..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

جبهة النصرة.. والجدل الثوري

داشاي

23 نوفمبر 2014 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 2938

جبهة النصرة.. والجدل الثوري
النصرة 0.jpg

شـــــارك المادة

لم أكن أريد الحديث منذ زمن طويل، لولا أن الجميع يتحدث، فلئن كان حديثي نافعا فهذا ما رجوت، وإن كان باطلا فليس هو حديث رأس مطاع ليضرّ، ولا حديث علم من الأعلام. فليعده القارئ حينها من جملة الغثاء الذي ازدحم وعمّ وطم..وأما الزبد فيذهب جفاءً.

 

صارت جبهة النصرة (تنظيم القاعدة في بلاد الشام) مع تسارع الأحداث الأخيرة حديث القاصي والداني هذه الأيام، من محب ومبغض، ومتخوف ومتوجس، وناقد ومجرح.

فمن قائل أن النصرة ستؤول لداعش، فهي خطر ووبال على الثورة، وهذا رأي طائفة من الثوريين وغيرهم.

ومن مبرئ للنصرة تمام التبرئة من الجهاديين.

ومن متوجس من تصرفات وسياسة النصرة في الآونة الأخيرة، من قادة الكتائب الجهادية الشامية أمثال أحرار الشام وغيرها.

وقد لاحظت أثناء متابعتي لصفحات بعض الناشطين الإعلاميين الثوريين ذوي الشعبية التي لا يستهان بها امتعاضهم من النصرة، ولاحظت أيضا أن شعبية الجبهة تراجعت بشكل ملحوظ..

أقول، يمكننا استعراض مسيرة جبهة النصرة في عدة محاور.

المحور الأول: قبل إعلان التمدد

كانت الجبهة حينها مشتغلة بالنظام النصيري ومحط ترحيب من عامة الشعب وحفاوة، ونكايتها في النظام واضحة جلية للمتابع، ولا ينسى الناس تلك الجمعة التي هتف فيها الثوار ضد قرار تصنيف جبهة النصرة على قائمة الإرهاب.

المحور الثاني:ما بعد إعلان تمدد داعش

تعرضت الجبهة لانهيار كبير في صفوفها الداخلية لولا الله ثم وقفة أحرار الشام معها، فقد وقف معها الأحرار وقفةً لا يعرف كواليسها الكثير، حتى عادت للجبهة بعض قوتها شيئا فشيئًا.. وحتى صدر حكم د. أيمن فعاد بعض من هاجر هجرةً عكسية لداعش إلى أحضان الجبهة من الشباب الجهادي.

المحور الثالث: المعركة مع داعش

أبلت الجبهة بلاءً حسنًا في قتال خوارج داعش بعد استبانة أمرهم للكتائب الشامية، وقدمت أكثر من ألفي شهيد لقتال الخوارج، وتوالت المعركة الميدانية في دير الزور.. والمعركة الشرعية ضد حجج الخوارج فأصدرت الجبهة كتبًا للتأصيل الشرعي ضد إعلان التمدد، مثل كتاب "الرد على رؤية الدولة" لأبي الليث الأنصاري، وتولى أبو مارية القحطاني الشرعي السابق للنصرة إصدار بيانات وكتب كثيرة في محاربة الفكر الداعشي الخارجي وغيره من رموز الجبهة الشرعية.

المحور الرابع: ما بعد معركة دير الزور

حدثت في الجبهة تغيرات غير حسنة بعد معركة دير الزور وانتهائها لصالح داعش، فتمت إقالة رأس حرب الغلو فيها أبي مارية من منصبه، وتعيين الدكتور سامي العريدي في مكانه.

والدكتور سامي هو من خط الجهاديين الأردنيين، وهذا الخط جر على النصرة المتاعب والتخبط بضيق فهمهم للسياسة الشرعية الحسنة، يظهر هذا جليا في تعسف الدكتور بالرد على توقيع الأحرار على ميثاق الشرف الثوري، ونلاحظ حينها صدور تغريدات من أبي مارية تطمئن الشباب بحسن ظنه بالأحرار، وأن الأحرار إخواننا ولم يريدوا إلا خيرا..

مما يعني تباينا واختلافا في رؤيتي من شغلوا منصب الشرعي العام للنصرة، يفهمه ويدركه من يتتبع الخط العام لطرحهما.

وتغير خط الشرعي العام لجماعة يعني تأثيرا كبيرا على سيرها وسير شبابها، لمركزية هذا الدور وأهميته.

بعد رد الدكتور سامي كتب الشيخ أبو عبد الملك الشرعي ردا شرعيا مؤصلا حسنا شافيا يشرح فيه استشكالات الدكتور بعنوان (نصح ونصرة لجبهة النصرة)، وكتب الشيخ شادي المهدي ردًا جميلا حسنا في مقال (الجهاد الشامي مآلات واجتهادات) وكان مضمون مقاله الرد على توجسات الجهاديين من الموافقة على ميثاق الشرف.

ورغم ذلك كتب الدكتور سامي ردا عجيبا على رد أبي عبدالملك، تعسفه واضح كسابق رده الأول، وهذا يدللنا على أفق الشرعي العام لهم، فعندما يتولى أمر جماعة جهادية شرعي تضيق لديه مساحات الفهم لضرورة الاصطفاف على المتفق عليه مع مكونات الثورة الأخرى، فلا عجب أن تكون مساحات الانطلاق عند جنوده أضيق وأضيق.

والفقيه هو الثقة الذي يفتي بالرخصة أما التشديد فكل يحسنه كما قيل. على أن التوقيع على ميثاق الشرف ليس ترخصا بل هو عين الواجب في حشد الصفوف والاصطفاف مع كل مكون من مكونات الثورة على ما نتفق عليه ضد الحلف النصيري الرافضي.

كانت هذه المرحلة غير مبشرة بخير ولكنها أقل خطرا من المرحلة التي تلتها!

المحور الخامس: تعيين سعد الحنيطي قاضياً عاماً للجبهة

كانت هذه المرحلة عبارة عن اختراق داعشي صريح للجبهة من المدعو الحنيطي، وليس العجيب أن ينشق جنود وأفراد من النصرة إلى داعش، إنما المذهل والعجيب أن ينشق صاحب منصب رفيع يخوله الاطلاع على كثير من الخبايا إلى خصمك اللدود، وقد أحدث الحنيطي فسادا عريضا أثناء توليه لمنصبه عبر دور القضاء، وكان قادة الأحرار على تضايق منه وتوجس كبير، حتى صدّق الله ظنونهم بعد استشهادهم لينشق المدعو عن النصرة إلى داعش.

وهنا أمر مهم: كانت تغريدات الحنيطي مكتنزة بالجهل والغلو قبل انشقاقه، مما يعني وجوب وضوح أمره عند قيادة النصرة، فكيف تغاضت عن هذا لتستمر في توليته هذا المنصب الكبير؟

المحور السادس: ما بعد ضربات التحالف

بدأت سيطرة تيار معين من القادة العسكريين على مفاصل النصرة، وهم القادة الأردنيون بعد بدء الخطة الداعشية بتدمير النصرة عن طريق اغتيال خيرة قادتها الشاميين مثل أبي محمد الفاتح ويعقوب العمر وغيرهم.

وبصراحة شديدة، وبدون تعصب جاهلي إطلاقا، لو أرادت النصرة إصلاح حالها فيجب عليها إبعاد الخط السلفي الجهادي الأردني عن مفاصل قرارها فورا، فهذا الخط متزمت، ولا يفقه في السياسة الشرعية الكثير، وتعيين أهل التشديد على الناس في مناصب كبيرة يضر بالجماعة ويجنح بها نحو خط غير منضبط.

والصواب هو إيجاد بديل من أبناء سوريا أنفسهم وليست هذه دعوى الجاهلية لمن سيهرف بما لا يعرف، فمن حسن الفقه والبصيرة عدم تنحية رؤوس قوم عن قومهم، وسياسة الناس بما يقبلونه ولا ينفرون منه.

ولو أن رجلا عدا على بيته لص فاستنجد بجاره ليساعده، وبعد مجيء الجار قال: أنا سأتولى إدارة بيتك لأني أكثر كفاءةً منك، لكان فعله وقاحة محضة، والأوقح منها أن يشاهدهم ثالث فينسب هذا الفعل للشريعة.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم إليه الأقوام فيستبقي رؤوسا منهم لتعليمهم ثم يرسلهم إلى أقوامهم ليتولوا سياستهم وإرشادهم، وكل ما من شأنه تأليف قلوب المسلمين لمن يشغب، فهو مطلوب شرعا، فالشريعة التي جاءت بفرض نصيب من الزكاة للمؤلفة قلوبهم وهم كفرة، من البهتان عليها ادعاء أن مقصد تأليف قلوب المسلمين ليس من مقاصدها ومن تأليف قلوب أهل كل مصر من الأمصار، سياستهم برؤوسهم وأبنائهم.

جدل البيعة للقاعدة:

كثر الحديث حول بيعة النصرة لتنظيم القاعدة، والحقيقة أن البيعة للقاعدة تفيد من جهات، وتضر من جهات، وبيان ذلك كالتالي:

1-عند بدء إعلان داعش كان من المفيد وجود منافس تنظيمي يتعسكر حوله الشباب الجهادي، فالكثير منهم ما زال ملبوسا بعقد البيعات ولا يسعه أن يبايع الأحرار مثلا.. لعدم حصولها على التعميد بماء القاعدة المقدس! فكان وجود فرع للقاعدة مفيد في استقطاب الشباب الجهادي بعيدا عن محرقة التفخيخ والتفجير في المسلمين.

2- وجود القاعدة يعطي مساحةً لسقف معين للجبهة الإسلامية مثلا، لطرح مشاريعها السياسية الإسلامية، لنفهم هذه النقطة، لو لم يكن موجودا إلا الجبهة الإسلامية والجيش الحر، لكانت الجبهة الإسلامية هي المستبعدة وكان الجيش الحر هو الذي يستطيع التحرك وفرض قراره السياسي، ولو لم يكن موجودا إلا الجيش الحر والائتلاف، لكان الجيش الحر هو المستبعد والائتلاف هو الذي سيتحرك. فوجود جهات أكثر صدامية مع الغرب يفيد الجهات التي تتبنى القتال القطري والمسايسة مع دول الجوار لبناء مشروعها.

وعلى كل حال تبدو هذه النظرية الرياضية بعيدة المنال، فالذي لا شك فيه أن ضرر وجود جماعة مرتبطة بالقاعدة في ثورة شعبية أكبر من نفعه.

ليس الشعب السوري هو طالبان التي قبلت بمكوث القاعدة، وليس الشعب السوري هو الملا عمر الذي رفض تسليم أسامة بن لادن وضحى بملكه وقاتل من أجل هذا المبدأ، الشعوب لا يجوز تحميلها ما لاتحتمل من عزائم المواقف والالتزامات الثقيلة، وعلى ذكر الملا عمر، فقد ألجأته الأيام بعد عقد من الحرب إلى أن يصدر بيانات صريحة تفيد أنه لن يسمح باستخدام بلاده كنقطة انطلاق لتهديد (الغرب)!!

فعلام يعيب العائبون تضايق الشعب من وجود جهة تجيد إطلاق التهديدات العابرة للقارات، كما فعل الشيخ أبو فراس السوري بعد ضربات التحالف.

3- ليس المطلوب هو رحيل القاعدة ولن يطالب أحد بهذا ويكون قد طالب بأمر معقول، إنما المطلوب بوضوح هو فك الارتباط عن التنظيم العالمي وهذا الطلب بعينه أشار إليه الدكتور أيمن الظواهري، وأصدر أمرا للنصرة بفك ارتباطها بالقاعدة والدخول في مشروع الجبهة الإسلامية أيام حياة الشيخ أبي خالد السوري ولكنها رفضت، وقد صرح الشيخ أيمن أنه لم يكن يريد إعلان وجود فرع للقاعدة في الشام، وهذه النقطة تحسب له ويشكر عليها وتدل على نفسٍ تريد الخير لأهل الشام بعيدا عن الانتماءات الحزبية.

وقد لمح الشيخ أيمن بشكل واضح يفهمه كل سامع في رسالة صوتية له لمجاهدي الشام، أن أي تجمع إسلامي يجب على المجاهدين الارتباط به ولو أدى ذلك لإلغاء ارتباطاتهم التنظيمية، فلم يسمع نصيحته أحد للأسف.

4- عقب تجاوز مرحلة إعلان داعش التي التبس فيها أمرها على الشباب الجهادي وصار إجرامهم واضحا لكل ذي بصيرة، تلك المرحلة التي كان من المفيد فيها وجود فرع قاعدي يستقطب الشباب، أصبح الآن فك الارتباط بالقاعدة ضرورة لمن يهمه حقن دماء مسلمي الشام وتجنيبهم ويلات تكالب الأمم، خاصةً وأنها ثورة شعبية، والثورات لا تتحمل ما يتحمله البلد المتعرض لغزو خارجي فهي قرار داخلي من الشعب نفسه على عكس الغزو، والآن لو فكت النصرة ارتباطها بالقاعدة فلن يكون انشقاق من ينشق عنها من الشباب إلى صالح داعش وقد استبان إجرامها، لن يكون هذا الانشقاق إلا حالةً صحيةً لها وتنقيةً لصفوفها من المتزمتين ضيقي الأفق الذين لا يتصورون نصرة الإسلام أن تتم إلا عبر طقوس تنظيمية معينة ما أنزل الله بها من سلطان..

حول النصرة وداعش:

أرجو لجبهة النصرة صلاح الحال، ومن المعيب ما نجده من بعض الثوريين من جحود لجهود لهذه الجبهة المجاهدة، وإنكار جهادها وحسن بلائها في الدفاع عن المسلمين، وتسويتها بداعش الإجرام.

كيف وهي من كانت رأس حربة في قتالهم وضحت بمئات من خيرة جنودها في صد تغولهم على الشعب.

أقول للناقدين الغاضبين:

لا تعينوا الشيطان على إخوتكم، لا تدفعوا بإخوتكم إلى أحضان داعش بإنكار جهادهم وشيطنتهم وكأنهم عصابة لم تجلب إلا الويلات للشعب السوري، ما هذا سبيل المصلحين، إن كانت جبهة النصرة فيها كذا وكذا من الملاحظات فأنتم تعلمون جيدا أن جل الكتائب لا تخلو من معايب ومثالب وتعديات وكوارث.

للتو قتل منتسبون لحركة حزم قياديا في أحرار الشام لأنه (أنكر) على من سب الله تعالى، أتساءل لو أن الجبهة قتلت رجلا بتهمة الردة -افتراضا-، كيف سيكون الرد؟

وما الفرق بين قتل رجل بتهمة الردة (قتله زورًا) وبين قتل رجل لأنه أنكر مجرد إنكار على من سب الله تعالى؟

فالمقصود أنه إن كان هناك من نخشى جنوحهم للغلو، فهناك من تعدوا على الناس في دينهم من الكتائب الفاسدة.

والواجب النصح والنقد بعدل وإنصاف، دون تفريط ولا إفراط.

هذا والله أعلم، وما قلت من خطأ فمن نفسي والشيطان وما قلت من صواب فمن الله وحده.

اقرأ ايضاً

المصادر:

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع