..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


ابحاث ودراسات

قاعدة: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة

مرضي العنزي

17 يونيو 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 7081

 قاعدة: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة
بن مشوح العنزي--00.jpg

شـــــارك المادة

الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

قد قرر الجويني قاعدة؛ وهي: أن"الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة"[1]، ثم ذكرها كثير من المؤلفين بعده، ويتم الاستدلال بها كثيرًا في النوازل المعاصرة، خاصة في نوازل المعاملات المالية، وقبل الاستدلال بها نحتاج إلى مراعاة الأمور التالية:

الأمر الأول: أن الجويني قسم الضرورات ثلاثة أقسام: قسم: لا يستباح إلا بالضرورة لفحشه أو بعده عن الحل، فيرعى الشرع فيه تحقق وقوع الضرورة، ولا يكتفي بتصورها في الجنس، بل يعتبر تحققها في كل شخص؛ كأكل الميتة وطعام الغير[2]، وقسم: "يتناهى قبحه في مورد الشرع، فلا تبيحه الضرورة أيضًا، بل يوجب الشرع الانقياد للتهلكة والانكفاف عنه؛ كالقتل والزنا في حق المجبر عليهما"[3]، والقسم الثالث: ما يرتبط في أصله بالضرورة، ولكن لا ينظر الشرع في الآحاد والأشخاص وهذا كالبيع وما في معناه، فليس البيع قبيحا في نفسه عرفًا أو شرعًا [4]، فالضرورة عند الجويني على هذا التقسيم هي كل ما أباح المحرم، والحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحرم القريب من الحل، أو غير القبيح على اصطلاحه، أما ما كان بعيدًا عن الحل أو كان فاحشًا، فالحاجة لا تجيزة، وأما القسم الثاني فلا تبيحه الضرورة، والحاجة من باب أولى، فالحاجة تنزل منزلة الضرورة في قسم من أقسامها فقط، ولا تنزل منزلتها مطلقًا.

الأمر الثاني: أن هناك اختلافًا وتداخلاً في مصطلح الحاجة والضرورة، وقد تطور مفهوم الحاجة والضرورة من عصر الجويني إلى العصور التي بعده مما أدى إلى تطبيق القاعدة في غير محلها؛ فالحاجة عند الجويني:"لفظة مبهمة لا يضبط فيها قول... وليس من الممكن أن نأتي بعبارة عن الحاجة نضبطها ضبط التخصيص والتمييز حتى تتميز تميز المسميات والمتلقبات بذكر أسمائها وألقابها، ولكن أقصى الإمكان في ذلك من البيان تقريب وحسن ترتيب"[5]. وأقصى الإمكان في بيان الحاجة عند الجويني؛ أنه ليس مشروطًا فيها الضرورة وخروج الروح، ولا يعني بها تشوف الناس إلى الطعام، وتشوقها إليه، فالحاجة إذًا بين ذلك[6]، وكل ما بين ذلك مما هو قريب من الضرورة وخروج الروح، أو بعيد عنها إلى درجة التشوف والتشوق فهو داخل في مفهوم الحاجة عند الجويني، ولكن ما الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة عنده؟

الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة عند الجويني هي التي يترتب عليها ضرر، والتي إذا صبر الناس كافة عليها وقعوا في الضرورة[7]، ومن نصوصه التي تبين ذلك:" الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة، في حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته، ولم يتعاط الميتة، لهلك، ولو صابر الناس حاجاتهم، وتعدوها إلى الضرورة، لهلك الناس قاطبة، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك، ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد"[8]. ومنها: "فالمرعي إذًا دفع الضرار، واستمرار الناس على ما يقيم قواهم"[9]. ومنها:"فإنا اعتمدنا الضرار وتوقعه"[10]. ومنها: "فليعتبر فيها درء الضرار بها"[11]. ومنها:"ويتحصل من مجموع ما نفينا وأثبتنا أن الناس يأخذون ما لو تركوه لتضرروا في الحال أو في المآل، والضرار الذي ذكرناه في أدراج الكلام عنينا به ما يتوقع منه فساد البنية، أو ضعف يصد عن التصرف والتقلب في أمور المعاش"[12]، ثم اشترط الجويني لتنزيل الحاجة منزلة الضرورة في إباحة المحرم أن يكون الحرام أطبق الزمان وأهله، فقال:"إن جميع ما ذكرناه فيه إذا عمت المحرمات، وانحسمت الطرق إلى الحلال"[13]. وقد ذكر في بداية تقريره لهذه القاعدة: "أن الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس"[14].

فالحاجة التي ذكر الجويني أنها تنزل منزلة الضرورة هي ما يترتب على فقدها ضرر، أو خوف هلاك، أو لا تجري بفقدها مصالح الدنيا على استقامة، والحاجة بهذا المفهوم هي بمعنى الضرورة عند كثير من أهل العلم، فمن تعريفات الضرورة عند الحنفية:"خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل"[15].

ومنها عند المالكية:"أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا"[16].

ومنها عند الشافعية:"ومن خاف من عدم الأكل على نفسه موتًا أو مرضًا مخوفًا أو زيادته، أو طول مدته، أو انقطاعه عن رفقته، أو خوف ضعف عن مشي أو ركوب ولم يجد حلالاً يأكله"[17].

ومنها عند الحنابلة:"الضرورة المبيحة؛ هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل. قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه، سواء كان من جوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك، أو يعجز عن الركوب فيهلك"[18].

ومن تعريفات المعاصرين:" أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر، أو المشقة الشديدة، بحيث يخاف حدوث ضرر، أو أذى بالنفس أو العضو، أو بالعرض، أو بالعقل، أو بالمال، وتوابعها"[19].

فمفهوم الحاجة والضرورة تطور من عصر الجويني إلى العصور التي تليه، فالحاجة صارت تعني مجرد المشقة دون أن يترتب عليها ضرر، والضرورة التي قسمها الجويني ثلاثة أقسام أصبحت قسمًا واحدًا، فالقسم الذي تبيحه الحاجة، والقسم الذي تبيحه الضرورة، أصبح كله داخلاً في الضرورة، وإطلاق قاعدة "الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة"، دون مراعاة للتطور في مفهوم الحاجة، والضرورة، ودون مراعاة لأقسام الضرورة، يوقع في إشكال من حيث إن الحاجة التي كانت بعيدة من الضرورة في عصر الجويني، صارت تتنزل منزلة الضرورة في قسمها الأول فتبيح من الحرام ما لا تبيحه إلا الضرورة، مع أن الجويني ذكر أن الحاجة -التي تنزل منزلة الضرورة، والتي هي داخلة في مفهوم الضرورة عند غيره، لا تبيح ما تبيحه الضرورة مما بعُد عن الحل؛كأكل الميتة، وأكل مال الغير.

الأمر الثالث: أن الجويني ذكر أمثلةً للحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة الخاصة في إباحة المحظور، وهي: تصحيح الإجارة[20]؛"فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنة ملاكها بها على سبيل العارية...من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرار لا محالة"[21]، والبيع ذكر أنه ضرورة أو حاجة منزلة منزلة الضرورة[22]، وجواز النظر إلى المخطوبة، إذا لم يُخف الفتنة؛ لعموم الحاجة في بناء النكاح على تمييزه، ودوام الحياة الزوجية، والخلق لا يستوون في تمييز الجمال من عدمه[23]، وكذلك جواز النظر إلى وجه المرأة عند تحمّل الشهادة عليها[24]، وولاية السلطان للمرأة التي لا ولي لها[25]، والمرأة المعتدة إذا خافت ضياع مالها، وله خطر وقدر يجوز لها الخروج[26]. وهذه الأمثلة التي ذكرها الجويني يترتب على فواتها ضرر أو اختلال في مصالح الدنيا والدين؛ كضياع المال، أو عدم استقرار الأسرة، أو ضياع الحقوق، أو غيرها، وإن كانت تختلف في مقدار الضرر، وبعضها يدخل في مفهوم الضرورة عند غيره، وبعضها لا يدخل، وكل هذه الأمثلة التي ذكرها الجويني للحاجة العامة تنزل بمنزلة الضرورة في إباحة بعض المحرمات؛ كالمحرم القريب من الحل،  كما ذكر في خروج المعتدة :"والتربص وإن كان واجبًا؛ فإنه من قبيل الأمورِ التابعة، والآدابِ المتأكدة المترقِّية من نهاية الندب إلى أول درجة الوجوب"[27]، أو المحرم للذريعة كما في كشف وجه المخطوبة، فإن النظر للمرأة ليس محرمًا لذاته، ولم يذكر الجويني أمثلة لإباحة محرمات لا تبيحها إلا الضرورة اطرادًا مع رأيه في أن الحاجة العامة لا تبيح كل المحرمات، بل تبيح  المحرم القريب، أوغير القبيح كما سبق بيانه في الأمر الأول.

فالجويني مع تقعيده لهذه القاعدة لم ينزل الحاجة العامة منزلة الضرورة الخاصة مطلقًا في إباحة كل محرم؛ لا من حيث تقعيدها، ولا من حيث الأمثلة، فلا تبيح الحاجة العامة عنده أكل الميتة، وأكل مال الغير، وما فحش من المحرمات، أو بعُد عن الحلال، مع أن الحاجة التي ينزلها منزلة الضرورة تدخل في مفهوم الضرورة عند غيره كما سبق في التعريفات السابقة، فالأصل الذي بنى عليه الجويني قاعدته هو أن:"كل باب بني على معنًى، ثم فرض انخرام ذلك المعنى بشيء يقع معتادًا؛ فذلك المعنى يقتضي أن يطَّرد حتى لا ينخرم"[28]، وجواز المحرمات التي لا تبيحها إلا الضرورة كأكل الميتة، أو أكل مال الغير، للحاجة، خرم للمعنى الذي بني عليه الباب.

الأمر الرابع: أن الزركشي ذكر في المنثور قاعدة:"الحاجة الخاصة تبيح المحظور"[29].  وذكر لها أمثلة؛ كتضبيب الإناء، والأكل من طعام الكفار، ولبس الحرير لمن به حكة[30]؛ وتدل هذه الأمثلة على أن الحاجة الخاصة تبيح بعض المحظورات، كما سبق بيانه في الحاجة العامة، ولا يوجد فيها مثال لحاجة أباحت محرمًا من المحرمات التي لا تبيحها إلا الضرورة، فالقاعدة ليست على إطلاقها، لكن السيوطي أتى بعده وجمع بين قاعدة الجويني، والزركشي، فقال: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"[31]، وذكر نفس الأمثلة التي ذكرها الزركشي، وهذه الصيغة الجديدة للقاعدة سببت إشكالاً من حيث الإطلاق، ومن حيث المراد بالحاجة الخاصة، أما الإطلاق فقد سبق بيان أن الإطلاق في القاعدة غير مراد، وأما المراد بالحاجة الخاصة، فإن كان المقصود بالخاصة أهل حرفة معينة، أو بلد معين[32]؛ فقد ذكر الجويني أنهم إن تعذر عليهم تحصيل الحلال، ولو اقتصروا على سد الرمق، وانتظروا انقضاء أوقات الضرورات، لانقطعوا عن مطالبهم، فحكمها حكم الحاجة العامة فهي تنزل منزلة الضرورة، فليأخذوا أقدار حاجتهم كما سبق بيانه[33].

أما إن كان المقصود بالخاصة آحاد الناس[34]، فإن المقرر عند الجويني صاحب القاعدة:"أن المرعي في حق الآحاد حقيقة الضرورة"، وقد افترض الجويني في نهاية المطلب صورة نادرة لحاجة خاصة بآحاد الناس: وهي امرأة معتدة لو لم تخرج لضاع مالها، فتردد الجويني في تركها للتربص، وقارن بين التربص الذي هو من قبيل الأمورِ التابعة، والآدابِ المتأكدة المترقِّية من نهاية الندب إلى أول درجة الوجوب، وبين ضياع المال وهو شديد[35]، واختار:" أن المال إذا كان يضيع، وله خطرٌ وقدر، فلا بأس لو خرجت، وإن فرض الضياع على وجه الندور"[36].

فهذه الصورة فيها ضرر ضياع المال، والضرر يُنزِل الحاجة العامة منزلة الضرورة عند الجويني، وعند غير الجويني حصول الضرر داخل في مفهوم الضرورة، والمحرم الذي فيها ليس من المحرمات التي تبيحها الضرورة، بل هو من المحرمات القريبة من الحل، ومع ذلك لم ينزلها الجويني منزلة الضرورة بإباحة ترك التربص إلا بعد تردد، وإعمال النظر الفقهي، فتنزيل الحاجة الخاصة منزلة الضرورة الخاصة مطلقًا هو إلغاء للضرورة، فتكون العبرة في جواز المحرمات هي الحاجة فقط.

إن عدم مراعاة هذه الأمور يوقع في إشكالات، وإن الناظر للتطبيقات الفقهية التي تضرب مثالاً للقاعدة، والاستدلال بالقاعدة على بعض القضايا يدرك  مدى الإشكال الذي سببه الإطلاق في القاعدة، دون مراعاة لما قصده صاحب القاعدة بها، وما مفهوم الحاجة والضرورة عنده؟، وما التطور الذي حصل لهما مع الزمن؟، وليست المشكلة في التطبيقات والأمثلة التي ورد الشرع بجوازها، والتي ذكرها الجويني والزركشي عند ذكرهم للقاعدة، والتي يذكرها أكثر من كتب عن القاعدة، فهذه لا إشكال فيها، ولم يقرر الجويني القاعدة لبيان جواز هذه الأمثلة أو ليستدل بالقاعدة لبيان جوازها فالسنة كافية، وإنما وقع الإشكال في التطبيقات التي لم يرد جوازها في الشرع، أو في الاستدلال بهذه القاعدة على جواز بعض النوازل، والمستجدات.

ومن التطبيقات التي ذكرها بعض المؤلفين مثالاً للحاجة العامة التي تنزل منزلة الضرورة، وتبين مشكلة الإطلاق في القاعدة بيع الوفاء[37]، وهو"البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع"[38]. وهو احتيال على الربا[39]، فقد جوزه مشايخ بلخ بخارى الحنفية لحاجة الناس العامة له بسبب كثرة الديون[40]، ومعلوم أن الربا من أكل أموال الناس بالباطل، وهو من قسم الضرورة التي ذكر الجويني أن الحاجة لا تبيحها، ولا تبيحها إلا الضرورة بقسمها الأول كما سبق بيانه، وقد منعه كثير من العلماء منهم بعض الحنفية[41] ولم ينزلوا الحاجة العامة هنا منزلة الضرورة، جاء في قرار مجلة مجمع الفقه الإسلامي بشأن بيع الوفاء:"إن حقيقة هذا البيع (قرض جر نفعًا) فهو تحايل على الربا، وبعدم صحته قال جمهور العلماء"[42]. فإدراج هذا البيع مثالاً للقاعدة يدل على المشكلة التي سببها الإطلاق في القاعدة، حيث أُدخل تحتها هذا المثال كتطبيق لها، ومنْعُ جمهور العلماء لهذا البيع يدل على أن القاعدة ليست على إطلاقها، فالحاجة موجودة، والربا تجيزه الضرورة، ومع ذلك لا تنزل هذه الحاجة منزلة الضرورة في جوازها.

ومن أمثلة الاستدلال بهذه القاعدة على جواز بعض النوازل، والمستجدات ويبين مدى المشكلة التي سببها الإطلاق في القاعدة، ما أفتى به المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث بجواز شراء بيوت السكنى في ديار غير المسلمين بالقرض الربوي، وكان من ضمن الركائز التي اعتمد عليها المجلس قاعدة:"الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة"[43]، مع أن الربا من المحرمات التي لا تجيزها إلا الضرورة، ولا تنزل الحاجة بمنزلة الضرورة في جوازه، فقد جاء عن الجويني صاحب القاعدة:"فأما المساكن، فإني أرى مسكن الرجل من أظهر ما تمس إليه حاجته، والكِنُّ الذي يؤويه وعيلته وذريته، مما لا غناء به عنه"[44]. ومع ذلك لم ينزل هذه الحاجة منزلة الضرورة في إباحة ما تبيحه الضرورة[45]، وجاء في قرار مجلة مجمع الفقه الإسلامي بشأن التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها:"إن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان، وينبغي أن يوفر بالطرق المشروعة بمال حلال، وإن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها، من الإقراض بفائدة قلت أو كثرت، هي طريقة محرمة شرعًا لما فيها من التعامل بالربا"[46]، والاستدلال بهذه القاعدة على إباحة الربا يدل على الإشكال الذي سببه الإطلاق في القاعدة، ورفض العلماء لهذه الفتوى مع أن المسكن من الحاجات الأساسية، والربا تبيحه الضرورة، يدل على أن القاعدة ليست على إطلاقها، فإطلاق القاعدة مع عدم مراعاة التطور في مفهوم الحاجة والضرورة من عصر الجويني  إلى عصرنا سبب في بعض الإشكالات.

فالحاجة تنزل منزلة الضرورة في إباحة بعض المحرمات؛ كالمحرم لسد الذريعة "فإن ما حرم سدًا للذريعة أخف مما حرم تحريم المقاصد"[47]، أو ما كان الحرام فيه قريبًا من الحل[48]، أو ما كان في مرتبة وسطى فتبيحه الحاجة بشروط[49]؛ كالغرر؛ فــــ"مفسدة الغرر أقل من الربا"[50]، أما ما كان محرمًا لذاته[51]، أو كان الحرام بعيدًا عن الحل[52]، والنهي في مرتبة عليا؛كالربا فلا تؤثر فيه الحاجة، ولا تجيز منه لا قليلاً ولا كثيرًا[53]، قال ابن تيمية:" وقد أباح الشارع أنواعًا من الغرر للحاجة ...وأما الربا فلم يبح منه"[54].

فإذا كانت هناك حاجة فلا بد للفقيه أن يمعن النظر في قوتها، وقوة الحرام الذي ستبيحه، ويقارن بينهما، ثم ينظر هل تنزل هذه الحاجة منزلة الضرورة في إباحة هذا المحرم، أو لا؟، فإن "كل باب بني على معنًى، ثم فرض انخرام ذلك المعنى بشيء، يقع معتادًا، فذلك المعنى يقتضي أن يطَّرد حتى لا ينخرم"[55].

-------------------------------------

[1] البرهان، للجويني 2/82.

[2] المرجع السابق 2/86.

[3] المرجع السابق.

[4] انظر: البرهان، للجويني 2/86.

[5] غياث الأمم في التياث الظلم، للجويني، ص479-480.

[6] المرجع السابق، ص479-480.

[7] المرجع السابق، ص481-483.

[8] المرجع السابق، ص478-479.

[9] المرجع السابق، ص480.

[10] المرجع السابق، ص482.

[11] المرجع السابق.

[12] المرجع السابق.

[13] المرجع السابق، ص487.

[14] غياث الأمم في التياث الظلم، للجويني ، ص478.

[15] أحكام القرآن، للجصاص 1/159.

[16] الموافقات، للشاطبي 2/17.

[17] مغني المحتاج، للشربيني 6/158-159.

[18] المغني، لابن قدامه 9/415.

[19] نظرية الضرورة الشرعية، لوهبة الزحيلي، ص67-68.

[20] انظر: نهاية المطلب، للجويني 8/67، البرهان، للجويني 2/79.

[21] البرهان، للجويني 2/79.

[22] المرجع السابق 2/83.

[23] انظر: نهاية المطلب، للجويني 12/36.

[24] المرجع السابق 12/36.

[25] المرجع السابق 12/148.

[26] المرجع السابق 15/255-256.

[27] المرجع السابق 15/256.

[28] نهاية المطلب، للجويني 15/255.

[29] المنثور، للزركشي 2/25.

[30] المرجع السابق 2/25.

[31] الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص88.

[32] ممن ذهب إلى هذا المعنى الشيخ مصطفى الزرقا.انظر:المدخل الفقهي العام، للزرقا 2/1005.

[33] انظر: غياث الأمم في التياث الظلم، للجويني، ص488.

[34] ممن ذهب إلى هذا المعنى الدكتور وهبة الزحيلي.انظر: نظرية الضرورة الشرعية، لوهبة الزحيلي، ص262.

[35] انظر: نهاية المطلب، للجويني 15/255-256.

[36] المرجع السابق 15/256.

[37] انظر: المدخل الفقهي العام، للزرقا 2/1006، نظرية الضرورة الشرعية، لوهبة الزحيلي، ص266.

[38] مجلة الأحكام العدلية، ص30

[39] انظر: حاشية ابن عابدين 4/523.

[40] انظر: الأشباه والنظائر، لابن نجيم، ص68، نظرية الضرورة الشرعية، لوهبة الزحيلي، ص266.

[41] انظر:البحر الرائق، لابن نجيم 6/8 الفتاوى الهندية 3/209.

[42] انظر: قرار مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السابع، رقم 4/68.

[43] انظر الرابط: http://islamtoday.net/bohooth/artshow-32-5520.htm

[44] غياث الأمم في التياث الظلم، للجويني، ص486.

[45] انظر: البرهان، للجويني 2/86.

[46] انظر: قرار مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس، رقم 1/52.

[47] إعلام الموقعين، لابن القيم 2/107.

[48] انظر: البرهان، للجويني 2/86.

[49] انظر: صناعة الفتوى وفقه الأقليات، لابن بيه، ص225.

[50] القواعد النورانية، لابن تيمية، ص172.

[51] انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم 2/107.

[52] انظر: البرهان، للجويني 2/86.

[53] انظر: التاج والإكليل، للمواق  6/230. يرى بعض أهل العلم أن الحاجة تجيز ربا الفضل مستدلين بأن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل لا المقاصد، وتحريم الوسائل يجوز للحاجة، وأن الشريعة أجازت العرايا للحاجة؛ وهي من ربا الفضل، ولا يسلم لهم ذلك؛ فتحريم ربا الفضل من باب تحريم المقاصد لا الوسائل؛ وقد جاء عند البخاري من حديث أبي سعيد الخدري، قال: جَاءَ بِلاَلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :«مِنْ أَيْنَ هَذَا؟» ، قَالَ بِلاَلٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: «أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَلْ»، ونص النبي صلى الله عليه وسلم على أنه عين الربا مع التأوه وهو من ربا الفضل دلالة على أن تحريمه تحريم مقاصد لا وسائل، وأما الاستدلال بالعرايا، فالنبي صلى الله عليه وسلم مع حاجة الناس لها لم يرخص أن يباع الرطب بالتمر مع العلم بالتفاضل، بل رخص في العرايا أن تباع بخرصها، والخرص يكون عن طريق أهل الخبرة وقلما يخطيء الخارص -إن كان من أهل الخبرة- في تقديرها، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم حددها بخمسة أوسق، وهذا القدر قليل عند أهل الخبرة يندر خطأهم في تقديره، ويغلب على الظن أن البيع يتم متماثلا، وهذه القيود التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم للعرايا مع حاجة الناس تدل على أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم المقاصد، وعلى فرض أن هناك تفاضلاً فليس معلومًا، فالعرايا تدل على أنه إذا كانت هناك حاجة وتعذر العلم بالتماثل فإنه يجوز التبادل بين الجنس الربوي بمثله إذا غلب على الظن وجود التماثل، ولا دلالة في العرايا على جواز التبادل بين الجنس الربوي بمثله مع العلم بالتفاضل. ومن أراد أن يقيس غير العرايا على العرايا فليراع هذه القيود التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية 25/109، 29/428، تفسير آيات أشكلت، لابن تيمية 2/625، إعلام الموقعين، لابن القيم 2/104، 107، مقاصد الأحكام المالية عند ابن القيم، لمحمد اليحيى، ص504.

[54] مجموع الفتاوى، لابن تيمية32/ 236.

[55] نهاية المطلب، للجويني 15/255.

 

 

مركز نماء للبحوث والدراسات

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع