..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

ما قبل الهزائم الكبرى – دروس من التاريخ (1)

عباس شريفة

30 مارس 2016 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 3686

ما قبل الهزائم الكبرى – دروس من التاريخ (1)
شريفة 0000 ابو تيم.png

شـــــارك المادة

مقتطف: عندما نلقي نظرة فاحصة على عوامل هزائمنا التاريخية الكبرى، نجد أن ضعف الملك والخلل في النظام السياسي, والذي صرفت له طاقات الدولة لتثبيت أركانه بعد أن فقد شرعيته وتحول لملك عضود حرم الأمة حقها في اختياره وكان من أهم أسباب الهزيمة. الغالب على البشر أنهم لا يعتبرون من تجاربهم الذاتية التي لا تخلو من التكلفة والمغرم، فوحدهم العقلاء وأولو الألباب من يتعظون من تجارب الآخرين قال تعالى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)

وقد قالوا من وعى التاريخ فقد أضاف لعمره أعمارا، ولخبرته خبرات الآخرين، وغاية علم التاريخ حتى يكون علما ومحل اعتبار، هو أن ندرك التاريخ كما كان، لا كما يجب أن يكون فننزع إلى التقديس والمثالية، ولا كما نحب أن يكون فننزع إلى الهوى ونخرج عن الموضوعية، وبذلك يصبح التاريخ لنا حافزا لا قيدا.

من هنا لا بد من وقفة متأنية مع هزائمنا العسكرية الكبرى التي أعقبها تحول في خطنا البياني الحضاري نحو الانحدار، وذلك بالوقوف على مقدمات هذا الانكسار قبل نتحسر على النتيجة المرة، فلا شك ولا ريب أن الهزائم العسكرية هي نتائج حتمية لمقدمات تسبقها، ولا شك أن للانتصارات الكبرى أيضا في تاريخنا مقدماتها الضرورية.

ومن المعلوم بالضرورة أن الهزائم العسكرية تسبقها هزائم وانكسارات في الأخلاق والاجتماع والسياسة والاقتصاد وكل شؤون الحياة، وكذلك هي الانتصارات العسكرية تسبقها انتصارات في كل شؤون الحياة.

فقد انهزم العرب أمام اليهود من سنة 1948 إلى سنة 1967 في حروب متتابعة، والسبب واضح فروح اللهو لا تغلب روح الجد، وفاقد الإيمان لا يقاوم من يتحركون بيقين راسخ ولو كان فاسدا، فالواقع يقول إن اليهود كسبوا معاركهم ضدنا منذ أفلح الغزو الثقافي في زحزحتنا عن ديننا٬ وتهوين قيمه ومثله وأحكامه أمام أعيننا، ومنذ أفلح في خلق شباب يقاد من غرائزه الجنسية٬ ويغرى بعبادة الحياة الدنيا وينسى ربه وآخرته.

يقول التاريخ إن شبيها لهذه المأساة وقع من تسعة قرون٬ فقد انهزم العرب أمام الحملة الأولى للصليبيين دون سبب معقول، لقد هبط الصليبيون من أوروبا إلى الشرق الأوسط وهم يجرون أقدامهم جرا، وبلغت بهم المجاعة إلى حد أنهم أكلوا الجيف٬ ولم تكن ظروفهم تمكنهم من كسب أي معركة، ومع ذلك فقد هزموا العرب موفوري القوة والعدة والصحة والشبع وذبحوا سبعين ألفا منهم في القدس، لأن العرب كانوا في حالة من الفرقة والبطر تحرمهم من رعاية الله٬ وتبعد عنهم النصر القريب، فعندما نلقي نظرة فاحصة على عوامل هزائمنا التاريخية الكبرى نجد أن ضعف الملك والخلل في النظام السياسي، والذي صرفت له طاقات الدولة لتثبيت أركانه بعد أن فقد شرعيته وتحول لملك عضود حرم الأمة حقها في اختياره وكان من أهم أسباب الهزيمة، فعلى سبيل المثال لم يشفع خروج (تشرشل وديغول) منتصرين متكبرين في الحرب العالمية الثانية لهم أمام شعوبهم التي كرهت كبرياءهم، فكان سببا لسقوطهما في الانتخابا.

أما في بلادنا، وفي نفس الوقت كان الناس يساقون أذلاء ليهتفوا باسم القائد الذي جر ذيول الهزيمة والذل على أمته وأغرق بلاده بالويلات.

ولعل تفرق الأمة إلى دويلات متناحرة، ولعن كل دولة لأختها وتمني البوار لخصومها وموالاتها مع الفرنجة على دولة مسلمة أخرى كما حدث في الأندلس، كانت سببا في جعلها لقمة سهلة أمام الفرنجة ومسببا في سقوط حكم المسلمين ودويلاتهم التي كانت تربو على العشرين دولة.

كما كان للصراعات المنهجية في التاريخ دورها أيضا، وخصوصا تلك التي عصفت بالمدراس الفقهية عند أتباع المذاهب والمشارب وانتشار الجدل وعلم الكلام حتى بين العوام مما حمل حجة الإسلام الغزالي على أن يكتب كتابه “إلجام العوام عن علم الكلام” متسائلاً فيه هل سمع أحد أن الصحابة رضي الله عنهم أثاروا مسألة الحمارية في الميراث أو مسألة المحيرة في الحيض وهم محاصرون في المدينة يوم الخندق؟

ومن أسباب الهزائم أيضا حب الدنيا وكراهية الموت والتفاف الناس على الدنيا والترف، ألم ندخل الأندلس عندما كان شعار الفاتحين (لا إله إلا الله والله أكبر) وخرجنا نجر أذيال الخيبة لما صرنا نغني:

دوزن العود وهات القدح.. راقت الخمر والورد صحى

وغلب علينا حب الدنيا وكراهية الموت وفقد الجيل صفات الفاتحين الأوائل من الجد والرجولة. وهنا يأتي السؤال الخطير هل أحوالنا العامة مشابهة لأحوالنا قبل حطين وعين جالوت و ملاذكرد ونهاوند؟

أم أنها مشابهة لأحوالنا قبل سقوط الأندلس وسقوط عاصمة العباسيين واجتياح الاستعمار الحديث لبلادنا؟

الجواب له ما بعده، فلنتفكر فإن التاريخ لا يرحم وسنن الله لا تحابي حتى الأنبياء.

قال تعالى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) (فاطر 43).

 

 

العهد

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع