..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

اتفاقية إدلب.. استراحة محارب أم مقدمة لعودة الاستقرار؟

محمد العمر

٢٥ ٢٠١٨ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1752

اتفاقية إدلب.. استراحة محارب أم مقدمة لعودة الاستقرار؟

شـــــارك المادة

يستطيع كل مراقب لتطور الأوضاع في سوريا منذ اندلاع الاحتجاجات السلمية فيها عام 2011 ووصولا إلى الوقت الحالي أن يرى كيف استطاع نظام الأسد أن يحقق بالتعاون الوثيق مع حلفائه من الروس والإيرانيين على وجه الخصوص "انتصارات" متلاحقة أدت إلى تجريد المعارضة المرتهنة في معظمها لأجندات إقليمية ودولية متناقضة وفوضوية من معظم الأماكن التي سيطرت عليها. لم يتبق للمعارضة على الأرض سوى إدلب وبعض المناطق المتاخمة لها. وبينما كان النظام في طور تجميع قواته تمهيدا لاستعادة إدلب، يقوم الجانبان التركي والروسي بالتوصل لاتفاقية تضمن تجنيب المحافظة مصير بقية المحافظات التي استعادها النظام. استنادا إلى هذا التوصيف العام للحالة السورية اليوم، تثور العديد من الأسئلة المركزية: ما هي خلفيات اتفاق إدلب وهل هو قابل للحياة فعلا وما هو مستقبل الحالة السورية في ظل التطورات الأخيرة؟

 

أولا.. عن خلفيات اتفاقية إدلب وقابليته للحياة؟

على الرغم من أن تركيا لم تكن في الحقيقة تملك أوراقا كثيرة لتلعبها في إدلب كما أسلفنا في مقال سابق، إلا أنها، والحق يقال، قد بذت مجهودات جبارة لتجنيب المحافظة التي يقطنها ما يزيد من ثلاثة ملايين مدني مصيرا أسود. فالجهود التركية كانت بوضوح ليست "جهودا لرفع العتب"، ولكن كانت جهودا تستهدف تحقيق غاية محددة وهي منع اقتحام إدلب، وهذا ما تحقق بالفعل. لكن أسئلة كثيرة بقيت تدور حول ماهية الصفقة التي جرت بين الروس والأتراك والتي استطاعت أن تغير الموقف الروسي من موقف عنيد مساند لمطالب النظام السوري باقتحام إدلب إلى القبول بهذه الاتفاقية. نعتقد بأن هناك عاملين أساسيين استطاعا تغيير الموقف الروسي كالتالي:

 

* الموقف التركي العنيد الرافض لعمل عسكري شامل في إدلب. هذا الموقف لم يكن موقفا نظريا فحسب بل مصحوبا بتعزيزات عسكرية ضخمة تم إدخالها إلى نقاط المراقبة التركية المنتشرة على حدود إدلب وعلى خطوط التماس بين المعارضة والنظام السوري حسب ما نصت عليه اتفاقيات خفض التصعيد. كما كثفت تركيا جهودها أيضا للفصل بين هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية وبين الفصائل "المعتدلة" من اجل سحب ذرائع الروس. وعلى الرغم من علمنا بعدم قدرة تركية على التدخل بشكل مباشر في العمليات القتالية فيما لو أصرت موسكو على خوض المعركة، الا ان إمكانية الاحتكاك الروسي التركي باتت عالية الخطر، وهو ما لا يريده البلدان في الوقت الحالي.

فموسكو تسعى جاهدة في الفترة الحالية لجذب انقرة إلى جانبها شيئا فشيئا مستفيدة من حالة البرود التي تكسو العلاقات التركية الغربية عموما والتركية الأمريكية على وجه الخصوص. على هذا الأساس فان إصرار تركيا دبلوماسيا وسياسيا إضافة إلى التعزيزات العسكرية التي أرسلتها لنقاط مراقبتها في الداخل السوري وعلى الحدود شكل حجر الزاوية الأول في تغير الموقف الروسي من عملية إدلب.

 

أضف إلى ذلك ما يمكن أن يكون قد تم خلف الكواليس من ثمن تم دفعه لروسيا لإقناعها بالكف عن مهاجمة إدلب والذي لم تعرف ماهيته بعد (ربما مزيد من الامتيازات والتسهيلات التجارية). هذا الثمن باعتقادنا، إن وجد فعلا، لم يكن سوى عاملا مكملا وليس حاسما في تغيير الموقف الروسي.

 

* الموقف الأمريكي والغربي المستجد من قضية إدلب حيث بدأ الحديث الغربي في الآونة الأخيرة عن عدم التسامح مع أي استعمال للأسلحة الكيميائية قد يقوم به النظام في هجومه على إدلب. وفي الحقيقة إننا نعتقد أن هذا ليس سوى ذريعة تمهيدا لتدخل أمريكي وغربي (فرنسي بريطاني وبما ألماني) فيما لو أقدم النظام والروس على مهاجمة إدلب. أما الأهداف الغربية فهي، وعلى عكس المعلن، لا تستهدف إنقاذ المحافظة، بل لمأرب أخرى فصلناها أيضا في مقالات سابقة.

 

استنادا لذلك فإن تلمس الروس لجدية النوايا الغربية في التدخل في سوريا وربما توجيه ضربات قاسية للنظام بحجة استعمال السلاح الكيميائي في إدلب جعلتها تعيد حساباتها مرتين قبل المضي قدما في دعم النظام في عملياته العسكرية. وهذا ما شكل حجر الزاوية الثاني في تغيير الموقف الروسي. فروسيا في الحقيقة لن تكون في وارد مواجهة الغرب عسكريا فيما لو قرر ضرب الأسد.. لذلك ومنعا للحرج قرر الروس "تأجيل المعركة" والأنحناء للعاصفة.

 

استنادا على ذلك فإننا لا نعتقد بأن الاتفاق الروسي التركي في إدلب سوف يرسم خطوطا مستدامة لحدود الصراع على سوريا. فبينما يكمن عامل التثبيت الأقوى وشبه الوحيد في الإرادة التركية التي تستهدف الحفاظ على هذا الاتفاق، إلا أنه لدينا مجموعة متكاملة من العوامل والظروف التي يمكن أن تؤدي إلى انهياره في أي وقت. فالروس ليسوا أهلا للثقة في الحفاظ على تعهداتهم والتزاماتهم من جانب. كما أنهم بارعون للغاية في اختلاق الذرائع حال أرادوا تغيير موقفهم.

 

أما من الجانب الأخر، فإن الاتفاق تم بين تركيا وروسيا تماشيا مع مصلحة البلدين الحالية، إلا أن هناك أطراف كثيرة على الأرض قد لا تكون مرتاحة لهذا الاتفاق الذي لن يحقق مصالحها، كإيران والنظام السوري على سبيل المثال (على الرغم من الترحيب المعلن بالاتفاق). ويبقى السؤال بالتالي متعلقا بقدرة الروس والأتراك على ضبط أطراف الصراع الميدانيين كل من جهته، وهذا في الحقيقة موضوع معقد وليس مضمونا على الأطلاق.

 

ثانيا.. ما هو مستقبل الحالة السورية في ضوء التطورات الأخيرة؟

على عكس ما يظن البعض، فإن الوضع في سوريا ليس متجها نحو تحقيق استقرار طويل الأمد وإن كانت هناك مؤشرات لحدوث "استراحة محارب" على المدى القريب. فكما أسلفنا، اتفاق إدلب هو اتفاق مرحلي، تماما كما وصفه وزير الخارجية الروسي سيرعي لافروف ورددها وراءه وليد المعلم وزير خارجية النظام السوري.  لذلك فإنه برأينا سيعود لواجهة الأحداث مجددا بعد فترة من الوقت، وهذه الفترة مرتبطة طولا وقصرا بالظروف والتطورات الدولية، إلا أنها برأينا لن تمتد لسنوات. والسبب في ذلك هو أنه لن يتم السماح لتركيا باستخدام عامل الوقت لتثبيت الوضع في إدلب وجعله تحت سيطرتها الكلية كما الوضع في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، لان ذلك سوف يعقد سيناريوهات التدخل في إدلب مستقبلا.

في المحصلة، إن الاستقرار في سوريا لن يكون مستمرا أو متماسكا حتى ولو استعاد النظام السوري السيطرة شبه الكاملة على جغرافيا البلد لأن سوريا تحولت مع كل الأسف إلى خاصرة رخوة تترجم على ملعبها صراعات الكبار. وفي هذا الإطار أصبحت ادلب اشبه "بمسمار جحا" الذي سيتم استخدامه كل ما دعت إليه الحاجة لإعادة توليد الصراع. أضف إلى ذلك بان محاولات تقاسم الكعكة وتوزيعها بين النظام وحلفائه لن تمر في أغلب الظن بسلام.

 

ودعونا لا نغفل التطورات الأخيرة المتعلقة بإسقاط نظام الدفاع الجوي السوري لطائرة روسية عن طريق الخطأ في معرض رده على غارة إسرائيلية على مناطق الساحل السوري في اللاذقية وما تبعها من إعلان روسيا اغلاق المجال الجوي في شرق المتوسط وتزويد النظام السوري بصواريخ اس 300 مع نظام دفاع أتوماتيكي. كل هذا قد ينذر بتطور الصراع فعليا في اتجاهات أخرى نظرا لأن إسرائيل أعلنت رفضها الكف عن ضرب أهداف في الداخل السوري بذريعة منع إيران من إقامة أي قواعد عسكرية نوعية على الأراضي السورية.

 

يبقى أن نذكر بأنه وعلى العموم، فإن منطقة الشرق الأوسط، وبحكم تركيبتها الجيوسياسية والديمغرافية، تشكل بطبيعتها كيانا مترابطا بشدة على المستوى الكلي. لذلك فلا يمكن أن نتخيل حدوث استقرار في أي بلد من بلدان المنطقة طالما أن هناك حريقا مشتعلا في بلد أخر. وعلينا أن نتذكر بأن انكسار العراق كان الفتيل الذي جر كل هذه الويلات على المنطقة.

 

أما اليوم فإننا وللأسف نرى الحرائق مشتعلة في كل مكان، سواء على المستوى الميداني أو على المستوى السياسي، من العراق إلى سوريا ومصر وليبيا واليمن عداك عن مشاكل دول مجلس التعاون الخليجي التي سببها حصار قطر والسياسيات المتهورة وغير المسؤولة لبعض قادته وأخبار صفقة القرن المشؤومة التي ستصب بالتأكيد الزيت على النار.. زد على ذلك بأنه وفي ظل هذا الوضع المشتعل فإننا لا نكاد نرى "إطفائيا" واحدا يحاول، ولو على استحياء، أن يخمد لهيب النيران.. بينما تدفع الشعوب الثمن الأغلى دائما من قوتها ومن دماء أبنائها.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع