..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

من فقه الجهاد والقتال

أنور قاسم الخضري

20 سبتمبر 2014 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1422

من فقه الجهاد والقتال
أستاذنا القدير 00_0.jpg

شـــــارك المادة

(1)
الجهاد خلاف القتال بينهما معنى مشترك لكن لكل منهما معنى آخر مستقل. فبينهما خصوص وعموم. ومن ثم فللجهاد أحكامه وشروطه وللقتال أحكامه وشروطه؛ والخلط بينهما يؤدي لأخطاء جسيمة.

 

 

 (2)

الجهاد يكون باللسان واليد والسنان؛ والقتال لا يكون إلا بالسيف. والجهاد موضوعه إزالة كل سلطة يقف أمام انتشار الدعوة ودخول الناس في دين الله أفواجاً، أو دخولهم تحت شرعه.

(3)

القتال مقصوده غالباً المدافعة والمقابلة، وقد يكون مع المسلم الباغي كما يكون مع المحارب الكافر.
فهو قتال بموجب قتال: ((وقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ولَا تَعتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المـُعتَدِينَ؛ واقتُلُوهُم حَيثُ ثَقِفتُمُوهُم وأَخرِجُوهُم مِن حَيثُ أَخرَجُوكُم والفِتنَةُ أَشَدُّ مِن القَتلِ ولا تُقَاتِلُوهُم عِندَ المـَسجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُم فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُم فَاقتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ)) ثم قال: ((فَإِنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)).
وهو قتال ضد المحتل والغاصب: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى المـَلَإِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن بَعدِ مُوسَى إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكًا نُقَاتِل فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَل عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا ومَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقَد أُخرِجنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبنَائِنَا)).. ((فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وأُوذُوا فِي سَبِيلِي وقَاتَلُوا وقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنهُم سَيِّئَاتِهِم ولَأُدخِلَنَّهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتِهَا الأَنهَارُ ثَوَابًا مِن عِندِ اللَّهِ واللَّهُ عِندَهُ حُسنُ الثَّوَابِ)).
وهو قتال لحماية البيضة: ((ولِيَعلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُم تَعَالَوا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادفَعُوا قَالُوا لَو نَعلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعنَاكُم)).
وهو قتال لنصرة المظلوم ونجدة المستضعفين في الأرض: ((وَمَا لَكُم لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُستَضعَفِينَ مِن الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخرِجنَا مِن هَذِهِ القَريَةِ الظَّالِمِ أَهلُهَا وَاجعَل لَنَا مِن لَدُنكَ وَلِيًّا واجعَل لَنَا مِن لَدُنكَ نَصِيرًا؛ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَولِيَاءَ الشَّيطَانِ إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا))، وهو وإن كان للمسلم وغير المسلم لكنه للمسلم أعظم فرضاً: ((إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَموَالِهِم وأَنفُسِهِم فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آَوَوا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ والَّذِينَ آَمَنُوا ولَم يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلَايَتِهِم مِن شَيءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وإِنِ استَنصَرُوكُم فِي الدِّينِ فَعَلَيكُمُ النَّصرُ إِلَّا عَلَى قَومٍ بَينَكُم وبَينَهُم مِيثَاقٌ واللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ بَصِيرٌ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ إِلَّا تَفعَلُوهُ تَكُن فِتنَةٌ فِي الأَرضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ)).

(4)

القتال مقصوده غالباً المدافعة والمقابلة، وقد يكون مع المسلم الباغي كما يكون مع المحارب الكافر.
فهو قتال ضد كل من يسعى في الأرض فساداً ويهدم السلم والأمن: ((إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَومٍ بَينَكُم وَبَينَهُم مِيثَاقٌ أو جَاءُوكُم حَصِرَت صُدُورُهُم أَن يُقَاتِلُوكُم أو يُقَاتِلُوا قَومَهُم ولو شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُم عَلَيكُم فَلَقَاتَلُوكُم فإِن اعتَزَلُوكُم فلَم يُقَاتِلُوكُم وأَلقَوا إِلَيكُمُ السَّلَمَ فمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُم عَلَيهِم سَبِيلًا))؛ ثم قال: ((فَإِن لَم يَعتَزِلُوكُم ويُلقُوا إِلَيكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أَيدِيَهُم فَخُذُوهُم واقتُلُوهُم حَيثُ ثَقِفتُمُوهُم وأُولَئِكُم جَعَلنَا لَكُم عَلَيهِم سُلطَانًا مُبِينًا)).
وهو قتال لصد أي فتنة عن المؤمنين يقوم بها الخصم بقوة الحديد والنار: ((كَيفَ يَكُونُ لِلمُشرِكِينَ عَهدٌ عِندَ اللَّهِ وعِندَ رَسُولِهِ.... ثم ذكر من أوصافهم: ((إِن يَظهَرُوا عَلَيكُم لَا يَرقُبُوا فِيكُم إِلًّا ولا ذِمَّةً))، و((صَدُّوا عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُم سَاءَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ؛ لا يَرقُبُونَ في مُؤمِنٍ إِلًّا ولَا ذِمَّةً وأُولَئِكَ هُمُ المـُعتَدُونَ))، ((وإِن نَكَثُوا أَيمَانَهُم مِن بَعدِ عَهدِهِم وطَعَنُوا فِي دِينِكُم فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفرِ إِنَّهُم لَا أَيمَانَ لهُم لَعَلَّهُم يَنتَهُونَ؛ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَومًا نَكَثُوا أَيمَانَهُم وهَمُّوا بِإِخرَاجِ الرَّسُولِ وهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ))، ثم قال بعد هذه الحيثيات والأسباب: ((قَاتِلُوهُم يُعَذِّبهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُم ويُخزِهِم ويَنصُركُم عَلَيهِم ويَشفِ صُدُورَ قَومٍ مُؤمِنِينَ؛ وَيُذهِب غَيظَ قُلُوبِهِم)).
وهو قتال لصد أي هجوم على المسلمين من منطلق أنهم أمة واحدة: ((وقَاتِلُوا المـُشرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُم كَافَّةً وَاعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المـُتَّقِينَ))، ((فَقَاتِل فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفسَكَ وَحَرِّضِ المـُؤمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا..)).
وهو قتال للباغي المسلم إذا لم يرجع لرشده ويخضع للصلح: ((وَإِن طَائِفَتَانِ مِن المـُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا فَإِن بَغَت إِحدَاهُمَا على الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَت فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا بِالعَدلِ وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المـُقسِطِينَ))؛ وقال تعالى: ((الشَّهرُ الحَرَامُ بِالشَّهرِ الحَرَامِ والحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم واتَّقُوا اللَّهَ واعلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المـُتَّقِينَ))، وهي وإن كانت في الكفار لكن العلماء يستدلون بها على العموم.

(5)

ينتهي القتال بانتهاء أسبابه المباشرة: ((فَإِنِ انتَهَوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؛ وقَاتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فلَا عُدوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)).

(6)

إنّ القتال مشروع مع البر والفاجر، والمؤمن والكافر، لتحقيق مقاصده، لأنّ المقصود ردّ العدوان بكل ما يمكن تحقيقه. لذلك وُجدت الأحلاف في الجاهلية وأجاز الإسلام مثلها. قال عليه الصلاة والسلام: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت).

فهو قتال لا يشترط فيه أن تكون القيادة فيها خالصة للمسلمين، ولا أن يكون المقاتلون فيها مسلمين جميعهم، ولا أن يكون المـٌقَاتَلُ لأجله مسلماً. فلو فرضنا أنّ الرسول دعي من قبيلة مشركة لنصرتها على من ظلمها وهو في حلف كحلف الفضول، لأجاب للنصرة وأقام العدل وردع المعتدي. ومعلوم أنّ الأحلاف لا يخضع فيها طرف لطرف.
و"صحيفة المدينة" التي سنّها الرسول –صلى الله عليه وسلم- أول نزوله المدينة، تضمّنت مفهوم الدفاع المشترك مع مشركي الأوس والخزرج وغيرهم ممن كان في المدينة، ويهود المدينة، للدفاع عن المدينة تجاه أي عدوان. ومعلوم أنه لم يشترط عليهم للدفاع عن المدينة الإسلام، ولا أدخلهم جميعا في دينه ولا في طاعته.

بل كان لكل قبيلة سيدها ومطاعها، وكانت بينهم أحلاف قائمة. ولم يكن دخل في دين الرسول –صلى الله عليه وسلم- وطاعته بادئ دخوله المدينة إلا غالب بيوت الأوس والخزرج الذين بايعوه؛ وكثير ممن سواهم من العرب كان على الشرك.

(7)

إنّ القتال يكون دفاعاً عن النفس والمال والعرض كما يكون دفاعاً عن الدين. وبهذا الفهم فهو دفاع عن الضروريات الخمس وما يمس وجودها أو التمتع بها. فمن قُتل في سبيل الدفاع عن هذه الكليات الضرورية فهو شهيد. بنص الحديث الشريف: (مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فهُوَ شَهِيدٌ ، ومَن قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فهُوَ شَهِيدٌ، ومَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، ومَن قُتِلَ دُونَ أَهلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ).

(8)

إنّ القتال يكون دفاعاً عن أهل الذمة فينا رغم كفرهم وما هم عليه من شرك، وهذا لا يوجب التزامنا بقبول كفرهم أو إقراره، وإنما هو واجب شرعي أوجبه الله علينا. وكذلك كل من دخل في أماننا من المشركين وجب علينا الدفاع عنه ولو بالقتال.

(9)

إنّ القتال يكون مع كل إمام براً كان أو فاجراً. حتى ولو كان الإمام حاكماً مسلماً وقع في الكفر بوجه تأول، في غير مسائل الاجتهاد. كما كان حال المأمون الذي ذهب للقول بخلق القرآن الكريم، وهو قول كفري، لكنه وقع فيه تأولاً وافتتاناً بمذهب المعتزلة، ولم تكن المسألة اجتهادية. ومع ذلك التزم علماء الإسلام بمن فيهم أحمد بن حنبل بوجوب القتال والجهاد معه لقيام مصالح المسلمين العامة وكليات الدين المجملة. كما قاتل المسلمون مع أئمة الجور والظلم مَن هو أعظم منهم جوراً وظلما كالخوارج والباطنية والرافضة فضلاً عن الكفار المحاربين وهذا ما أشار إليه ابن تيمية في فتاواه.

(10)

إنّ القتال يكون ضرورة مع الفاسدين المفسدين اتقاءً لفسادٍ أعظم من فسادهم. فلو قدّر أن هناك سلطتين الأولى فسادها في الأعراض والأخرى فسادها في الأموال لوجب علينا نصرة السلطة التي فسادها في الأموال –وإن كان متحققاً، لأن الأعراض أعظم مكانة في الشرع من الأموال. وكذلك لو كانت الأولى فسادها في الأنفس (أي تقتل الأنفس وتستحل الدماء) والأخرى فسادها في الأعراض لوجب علينا نصرة السلطة التي فسادها في الأعراض –وإن كان متحققا، لأن الأنفس أعظم مكانة في الشرع من الأعراض. وهذا القتال مع إحدى الطائفتين إذا لم يمكن التغلب عليهما معاً ليس من باب معاونة إحدى الطائفتين ولكنه من باب درء أعظم المفسدتين بارتكابٍ أدانهما، وإن استدعى الأمر للموت في سبيل تمكينها بما فيها من الفساد.

(11)

أن يقاتل مع الكافر العادل ضد الكافر الأشد كفراً وإلحاداً وإجراماً. وذلك أنّ الكافر العادل تقوم به مصالح الدين الخاصة ومصالح الدنيا العامة، والكافر الأشد كفراً وإلحاداً وإجراماً لا تقوم به مصالح الدين ولا مصالح الدنيا. وهذا ما أفتى به السعدي –رحمه الله- في شأن قتال المسلمين مع الدول الجمهورية ضد الدول الشيوعية لهذا الاعتبار.

(12)

إنّ القتال لا يشرع فيه تحقيق مقاصد الجهاد من إقامة دولة أو وجود إمام أو وضوح الراية أو غير ذلك؛ بل غاية ما يشرع فيه تحقق رد العدوان ورفع الظلم ودفع الفساد والأخذ بالقصاص وتحقيق المصالح العامة من تأمين السبل وحفظ الكليات.

(13)

إنّ القتال قد يكون قتال فتنة وقد لا يكون. أما الجهاد إذا قام بشروطه ومقاصده فهو ليس فتنة بأي اعتبار. والقتال قد يكون واجباً أو ضرورياً أو جائزاً، وقد يختلف عليه الناس من حيث ذلك. أما الجهاد فيكون جهاد طلب وهذا كفائي وجهاد دفع وهذا واجب لا خلاف عليه، إلا بالنظر للقدرة والاستطاعة فقط.

(14)

إنّ الجهاد يسبقه عرض للدعوة وتخيير المجاهدين بين الإسلام والجزية فإن لم يقبلوا بأحدهما قوتلوا؛ أما القتال فلا يلزم فيه ذلك، إلا إذا كانوا مسلمين فيستتابون وإلا قوتلوا وإن لم يؤذنوا بقتال.

(15)

إنّ القتال حالة عين تتعدد فيها الاعتبارات والموازنات وتظل محل اجتهاد فقهي بين أهل العلم. بخلاف الجهاد فإنه محل اتفاق وأحكامه غالبا عامة ليست عينية.

ذلك أن الجهاد يكون ضد الكفار؛ أما القتال فيكون ضدهم وضد المسلمين من البغاة أو الخوارج أو المحاربين أو المفسدين في الأرض أو الطوائف الممتنعة عن شريعة من الشرائع وإن كانت مسلمة.

 

 

من صفحة الكاتب على فيسبوك

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع