..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

من قواعد الفقه السياسي في السيرة النبوية الجزء (2) القيادة الميدانية والقيادة عن بعد (23)

عباس شريفة

17 سبتمبر 2015 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 2735

من قواعد الفقه السياسي في السيرة النبوية الجزء (2) القيادة الميدانية والقيادة عن بعد (23)
شريفة 009.jpg

شـــــارك المادة

كثيراً ما يطرح سؤال أيهما أفضل، القيادة المنهمكة بالعمل الميداني عن كثب أم القيادة التي تدير الدفة عن بعد وتكتفي بالإرشادات العامة، والحقيقة أن الأمر عائد إلى المصلحة والفاعلية التي تحققها كل من الطريقتين:
أ - ففي الوقت الذي تشح فيه الكوادر ويمكن أن تتعرض الجماعة للفراغ القيادي يجدر بها أن تحافظ على قيادتها لما لذلك من أثر في تخلخل الجماعة حال فقد القائد الضرورة وقد رأينا كثيراً من الجماعات دفعت قياداتها إلى الواجهة فلما فقدوهم صاروا على ذلك من النادمين.
وفي السيرة النبوية كانت قيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- للمعركة من العريش يوم بدر دون الاشتراك بالقتال وقد حرص الصحابة على حماية القائد و تأمين مقر القيادة:
فقد قال القائد الإسلامي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ – مبينًا أهمية تأمين سلامة القائد والقيادة-: "يَا نَبِيّ اللّهِ، أَلا نَبْنِي لَك عَرِيشًا [من جريد] َتكُونُ فِيهِ نُعِدّ عِنْدَك رَكَائِبَك [أو رواحلك]، ثُمّ نَلْقَى عَدُوّنَا، فَإِنْ أَعَزّنَا اللّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوّنَا، كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ كَانَتْ الْأُخْرَى، جَلَسَتْ عَلَى رَكَائِبِك، فَلَحِقَتْ بِمَنْ وَرَاءَنَا، فَقَدْ تَخَلّفَ عَنْك أَقْوَامٌ -يَا نَبِيّ اللّهِ- مَا نَحْنُ بِأَشَدّ لَك حُبّا مِنْهُمْ! وَلَوْ ظَنّوا أَنّك تَلْقَى حَرْبًا مَا تَخَلّفُوا عَنْك، يَمْنَعُك اللّهُ بِهِمْ يُنَاصِحُونَكَ وَيُجَاهِدُونَ مَعَك" [السهيلي 3 / 63].
فَأَثْنَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرِ. وقال مبشرًا: "أو يقضي الله خيراً من ذلك يا سعد!" [الواقدي 1/17]
ثُمّ بُنِيَ لِرَسُولِ اللّهِ -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- عَرِيشٌ على تل مرتفع يشرف على ساحة القتال استجابة لمطلب سعد –رضي الله عنه-.
وكان فيه أبو بكر، ما معهما غيرهما [ابن الأثير: أسد الغابة 2 / 143].
كما تم انتخاب فرقة من جنود الأنصار بقيادة سعد بن معاذ لحراسة مقر قيادة حضرة النبي -صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ- [انظر: ابن هشام 2/233].
ب - أما في الحالة التي يكتمل فيها بنيان الجماعة وتغتني بالكوادر وتضعف همة البعض عن العمال بسبب غياب القيادة فيحسن أن تكون القيادة ميدانية وربما في الخط الأول لتحميس الهمم القاصرة.
روى مسلم (1776), عن البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنه- قال: "كنا إذا اشتدَّ البأسُ، وحميَ الوطيس، استقبلنا القوم بوجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن الشُّجاع منا ليُحاذي الذي يحاذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن العباس -رضي الله تعالى عنه- قال: شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حنيناً، قال: فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فلزمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم نفارقه، وهو على بغلة شهباء، أهداها له فروة بن نعامة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض ببغلته قبل الكفار. قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها، وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغرزِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس نادي أصحاب السمُرة. قال: وكنتُ رجلاً صيتاً، فقلتُ بأعلى صوتي: أين أصحاب السمُرة. قال: فو الله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقَر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، وأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار، فنادَت الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الداعون على بني الحارث بن الخزرج, فنادوا يا بني الحارث بن الخزرج. قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا حين حميَ الوطيس.
وبذلك ندرك متى يجب أن تكون القيادة ميدانية ومتى يحسن أن نحافظ على القيادات ولا نسترخص بها
وأن الأمر لا يخضع للعواطف والمزايدات.

 

 

صفحة الكاتب على فيسبوك

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع