..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مقالات منوعة

مُحَلِّقٌ ومُسِفٌّ... لا يستويان

عبد العظيم عرنوس

20 مايو 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 4735

مُحَلِّقٌ ومُسِفٌّ... لا يستويان

شـــــارك المادة

منذ فجر الدعوات الإسلامية، والناس فريقان يختصمون، فريقٌ ركل الدنيا برجله وطلّقها طلاقاً بائناً لا رجعة فيه، وطمح ببصره إلى العلياء، واتّصل قلبه برب السماء. وفريقٌ جذب إليه الدنيا وجذبته الدنيا، وجعلها أكبر همّه، ومبلغ علمه، وربط حباله بحبالها، وعلِق بها كما تعلق الحشرات بخيوط العنكبوت؛ {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ}[فاطر: 19-22].


وارتجز علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يوم بناء المسجد:

لا يستوي من يعمُرُ المساجدا
يدأبُ فيه قائماً وقاعدا
ومن يُرى عن الغبار حائدا

وكمال العقل هو التحليق إلى الأعالي، والطواف حول النجوم والكواكب:

شدّت الأرض قواها فالقمر *** في طوافٍ حولها لا مُستقر

قال ابن الجوزي: "من علامة كمال العقل علوّ الهمة، والراضي بالدون دنيء".

ولَم أَرَ في عيوب الناس عيباً *** كنقص القادرين على التمام".

وجلّى الغشاوة عن هذا المعنى رائد الدعوة في سوريا مصطفى السباعي فقال:

وهل يستوي طيرانِ هذا محلقٌ *** تروم جناحاه سماء ملائك
وذاك مُسفّ حائمٌ فوق جيفةٍ *** على الأرض تدنيه لوطء سنابك

لا يستوي الصقر الذي يضرب بجناحيه علواً في السماء، والغراب الراضي بالجيف المنتنة يلتهمها بشراهة وشغف، وهو فرح مسرور بما يدخل جوفه.

قلتُ للصقر وهو في الجوّ عال *** اهبط الأرض فالهواء جديب
قال لي الصقر في جناحي وعزمي *** وعنان السماء مرعى خصيب

لا يستوي خفقان جناحي البازي، وخفقان جناحي الزنبور:

وللزنبور والبازيّ جميعاً *** لدى الطيران أجنحة وخفق
ولكن بين ما يصطاد باز *** وما يصطاده الزنبور فرق

لا يستوي من يصدع بالحق في وجه سفّاح الشام وطاغيته وينكر عليه ولوغه في الإجرام وسفك الدماء، ومَن مثله كمثل الكلب من علماء السوء؛ كالبوطي وأشباهه ممن أضلّهم الله على علم.

وهل أفسد الدين إلا الملوك *** وأحبار سوء ورهبانها
وباعوا النفوس ولم يربحوا *** ولن تغل في البيع أثمانها
لقد رتع القوم في جيفة *** يبين لذي العقل إنتانها

قال أبو حازم - رحمه الله -: "إنه والله ما يستوي من غدا أو راح يعمر عقد الآخرة لنفسه فيقدمها أمامه، ومن غدا أو راح في عقد الدنيا يعمرها لغيره ويرجع إلى الآخرة لا حظّ له فيها ولا نصيب. يا حسرةً على أولئك العلماء الذين يتبوؤن شر المنازل يوم القيامة.
روى ابن ماجه عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من شر الناس منزلةً عند الله يوم القيامة عبدٌ أذهب الله آخرته بدنيا غيره)).
لا يستوي من يريد ثواب الدنيا ومن يبتغي ثواب الآخرة: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} [آل عمران 145]. وشتّان شتّان بين إرادةٍ وإرادة، شتّان بين حياةٍ وحياة، وشتّان بين ثوابٍ وثواب.
لا يستوي من عاش في رحاب دين الله مستغرق الفكر في آيات الله المتلوّة والمرئية يناجي ربه، وأكبر همّه أن يكون له أثر في دعوة الخلق إلى الله - عز وجل -، وأن يكون له بصمة ظاهرةٌ في جهاد أعدائه وتطهير الأرض من رجسهم ودنسهم وإفسادهم، ومن يقعد بكلّ صراطٍ وهو يصدّ عن سبيل الله ويوعد من آمن، ويبذل كل ما في طاقته ووسعه في سبيل الإفساد والعوج.

فَخُذ لكَ زادين من سيـرةٍ *** ومن عمـلٍ صـالـحٍ يُـدَّخر
وكن في الطريق عفيف الخُطا *** شريف السماع كريم النظر
وكن رجلاً إن أتوا بعــدهُ *** يقولون مـرَّ وهـذا الأثـر

لا يستوي هؤلاء وأولئك، فاختر لنفسك أي الطريقين تسلك، وكلٌّ مُيسّرٌ لما خُلق له.

المصدر: رابطة العلماء السوريين 

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع