..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

لكيلا يهلكنا الصمت (1)

مجاهد مأمون ديرانية

26 فبراير 2020 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 174

لكيلا يهلكنا الصمت (1)

شـــــارك المادة



يروي أصحاب التاريخ أن مدينة يونانية قديمة اسمها إميكلي أزعجها ما كان يُشاع فيها باستمرار عن قرب غزو الإسبرطيين لها، فصدر قانون يمنع ذكر العدو ويحذّر من التحذير منه. بعد مدة وصل الإسبرطيون فلم يجرؤ أحد على إنذار الناس، فسقطت المدينة وقُتل أكثر سكانها، وصار اسمها في التاريخ "المدينة التي أهلكها الصمت".

* * *


يسألني كثير من الأفاضل: ماذا نفعل في سبيل إنقاذ الثورة؟ ماذا نفعل لنعيد للثورة ألَقَها الأول الذي تبدد كثيرٌ منه بمرور الأيام؟ ماذا نفعل لننقذ ثورتنا العظيمة الغالية من الفناء؟ ماذا نصنع ونحن بعيدون عاجزون؟

يا أيها الكرام: إننا لا نعاني من أزمة في التشخيص؛ لقد عرفنا الداء وعرفنا الدواء، إلا أننا نستثقل أن نتجرّعه أو نعجز عن حمل المرضى على تجرّع الدواء. والداء فينا لا في غيرنا؛ نعم، هو من عند أنفسنا، وإلاّ نُصلحْ ثورتَنا ونَنْفِ عنها أخطاءها فإنها -لا قدّر الله- إلى زوال. فماذا نملك؟ ماذا أملك أنا وماذا تملكون سوى النصيحة الصادقة والتنبيه بعد التنبيه؟ لا نملك إلا الكلمة التي نقدمها حتى لا يهلكنا الصمت.

يقولون إن الإعلام هو السلطة الرابعة، وهو في ثورتنا رأس السلطات وأهمها لأنه البوصلة التي يُنتظَر منها أن تحافظ على الاتجاه الصحيح، فإنْ ضَلّ حاملُ البوصلة تاهت السفينة ولم تصل إلى بَرّ الأمان. إنها مسؤوليةٌ عامة يشترك في حملها أهل الإعلام وأصحاب الأقلام، فكل من حمل قلماً وكل من وقف على منبر سيسأله الله عن الكلام الذي كتبه وقاله: لِمَ كتبه ولِمَ قاله؟ وعن الكلام الذي لم يقله ولم يكتبه: لِمَ كتمه ولم يبيّنه في مقام البيان؟

من أجل ذلك كتبت الحلقات الخمس الماضية في هذه السلسلة، ولم أستَقصِ، إنما وقفت عند الأساسيات والإصلاحات الكبرى التي تُطلب من أهل الثورة لإنقاذ الثورة، وبقيَت كلمة عن "الإعلام الثوري" أختم بها وأعود إلى الصمت والاعتزال اللذين عشت فيهما في العام الأخير.

* * *


لنبدأ بتقرير قاعدة أولية يغفل عنها كثيرون: "ليس في الدنيا إعلام محايد". بل إن كلمة الحياد ذاتها توقع المرء في تناقض منطقي، لأن المحايد هو الشخص الذي آثر الانحياز إلى موقف غير منحاز لأي من طرفَي الصراع. فإذا قال لك شخص ما أنه محايد بالنسبة للثورة (فلا هو معها ولا مع النظام) فاعلم أنه منحاز للموقف الحذر الذي يُعفيه من عواقب الانحياز، إما لأنه لا يحتمل دفع ثمن الانتماء للثورة ونصرتها، أو لأنه مقتنع بأن النظام لا يستحق البقاء لكن الثورة عجزت عن إقناعه بأنها البديل الصالح. وهذا استطراد ليس محله هذه المقالة على أي حال.

نعم، الإعلام المحايد ليس له وجود إلا في الخيال. كل إعلام في الدنيا يخدم قضية من القضايا بشكل مباشر أو غير مباشر، فالإعلام الإسلامي سيهتم دوماً بتقديم المعلومات والأخبار التي تعزّز الإيمان ويحجب المواد الإعلامية التي تسبب الشك وتدعو إلى الإلحاد، والإعلام الإلحادي سيكون حريصاً بالمقابل على تكريس اللادينية وحجب أي مواد تدعم الإيمان وتدعو إلى اليقين. وكذلك كل قضيتين مختلفتين في هذه الدنيا، لا بد أن ينحاز الإعلام، أيُّ إعلام، إلى هذه أو تلك، بصورة فجة مكشوفة أحياناً (إذا كان إعلاماً بدائياً متهافتاً) أو بصورة خفية في غالب الأحيان (عندما يكون إعلاماً محترفاً، كما هو الحال في معظم الصحف والمحطات والفضائيات الشهيرة).

باختصار: إن الإعلام صَرْحٌ له سور، وللسور بوابة عليها بوّاب لا يسمح بالمرور إلا لما يوافق سياسة الجهاز الإعلامي وبرنامجه. من هنا جاءت نظرية "حارس البوابة" (gatekeeper) التي طورها عالم النفس النمساوي (الأمريكي لاحقاً) كيرْت ليفين (Kurt Lewin) في أربعينيات القرن الماضي، وهي تقول ببساطة: "إن المادة الإعلامية لا تصل إلى الجمهور إلا بعد رحلة طويلة تمر فيها عبر بوابات تخضع فيها للتفتيش لتقرير ما يمر وما يُحجَب". أو لأقل بعبارة أكثر تبسيطاً: إن لكل جهاز إعلامي مَصافيه التي يصفّي بها المعلومات والأخبار فيسمح ويمنع بما يوافق اختياره الاعتقادي والثقافي والأخلاقي.

* * *


بعد هذا الشرح المختصر نصل إلى النتيجة المهمة: لا يمكن ولا يجوز لإعلام الثورة إلا أن ينحاز إلى الثورة، ولكنه انحياز عاقل أمين نظيف يخدم أهدافها النبيلة السامية. فما الدور المرتقَب من إعلام الثورة؟ ما هي المصافي الإعلامية التي ينبغي على إعلاميي الثورة مراعاتُها في المعركة؟ الجواب في تتمة هذه المقالة إن شاء الله.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع