..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

كيف يبث القرآن الكريم الطمأنينة والسكينة في النفوس؟

خالد روشه

14 ديسمبر 2017 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 322

كيف يبث القرآن الكريم الطمأنينة والسكينة في النفوس؟

شـــــارك المادة

 

نورانية لانهائية تلكم التي يترك آثارها القرآن في القلوب ، يوقظ البصيرة فتضىء بنور الحق ، وتستمد نورها من العقيدة الصافية النقية في توحيد الله سبحانه .

وفي حين تسيطر الأمراض النفسية , وأكثرها أمراض الاكتئاب الناتج عن كثرة الهموم والأحزان , فتثقل النفس , وتوهن القلب وتقعد الجوارح , حتى يصير المرء عاجزا كسلانا , مهموما , محزونا , لا يقدم شيئا إيجابيا لنفسه ولا لأسرته ولا لأمته ، فإن القرآن يقدم له العلاج ..

 

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يستعيذ من هذه الأمراض , كما أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم إني اعوذ بك من الهم والحزن و و أعوذ بك من العجز والكسل , وأعوذ بك من الجبن والبخل , وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ”

 

لقد علمنا الله سبحانه أن المستمسك بآياته , الموقن بها , المحب لها , الواثق في موعودها , سيعبر لحظات الضعف ولا شك ، وسيكسر آلام الهم .

ويعتمد العلاج القرآني ابتداء على تثبيت معاني الإيمان بتوحيد الله سبحانه ، وتنقية العقيدة ، ويدعو المؤمن به للإخلاص والصدق في أخذها.

وكذا يدعوه للإيمان باليوم الآخر ، ويكرر عليه مشاهده ليعيشها المؤمن رأي العين ، فتخبت نفسه ويخشع قلبه ويعمل لما بعد الموت .

ثم هو يبث الطمأنينة في القلب تارة بروعة الكلمات وأثر الآيات ذاتها وبركتها وفضلها ، وتارة بالتصريح بكونها تطمئن القلب ، ” ألا بذكر الله تطمئن القلوب ” كتأكيد وبيان ان ذكر الله تسكن معه القلوب , فتطمئن لموعود ربها , فتأمن من الخوف ومن الفزع .

 

والآيات تذكره بالأمان في معية الله ، فلا خوف إلا من الله , ولا رهبة إلا من عذابه , فتستقر الطمأنينة فيه ، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله ، فينجلي كل خوف , ويذهب كل ضعف , فتجد القلب مطمئنا ليومه , راضيا بأمسه , مستبشرا بغده , إذ اليوم متوكل على الله , وأمس راض بقدر الله فيه , وغدا مستبشر باليسر بعد العسر .

 

ولئن كانت الطمأنينة تخص ذات القلب , فالسكينة تخص الحوادث المارة على النفس , فيؤكد القرآن أنه " قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا " ، ويقول صلى الله عليه وسلم : ” ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول :قدر الله وما شاء فعل اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرا منها , إلا آجره الله فيها وأخلفه خيرا منها ” مسلم

 

وفي كتاب الله تثبيت في الحوادث والمصائب بالإنابة إلى الله والرجوع إليه سبحانه , قال سبحانه ” وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ”

 

ثم هناك نوع آخر من المشاعر والمفاهيم يبثها القرآن الكريم في المؤمنين ، ذاك مفهوم الثقة في الله ، يقوي به القلب ويثبت به النفس , فترى القلب تتضاعف قوته , وترى النفس قادرة على خوض غمار المصاعب .

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : لا حول ولا قوة إلا بالله لها أثر عجيب في تقوية القلب والجسد , والله سبحانه وتعالى في كتابه يقول ” الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ” , وقد أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يثق في موعود الله عز وجل ويوقن بذلك وأن ذلك كافيه وحسبه ذلك , فقال ” يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ”

 

والآيات في كل ذلك تدعو إلى الأخذ بالأسباب ، فراحة البال ينبغي أن تبنى على عمل ” وتلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ” , لا على تواكل أو على قعود , أو انطواء , لكنها مبنية بالأساس على الثقة بالله كما أسلفنا وكذلك بعد الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها .

 

قال سبحانه في كتابه حاكيا عن ذي القرنين ” ثم اتأع سببا ” , وقال” وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ” , وقال في موقف مريم الضعيفة بينما هي تضع مولودها : ” وهزي إليك بجذع النخلة ” , وقال في شأن موسى عليه السلام وهو بصدد معجزة غير مسبوقة : ” فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشره عينا ” .

 

ولكن الله عز وجل يعلمنا أيضا أنه ليس إعداد القوة ولا رباط الخيل ولا هز جذوع النخل ولا ضرب الحجارة بالعصا , ولا غير ذلك وحده كافياً للمؤمنين , بل كلها أسباب تفتقر إلى قوة العظيم القادر سبحانه .

 

 فيعلمنا أن الله إذا علم من عبده صدق اللجوء إليه واتخاذ الأسباب مع توكله الكامل عليه وبذل جهده القادر عليه وصبره ويقينه , أنه لا شك ناصره , ولذلك بشر الصالحين بأعظم بشرى فقال سبحانه : ” إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ”

 

وآيات القرآن الكريم تعالج هموم النفوس بطريقة مدهشة , عن طريق تذكير المؤمن بسمو هدفه ونبل قضيته , فكلما شعر المؤمن بعظمة ما هو بصدده , كلما هانت عليه الأحزان وصغرت أمامه العقبات .

 

وانظر إلى القرآن الكريم وهو يضرب لنا ذلك المثل في مؤمن سورة يس إذ دافع عن كلمة الحق ولم يبال بالأذي لأنه ينظر إلى سمو قضيته وعلو هدفه ، قوله تعالى : ” وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين ، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ، وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ، أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ، إني إذا لفي ضلال مبين ، إني آمنت بربكم فاسمعون ، قيل ادخل الجنة قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين”  سورة يس

 

إن نبل غايته أنساه البغضاء وأنساه الثأر حتى إنه لما رأى موعود ربه أحب لو أن الذين آذوه قد رأوا الحق وفهموا الصواب وتبينوا صدق المسيرة .

إنها طرائق علاجية قد بثت في كتاب الله العظيم وهي غيض من فيض , ونقطة في بحر شفاء من القرآن الكريم للنفوس والقلوب .

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع