..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الداخل والخارج في معادلة الانتصارات السورية

حمزة المصطفى

١ ٢٠١٥ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1866

الداخل والخارج في معادلة الانتصارات السورية
00.jpg

شـــــارك المادة

تكثر التحليلات والتفسيرات والآراء عن الأسباب الذاتية والموضوعية للانتصارات التي حققتها فصائل ثورية وإسلامية وجهادية في محافظة إدلب وسهل الغاب في ريف حماه مؤخراً. وللأسف، تأتي معظمها متسرعة وتميل لتكرار ما يردده مغردون وإعلاميون قريبون من أنظمة ودول فاعلة ودعاة ورجال دين وكتاب غربيين.

إذ تركز معظم التحليلات المقدمة على دور الخارج في دعم ودفع الداخل لتغيير موازين القوى القائمة. وإذا كان هذا المعطى صحيحاً نسبياً، فإنه خاطئ إذا ما نظرنا للصورة بعموميتها.

لا يمكن لأحد أن يتجاهل تغيرات الإقليم وتداعياتها على الملف السوري لجهة زيادة الفاعلية والتنسيق التركي القطري، وحصول التقاء سعودي – تركي أزال الالتباس القائم، وخفف من حالة الاستقطاب التي كانت قائمة ضمن المعارضة السياسية وشقها المسلح. لكن ما سبق كان بمنزلة عامل مساعد لعاملين أهم برزا على الساحة منذ بدايّة عام 2015، وكان لهما الدور الأكبر في الانتصارات النوعية التي تحقق وفق الآتي:

انتهى العام السابق، والنظام في أوج انتصاراته، فقد حقق تقدما مهما في جبهات حلب، ولا سيما في حندرات، وكاد يطبق الحصار على مناطق سيطرة المعارضة بعد اقترابه من طريق الكاستيلو شريان الإمداد الرئيس والوحيد من الريف إلى المدينة. تزامن ذلك مع اندفاع تنظيم الدولة لقضم مساحات ومناطق جديدة في ريف حلب الشماليّ بالقرب من إعزاز ومارع، ومع مواجهات مسلحة جرت بين جبهة النصرة وفصائل أخرى كجبهة ثوار سورية وحركة حزام.

الاختراقات السابقة للنظام وصراعات الفصائل المسلحة جاءت في مرحلة حساسة خارجياً؛ إذ برزت تصريحات ومواقف سياسية عدة تهادن نظام الأسد وتدعو في بعض الأحيان للتفاوض معه إن لم يكن اعتماده شريكاً في مكافحة الإرهاب. ما الذي جرى إذن، وقلب المعادلات رأساً على عقب؟

كلمة السر السحريّة، والتي كان مؤيدو الثورة وما يزالون يطالبون بها، هي التقاء الفصائل مع بعضها لأول مرة في إطار تنظيمي وعسكري موحد تنسق عملياتها وتمنع تفرد النظام بها كما كان يحصل دائماً. في حلب، تشكلت الجبهة الشاميّة على وقع التهديد الوجودي لها ولنفوذها، فدخلت في مواجهات سريعة وحاسمة مع النظام والميليشيات الإيرانية، واستطاعت إعادة ما كسبه النظام من مناطق خلال عام كامل. وبزوال الخطر والتهديد، التفتت فصائل الجبهة الشامية من جديد إلى خلافاتها وتبايناتها، فكان مصيرها كمصير المشاريع السابقة، وانفرط عقدها وهدأت الجبهات من جديد. لقد حضر الدعم الإقليمي في حلب، وإن كان قليلاً، وساعد على تحقيق إنجازات عسكريّة، لكن العامل الأهم تمثل بالتقاء الإرادات وتجنيب أو تأجيل الفصائل لخلافاتها الأيديولوجية.

أما في إدلب، وبعد نجاح جبهة النصرة والأحرار في إكمال المعركة الطويلة التي بدأتها فصائل الجيش الحر في وادي الضيف ومعسكر الحامدية، بدأ التفكير ملياً بتحرير المحافظة ككل، فتشكل جيش الفتح الذي ضمهما مع فصائل أخرى تتباين في التوجهات السياسية والفكرية، وتأسست غرفة عمليات عسكريّة نجحت في تحقيق ما يؤكد عليه العسكريون دائماً “القيادة والسيطرة”؛ فامتلكت زمام المبادرة وانطلقت في عملياتها.

والجدير بالذكر أن تشكيل جيش الفتح جرى في ذروة الخلافات والتباينات بين الفصائل المشكلة له، وقد برزت هذه الخلافات بشكل أوضح على إدارة المدنية بعد تحريرها، وكادت تطيح بالتجربة برمتها لولا نجاح الفصائل في تجاوزها والتركيز على البعد العسكريّ. توافرت في جيش الفتح كل مقومات الانتصار العسكري؛ قوة بشرية مدربة ( 12 ألف جندي)، إسناد مدفعي ( دبابات ومدافع محلية الصنع)، وإسناد ناري وصاروخي ( تاو)، وانغماسيين وقوات نخبة.

ما من شك أن الدول الإقليمية السابقة رحبت بتجربة جيش الفتح وبالتقاء الفصائل تحت رايته بعد أن كانت بعضها تعارض مثل هذا الالتقاء، ووفرت بعض الدعم العسكريّ التقليدي، لكن لم يقدم أي دعم نوعي من شأنه أن يحسم المعركة دون المجهود الاستثنائي والأسطوري الذي حققته الفصائل.

من جهة أخرى، أدى فشل حلفاء النظام في حصار مدينة حلب، ونجاح فصائل المعارضة في الجنوب في تحقيق إنجازات عسكرية هامة هددت محيط دمشق البعيد في تغير التكتيك العسكريّ لإيران، فأعادت انتشار مقاتليها والميليشيات الطائفية المرتبطة بها وجرى الزج بهم  في الجنوب لمنع تقدم المعارضة هناك؛ وهو ما خلق ثغرة في تحصينات النظام في الشمال. لقد تآكلت قوة النظام العسكريّة على مدار السنوات الأربع الماضية، وأضحى جيشه مهزوزاً لا يستطيع تحقيق أي إنجاز عسكري دون دعم لوجستي وعسكري مباشر من قبل حزب الله والعناصر الإيرانية.

وكما هو الحال في كل المعارك التي تنحصر بين الجيش النظامي والمعارضة المسلحة، كان الحسم مؤكداً لصالح الأخيرة، لكن تنسيق الجهود وتضافرها جعله هذه المرة سريعاً ونوعياً.

إن جلد الذات والتقليل من أهمية دور الدخل في تحقيق الانتصارات تكاد تكون خاصية سورية بحتة مقارنة بحالات مشابهة، فجميع العيون تسلط نحو الخارج، وعادة ما تنسب له الإنجازات ويحمل نتيجة الهزائم. لكن مقومات النصر والهزيمة هي مقومات داخلية أساسًا يلعب فيها الخارج الداعم للثورة دوراً محدوداً، ليس إلا.

 

 

التقرير

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع