..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مرصد الثورة

في المشهد السوري..... من ذاق عرف

خالد حسن هنداوي

17 ديسمبر 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1561

في المشهد السوري..... من ذاق عرف
1 خالد حسن هنداوي.jpg

شـــــارك المادة

كان لا يزال منجذبا إلى أضواء الثورة السورية التي اعتبرها مباركة وذات أبعاد مشرقة تأتي كل يوم بمنافع لم يكن يحلم بشيء منها قبلها حيث الظلام الدامس والقهر المجنون والاستبداد والاستعباد من فرعون وهامان وجنودهما الخاطئين.
وكان رغم المبشرات المتتابعة لا يستطيع أن يهدأ أو يغط في نوم مريح، فجيش الأفكار والخواطر والتقلبات التي تمكر بالثورة ليل نهار يجعله نهبا لشيء من القلق والحيرة حتى إنه يمسك قلبه الخفاق كلما حانت ساعة نشرة الأخبار إشفاقا أن تأتي بما لا يسر من المآسي الجسام التي عصفت ولا زالت بالشعب السوري الصابر المصابر المصطبر بلا حدود.


وإذ هو في هذه الحالة المضطربة شيئا ما رغم بعض الانتصارات الفعلية التي تزيح الكثير من الهموم والغموم، فكر ماذا عليه أن يفعل إنه يريد أن يقف على الحقيقة أكثر وأكثر ليستجلي المشهد وأنى له ذلك وهو بعيد وغير متكئ إلا على الأنباء الفضائية أو الإعلام المقروء أو السماع من زيد وعمرو وبكر نقلا أو تحليلا، ولأن الشك فيه عذاب واليقين هو الروح والريحان فقد قرر اليوم أن يدخل بنفس حلبة الميدان ويرى ويسمع ويحلل ويمدح ويقدح وينتقد بإخلاص طلبا للحق، ويكون أمينا مع نفسه وضميره عساه ينشرح ويزيل شبح التردد القاتل عنه. 
كان انطلاقه مع إخوة صادقين بعد أن تمكن من زيارة أحد المخيمات الحدودية مع تركيا وقد سر أيما سرور حين شعر وهو يرى ويسمع أحوال المهجرين بارتفاع المعنويات التي تسابق الريح عند الكثيرين رغم العناء والتشرد فالنغمة التي يضرب هؤلاء على وترها إنما تركز على استعلاء الإيمان ومعاني الكرامة والعدالة والحرية والتي تهزأ بالصعاب غير المحتملة في سبيل تلك المعاني التي عدمت واضمحلت جدا منذ عهد الديكتاتور حافظ الأسد ثم عهد الديكتاتور الصغير بشار المستبد الذي حاز كأبيه أعلى درجة اليوم في القتل والإجرام دون رادع من دين أو ضمير أو خلق سوي.
لقد وصلت المركبة الحدود التركية وختمت الجوازات ثم وقفت عند الحدود السورية فإذا به ينزل منها ويخر ساجدا لله تعالى شكرا على ما أولى وأنعم ولم يرفع جبهته وهو مستغرق في الخشوع وعشق الوطن الذي لم يمس ترابه منذ أربعة وثلاثين عاما إلا بعد وقت طويل، يا لها من لحظات تعدل كل ما لديه في الدنيا حيث يدور شريط الذكريات في السجود عند الحدود هل هو في حلم أم حقيقة؟
هل يمكن أن يعتبر هذا اليوم عيدا جديدا في حياته؟ إذ كان يشعر كما الملايين الآخرين بأنه كان قشة تذروها الرياح.
كيف أحس أنه كالجبل في مكانه وأن شانئه ليس إلا كالعنكبوت؟
يا لها من فرصة ونشيد قلبي يحن للنور بعد نير الديجور أين الجبروت والتماثيل واللافتات التي كان يكتب عليها: الأسد إلى الأبد.
لقد خر الباطل وتهاوى بعد أن فتك بأهل العلم والفكر واعتدى على ربات الخدود وجعل الناس عبيدا أمام توحشه السادي.
وحين يبغي على الأحرار والحرائر والضعاف ذوو الطغيان يصبح العيش مستحيل الوجود.
 وأنى للوجود أن يكون وبيوت الله تدنس والمصاحف تمزق وتحرق ويبال عليها، إن الوطن جنة الدنيا مع الكرامة وهو جهنم الدنيا بلا حرية وكرامة.
لا شك أنه شعر بالاكتئاب أثناء سجوده من مشهد الماضي الأليم ولكنه مسحه بالأمل والرجاء والتفاؤل حين وجد نفسه داخل وطنه الحقيقي وحياه أفراد الجيش الحر بكل ترحاب فلله درهم ما أعظمهم وما أنبلهم إن الفرق شاسع جدا بين ما كان الناس فيه وما آلو إليه وهذا أمر الله في عباده.
وحين التقى بالمجاهدين في كل ساحة وحي وزقاق وهم يتوشحون أسلحتهم ويستمعون إليه وهو أحق أن يستمع إليهم أدرك أن هذا الشعب قوي وصامد وعزيز وخالد فوهبوه بعض ما لديهم فرقى في سماء العز ونشوة النصر، إن كل حواجز النظام الأسدي في ريف حلب قد دمرت ورحلت إلى غير رجعة وها هي المدن والمناطق والنواحي تزغرد بنشيد الدم الذي طهر الأرض من المفسدين.
لقد رأى خرابا واسعا ولكنه رأى النفوس عامرة واثقة بالنصر ولما دخل حلب الشهباء ما كان يتصور أن هذه المدينة الاقتصادية الكبرى  برصانتها، ورونقها ستصبح أشبه بمدينة أشباح.
وهكذا يفعل الحقد فعله بعدما ظن أنها تؤازر الظلم ولكنه قلب كفيه وعرف حقيقة ظنه، وفي الجانب المقابل رأى صديق المجاهدين كيف هم يعيشون وكيف غلبت لذة تحرير العديد من الأحياء على المصاب بالأرواح والممتلكات جراء قصف الطيران العشوائي، وهو لن ينسى أثره حين سلط على مشفى البيان في حي الشعار وجيء بالجرحى ذوي المشاهد المؤلمة حقا إذ سقط برميل البارود على العمارة المجاورة وكان ما كان وشاء الله أن يعين الأخ إخوانه الجرحى بالدواء المفقود وأن ينصرف ظانا أن الأمر قد انقضى فإذا بالأخبار تسرع بعد أيام إلى أن المشفى قصف وقصف بجنون حتى أصبح الذين هم فيه من أطباء وجرحى أثرا بعد عين.
إن كل جولة في أحياء حلب المحررة تزيدك إيمانا وإصرارا على الثبات سيما ما رآه من الآليات والدبابات والمدرعات المدمرة والأخرى التي غنمها الجيش الحر وما رأى من اندحار جنود الظلام الذين رضي بعضهم أن يكون بشار لهم ربا، ومما أكرمه الله به من المشاهد أن رأى أسرى المقاتلين والشبيحة المجرمين في سجون الجيش الحر، وأن يكون أحد العقداء منهم يتوسل بذلة حتى كاد يقبل الأقدام للتوسط بإطلاق سراحه ناسيا ما فعله بالأحرار وأن يعترف الشبيحة بما جنوه من قتل وحرق واعتداء فعلي على النساء والشيوخ والأطفال، فهل ستعود حلب وريفها إلى ما نرجوه بعد الحسم والنصر على الظالمين.
لا ريب أن وعد الله لن يتخلف وأن الأحرار بإيمانهم وسواعدهم سيحققون ذلك قريبا بعون الله، وماذا يقول صديق المجاهدين وقد نقلته الأقدار إلى ريف إدلب وشارك في تشييع الشهيد هناك بعد قصف قلعة حارم حيث اشتد الأمر بعد ذلك وقتل أكثر من عشرين شهيدا .
لقد شم رائحة المسك فقبل فرحا وقبل العديد من شباب القرية ذلك الجسد الطاهر وعاهدوا الله أن يسيروا على نهجه وعبثا يظن الظالمون أنه إذا تفاقم قمعهم فإن الثورة ستخمد ويقضى على العصابات المسلحة كما يدعون لكنهم عرفوا كم ازدادت هيجانا وتطورا بدماء الشهداء، ماذا عساه أن يقول ويكفيه أنه أيقن بعد الذي رأى بعينه وقلبه أن هذه الثورة هي من صنع الله وأنه لن يقهرها أحد لا المجرم بشار وزبانيته ولا من يدعمونه ويشتركون في قتل وتشريد أبناء شعبنا كما أنه مهما أرادت الصهيونية أن تحقق حلمها لإبقاء الجزار ونظامه فإن الحق غالب وإن جنوده المؤمنين منتصرون.
لقد قالها صديق الثوار بكل فخر وعز ويقين الحمد لله الذي دفعني إلى حلبة الميدان فعرفت مالم أكن أعرف وزال القلق والاضطراب فالثورة ماضية حتى إسقاط المجرمين وخصوصا بعد الانتصارات النوعية التي أحرزها المجاهدون في كلية المشاة وغيرها في حلب وكذلك الكتائب والأفواج والمطارات الأسدية حول دمشق والصراعة في داخلها، فالننزل إلى الميدان قدر استطاعتنا فإنه من ذاق عرف.
 

المصدر: رابطة العلماء السوريين

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع