في سورية القادمة حيث هنالك من يعمل ومنذ الآن ومن خلال دعوات تكاد تكون براقة (كعلمانية الدولة وكالمبادئ فوق الدستورية) يعمل من خلال ماسبق على إقصاء تيارات مهمة لها سبق وسجل حافل في التاريخ السياسي السوري القديم وفي التاريخ الثوري الحديث ممن بذل من دمائه وضحى كثيرا وأثبت أنه يمثل فئات من الشعب صغرت أو كبرت..
هؤلاء تنتظرهم الإقصاء والتهميش تحت دعوات مختلفة، ونحن لا نتصور أن ذلك يمكن أن يحدث مع ارتضاء الجميع للحوار والنقاش بعد إزالة هذا النظام.
إذن تسطيح الأمور وإرجاع أسباب العنف إلى سلفية أو قادمون من خارج البلاد أو تمويل أجنبي ليس صحيحا البتة وان كان بعضه شكل عوامل رافعة ومساعدة لذلك..
لكن تبقى الجذور في نفسية الاختلاف العنيفة والقابلة للاشتعال وعدم تقبل الآخر من كل الأطراف والفئات المجتمعية بشقيها النخبوي والعام.
                                                          (7)
لكن لا بد من أخذ الحقائق التالية بالحسبان:
1- أن العنف الذي مورس طوال التاريخ السوري الحديث جاء في غالبه في اتجاه واحد من قبل أنظمة الحكم المتعاقبة ضد الشعب والمعارضين أتبعه ردات فعل لا مناص عنها.
2- أن العنف قد يأتي من جميع الاتجاهات ولا يقتصر على طيف فكري أو سياسي واحد.. وفي الغالب سيأتي من أصحاب الأيديولوجيات الشمولية الأصولية.. كالبعثيين والقوميين واليساريين والسلفيين لكنه لن يأتي من المؤمن بمدنية الدولة والمجتمع وفصل السلطات.
3- أن التفاعل المجتمعي بين مختلف الأطياف سيقتضي شيئا من العنف اللفظي والجسدي خصوصا في هذه المرحلة ولن يخفف من ذلك سوى حكم القانون ونشر الوعي وترشيد المجتمع.
4- إن إقصاء أي طرف أو أيديولوجية من المشهد السياسي والاجتماعي سيكون بذرة من بذور هذا العنف القابل للتمدد والاشتعال
5- أن الدور القادم الأهم في الموازنة بين الدولة والمجتمع وفي تخفيف العنف لأقصى حد ممكن لن يكون وظيفة أي حكومة قادمة بل سيكون مسؤولية منظمات المجتمع المدني والنشطاء ووسائل الإعلام خاصتهم، وهو حمل كبير جدا يفرض عليهم أن يبدأوا به منذ الآن خصوصا في المناطق المحررة.
                                                         (8)
سورية بقيت تحت حكم شمولي أيديولوجي لما يزيد عن خمسين عاما ولا يمكن تقبل أو تصور أنها ستستبدله بآخر مشابه بعد انتصار الثورة المرتقب.
لا بد عن دولة مدنية عادلة تساوي بين الجميع في حرية تامة.

 


 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع