..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

المتقون والمعاصي

حاتم العوني

٢٥ ٢٠١٤ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 5066

المتقون والمعاصي
23-2-2المتقون والمعاصي014.jpg

شـــــارك المادة

علاقة المتقين بالمعاصي علاقة معقدة! ليس من السهل إدراكها؛ إلا إذا اغترفنا من معين القرآن الكريم غرفةً تروي ظمأ جهلنا.
يقول الله تعالى:
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [سورة آل عمران:135].


فتبدأ الآية الكريمة بـ{الَّذِينَ} وهو اسم موصول، والمقصود بهم في الآية هم (المتقون)؛ لأن الآية قبل هذه الآية كانت هي قوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران:133]، ثم ذكر صفات المتقين، فقال سبحانه: {الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[سورة آل عمران:134]، ثم قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله...}.
فالآية إذن تذكر صفات أشرف درجات المؤمنين المسارعين إلى مغفرة الله تعالى ورضوانه والموعودين بجنة عرضها السموات والأرض: وهم المتقون.
ولكن الغريب أن الآية لا تنزه هؤلاء المتقين من المعاصي، كما قد يتوقع بعضنا! بل إنها لا تنزههم حتى من الكبائر (الفواحش)، كما قد يتوقعه كثيرون منا!! بل الآية لم تكتف بعدم تنزيه المتقين من المعاصي، بل إنها لتُثني عليهم بارتكابها!! نعم.. تُثني عليهم بارتكاب المعاصي، لكن في حالةٍ واحدة فقط: هي حيث يُتبعونها بالاستغفار الصادق، الذي يستلزم فيما يستلزم: عدم العزم على الإصرار!! ولا تُثني عليهم بارتكاب المعاصي مطلقا (فهذا لا يمكن أصلا)، ولا تُثني عليهم بعدم ارتكابها مطلقًا أيضًا (وهذا هو ما أحببت لفت الانتباه إليه)!!
ومن هذه المقدمة ندخل في استلهام بعض فوائد هذه الآية، فمن فوائدها:
أولاً: تُبيّنُ هذه الآيةُ أن المتقين (وهم أصحاب هذا الوصف الشريف: المتقين) لا ينحصرون في المعصومين فقط! فالمعصومون هم أنبياء الله وحدهم (عليهم الصلاة والسلام). ولا ينحصرون أيضًا في الذين يجتنبون الكبائر، ممن لا تتجاوز معصيتهم الصغائر من الذنوب، فليسوا محصورين في الذين لا يرتكبون الكبائر ولا يأتون الفواحش فقط! فهذه الآية توضح أن المتقين قد يقترفون حتى الفاحشة، وقد يقعون حتى في الكبيرة؛ لكن الذي يميز هؤلاء المتقين من أهل الإيمان عن غيرهم ممن يقترفون الآثام (صغيرها وكبيرها): هو أن المتقين يسارعون إلى طلب المغفرة، أي إلى الاستغفار الحقيقي (بالقلب واللسان).
وذلك أن وصف الفاحشة لا يكون وصفا لصغائر الذنوب، كما قال تعالى {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [سورة النجم:32]، فجعل الله تعالى (اللمم) وهي الصغائر شيئا مخالفا للكبائر والفواحش، مما يبين أن الفواحش جنس من الكبائر، أو لقب آخر لها.
ومن معاني هذه الفائدة: أن مجرد ارتكاب الكبيرة لا ينافي صفة التقوى؛ إلا مع الإصرار (الذي سيأتي بيان المقصود به)، ومع عدم الاستغفار.
ووازنوا كلام الله تعالى هذا بما يشيع بين كثير من المسلمين، بسبب وَعْظ جهلة الوعاظ، من استحالة أن يجتمع وصف المتقين مع ارتكاب فاحشة.
ولذلك يكون الكلام الآتي للإمام أبي القاسم القشيري على جماله، وعلى صحته (من وجه)؛ لكنه ليس هو معنى الآية! وذلك عندما قال (رحمه الله) في تفسيره: «ويقال فاحشةُ كلِّ أحدٍ على حسب حاله ومَقامه، وكذلك ظلمهم. وإن خُطور المخالفات ببال الأكابر، كفِعلها من الأغيار!  قال قائلهم [شعرًا]:


                                      أنت عيني وليس من حقِّ عيني *** غضُّ أجفانها على الأقذاءِ


فليس الجُرم على البساط كالذّنب على الباب.
ويُقال: فعلوا فاحشةً: بركونهم إلى أفعالهم، أو ظلموا أنفسهم: بملاحظة أحوالهم؛ فاستغفروا لذنوبهم، بالتَّـبَـرِّي عن حركاتهم وسكناتهم، علمًا منهم بأنه لا وسيلة إليه إلا به، فخَلّصهم من ظلمات نفوسهم. وإن رؤية الأحوال والأفعال لَظُلُمَاتٌ عند ظهور الحقائق، ومنْ طهَّره الله بنور العناية، صانه عن التورط في المغاليط البشرية».
فهذا كلام جميل جدا؛ لكن لا ينبغي أن يخالف ظاهر الآية الواضح، من أن المتقين قد يقعون في الكبيرة من كبائر الذنوب!
ثانيـًا: تَذكُرُ الآيةُ ظُلمَ النفس بعد ذكر الفاحشة في سياق ما يُوجب الاستغفار، مع أن ظلم النفس اسم شامل لكل معصية: صغرت أو كبرت، اقتصر ضررها على العاصي أو تعدّاه إلى غيره. مما يعني أن ذكر ظلم النفس بعد ذكر الفواحش والكبائر هو من باب ذكر العام بعد الخاص، فالكبائر نوع من أنواع ظلم النفس. مما يدلنا على المغزى من ذكر الفواحش، ومما يعيننا على اكتشاف السر في ذكر الكبائر، بل في تخصيصها بالذكر، مع إمكان الاستغناء عنها بلفظ (ظلم النفس) الذي يشملها! ومن أوضح ما يبين ذلك المغزى ويكشفُ سِرَّ ذلك التخصيص بالذِّكر هو: لتصحيح التصور عن علاقة التقوى بارتكاب الكبائر؛ ولبيان أن الضعف البشري قد يحط المتقي في لحظة جَذْبِه الطيني ودَفْعِ غريزته الجسديّة من علياء الإيمان والتقوى إلى حضيض التمرّغ في وحل الفواحش، وأن ذلك (مع ذلك) لا يخرجه عن وصف المتقين، ما دام يُتبع ذلك بالرجوع إلى ربه والفرار إليه بالاستغفار!
ومن فوائد ذكر ظلم النفس في هذا السياق أيضًا: بيان أن الصغائر تُوجِبُ على المتقين الاستغفارَ منها أيضًا، وأن المتقين لا يستخفّون بضرورة الاستغفار.. حتى من الصغائر.
بل العبد محتاج للاستغفار (حاجةَ استحبابٍ لا وجوب) في كل وقت، حتى بعد الطاعة؛ لما ينتاب الطاعةَ من تقصير عن حق جلال الله تعالى وعظمته ولا بُدّ، وإعلانا للعجز عن موافاة الله تعالى حقَّه من الشكر على التوفيق والإعانة على أداء الطاعة؛ ولذلك كما أمر الله تعالى بالاستغفار عقب أداء مناسك الحج، في قوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة البقرة:199]، وكما قال تعالى في الأمر بالاستغفار عقب قيام الليل {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ}  إلى أن قال تعالى في خاتمة الآية {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[سورة المزمل:20]، وكان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن يختم صلاته للفريضة بالاستغفار ثلاثا!
فإذا كان الاستغفار مستحبًّا حتى بعد الطاعة، وهي طاعة تُرضي الربَّ عزّ وجل، وتُقرِّبُ إليه العبد؛ فكيف سينزل حُكمُه عن الوجوب بعد مخالفة أمر الله تعالى بالمعصية، ولو كانت معصيةً صغيرة!
ثالثاً: بعد أن ذكر الله تعالى إمكانية مواقعة المتقين للفاحشة وظلم النفس ذكر ما يجعل المتقين أوّابين لله تعالى بطُهر الإيمان وورِقّة طلب المغفرة (الاستغفار)، فكان هذا الأمر الذي يرفعهم من حضيض المعصية إلى سُمُوّ القُرْب من العليّ سبحانه هو أنهم {ذَكَرُوا اللَّهَ}! نعم.. إنهم فقط {ذَكَرُوا اللَّهَ}!! فلم يقل الله تعالى: تَذكّروا عذابَ الله الأليم وأَخْذَه السريع، ولا قال الله تعالى: تذكّروا جلالةَ من عَصَوْه، وعظمةَ سلطانِ من خالفوه.. ولا غير ذلك من دواعي الردع القوية الحقيقية، ومن أسباب الزجر العظيمة. بل اكتفت الآية أن يكون (ذِكْرُ الله).. مجرّدُ (ذِكْرِ الله) هو أعظمَ رادعٍ وأشَدَّ زاجرٍ. وكفى بذكر الله رادعا عن معصيته! وكفى بذكر الله زاجرا عن التقصير في حقه سبحانه وتعالى.
الأمر حقًّا لا يحتاج أكثر من أن تَذْكُـرَ الله تعالى، تَذْكُـرَه فقط؛ لكي تجتنب مخالفةَ أمره. لا تحتاج إلا أن لا تَغْفُلَ عن ذِكْرِه فقط؛ لكي يدوم أُنْسُك بلذّةِ القُرب بطاعته. فمجرد تذكّر الله تعالى يكفي لاستحضار كل معاني التعظيم حُبًّا ورجاءً وخشية؛ ولهذا كان كافيًا للعاصي أن يذكر الله لكي يؤوب إلى رشده ويفرّ إلى ربه! فليست الخشية وحدها هي الرادعة (كما ظنّ بعضهم)؛ فرُبَّ حياءٍ من مُنْعِم كريمٍ كان أشدَّ في الردع عن مخالفة أمره من خوف عذابه! ورُبَّ حبٍّ حَجَبَ النفسَ عن كل ما لا يحبه المحبوب أكثر مِن الحَذَرِ مِن عقوبة غضبه! فذِكْرُ الله على كل أنحائه أعظمُ مانعٍ عن معصيته، وذِكْرُ الله لا يجتمع قط مع غفلة الجهالة عن واجب تعظيمه عز وجلّ!
ولذلك كان الاستغفارُ العاجِلُ السريعُ هو النتيجةَ المُتَحَتِّمةَ لمن ذَكَر الله تعالى عقب معصيته {ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}! وهذا نحو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [سورة الأعراف:201].
رابعـًا: بعد أن ذكر الله تعالى ما يؤول إليه حال المتقين بعد وقوعهم في المعصية، وبعد تذكرهم لربّهم عز وجل، وأنهم يسارعون إلى الاستغفار بلا تردّدٍ ولا تأخُّرٍ، ذكر الله تعالى سبب هذه المبادرة إلى الاستغفار والعجلةَ في اللجوء إليه، فقال تعالى: {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه} [سورة آل عمران:135] والمعنى: لا عجب من هذه المبادرة إلى طلب الصفح والغفران؛ فإنه طلبٌ ممن تفرّد بكرم الصفح والغفران على وجه الحقيقة، وهو الله تعالى.
فالآية جاءت على وجه السؤال التقريري {وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه}؟، والجواب المعلوم عن هذا السؤال: هو الله تعالى.
لكن الغريب أن الآية جاءت وكأنها تمنع وقوع مغفرة الذنوب إلا من الله تعالى؛ لأنها حصرت غفران الذنوب في غفران الله تعالى. فلقائل أن يقول: ما معنى هذا الحصر؟ ومِن عباد الله من يعفو ويغفر أيضًا {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة التغابن:14]، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [سورة النور:22]، فكيف يُخبَرُ عن امتناع وقوع الغفران إلا من الله تعالى، مع وقوعه من بعض خلقه؟!
قد يُقال: إن المقصود هو أن الله وحده هو الذي له حق غفرانِ مخالفةِ أمره؛ فالناس قد يغفرون لمن عصاهم، لكن معصية الله تعالى لا يغفرها إلا هو وحده. وهذا معنى صحيح في ذاته بغير أدنى شك، فحقُّ المؤاخذة على المعاصي وغُفرانُها حقٌّ إلهي لا شَراكة فيه لأحد أبدًا؛ لكن هذا المعنى مع صحته فهو لا ينفع أن يكون هو المقصود في سياق هذه الآية؛ لأن الآية ليست في سياق الحديث عن كمال ربوبيته عز وجل وانفراده سبحانه بالحكم في خلقه، حتى يكون هذا هو معنى ذلك الحصر لمغفرة الذنوب. وإنما كان سياق الآية عن بيان سعة رحمة الله وعظيم حلمه وكريم عطائه في الصفح والغفران، مما لا يجعل لمذنب عذرًا في التأخر عن طلب المغفرة، ولا يُجيز لعاصٍ أن ييأس من رحمة الله تعالى.
إذن: فما المقصود من هذا الحصر؟!
المقصود: التنبيه على أن الفرق كبيرٌ جدا بين غفران رب العباد للعباد وغفران بعض العباد للعباد، حتى استحق أن لا يكون لغفران العباد للعباد ذكرٌ ولا له معنى في مقابل مغفرة ربهم! وهذا استعمالٌ عربيٌّ صحيح، فأنت تقول: وهل الشجاع إلا عنترة؟! وهل الجواد إلا حاتم؟! ولا تعني نفي الشجاعة عمن سوى عنترة، ولا نفي الجود عمن سوى حاتم؛ ولكنك قد تريد: إنه لا ذِكر لشجاعة أحد أمام شجاعة عنترة، ولا بقاء لـجُود كريمٍ أمامَ جُود حاتم.
وكانت مغفرة الله تعالى لذنوب عباده تستحق أن تنفي وجود مغفرة كل من سواه لأسباب كثيرة جدا، لو لم يكن منها إلا السببَ الحاضرَ في عامة الأذهان لكفى: وهو أن مغفرة عباده لعباده ما كان لها أن تقع بغير إذنه عز وجل، فهي في الحقيقة مِنّة الله على عباده، التي أجراها على يدي بعضهم لبعض. فكيف إذا استحضرنا أيضًا:
- أن معصية العبد لربه معصية حقيقية؛ لأنها معصية لمن تجب طاعته بانفراده بالخلق والأمر والربوبية. وأما معصية العبد لغيره من العباد فهي معصية غير حقيقية؛ لأنها معصية لمن لا تجب طاعته أصلا؛ إلا بإيجاب الله تعالى لها. فكيف تشابه مغفرة الرب مغفرة العبد؟! وكيف لا تكون لاغيةً معها؟!
- أن قبح معصية العبد للرب لا تقاربها في القبح ولا تشبهها معصية غيره من خلقه! لأنها معصية للعظيم الذي انفرد بالعظمة الذاتية الأزلية سبحانه وتعالى. فأين يأتي قبح معصية خلقه لخلقه من قبح معصيتهم ربَّهم؟! وكلما عَظُمَ قبحُ المعصية، عَظُمَ قَدْرُ غُفرانِها.
- أن كل غافرٍ من الخلق فَلِغُفْرانِه حُدودٌ، لو لم تكن إلا حدَّ حياته، وحدَّ انْطواءِ مَحْوِ غفرانه بوفاته، لكفى أن يكون غفران الخلق لا شيء في مقابل غفران خالقهم عز وجلّ، الذي لا حدَّ له، ولا يحجبه عن عباده كثرةٌ ولا فُحشٌ ولا عِظمٌ؛ إلا الشرك والكفر. وهو غفرانٌ لا ينتهي أبدًا، فهو غفرانٌ أزلي: سَبَـقَ وجود الخلق، وباقٍ بعد فنائهم، وينتظرهم يوم معادهم، ويصاحبهم في خلودهم في مستقرّ كرامتهم!!
فأنَّى يكون لمغفرة من سوى الله تعالى (بعد ذلك) ذكرٌ مع مغفرته سبحانه! فاللهم مغفرتَك التي لا تُردُّ عن أهل توحيدك!!
خامسـًا: ذكر الله تعالى في هذه الآية شرطين لوقوع المعاصي (ولو كانت فاحشة) من المتقين:
- سبق منها: شرط الاستغفار عَقِبَ الذنب، ولو قيل: المبادرة إليه، لكان وصفًا كاشفًا لحال استغفار المتقين.
- الشرط الثاني: هو عدم الإصرار {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
وقد تكلمت عن الاستغفار سابقا، وبقي الحديث عن الإصرار، فما المقصود بالإصرار المشتَرَطِ انتفاؤه عن المتقين، لتكون معاصيهم غيرَ مخرجةٍ لهم عن هذا الوصف الشريف (المتقين)؟
الإصرار هو: اعتزام الدوام على الأمر، وتركُ الإقلاع عنه.
وقد استدل بعض أهل العلم بهذه الآية على أن مجرّد الإصرار على الصغيرة سبب لتصييرها كبيرة، على حدِّ قول ابن عباس رضي الله عنه: «لا صغيرة مع الإصرار». وهو استدلالٌ فيه نظر؛ لسببين:
الأول: أن الآية تتحدث عن استحقاق وصف المتقين لمن ارتكب كبيرةً أو صغيرة، كما سبق في الفائدة الأولى والثانية، وليست تتحدث عن بيان كيفية تحوّل الصغائر إلى كبائر. وبين السياقين فرقٌ كبير، لا يُـجيز تنزيلَ أحدهما على الآخر؛ ذلك أن سياق الآية يدل على تساوي الصغيرة والكبيرة في إمكان وقوعهما من المتقين إذا تحقق فيهم أمران: الاستغفار، وعدم الإصرار (المخصوص المذكور في هذه الآية). والكبيرة لا يُشترط عدم الإصرار عليها لعَدِّها كبيرة، فهي كبيرة ولو لم يقترفها العاصي إلا مرة واحدة. مما يُبيّن أن سياق الآية لا ينفع أن يكون دليلا على أن الإصرار هو الذي يجعل الصغيرة كبيرة؛ لأن هذا الاستدلال سيعني أن هذا الإصرار نفسه هو الذي يجعل الكبيرة كبيرة!! وهذا باطل ومتناقض، كما هو واضح.
الثاني: واضحٌ من الآية أن عدم الإصرار المذكور فيها كما أنه شرطُ وَصْفِ المتقي العاصي بالتقوى، فهو أيضًا شرط قبول استغفاره؛ لأنه إنما استحق وصف التقوى لكونه مغفورا له ارتكابُه الفاحشةَ وظلمَ النفس، وهو غفرانٌ مقيَّدٌ، وليس غفرانًا مطلقا؛ لأنه غفرانٌ مقيَّدٌ بتَـرَتُّبه بعد استغفارِ المتقي المصاحِبِ لعدم إصراره. ومن المعلوم أن الله تعالى قد يغفر الكبائر، حتى دون استغفار، بمحض تفضّله وإكرامه سبحانه. فلا يمكن أن يكون المقصود بالآية تعليق مطلق المغفرة بعدم الإصرار، أو حتى بالاستغفار وحده؛ لأن الله تعالى قد أخذ على نفسه أنه قد يغفر كل ذنب، خلا الشركَ والكفر {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [سورة النساء:116]، إذن الـمُناطُ بعدم الإصرار: هو قبول الاستغفار، وليس مطلق مغفرة المعاصي؛ فشرط رجاء قبول الاستغفار هو عدم الإصرار. ولن تكون الآية صالحةً للاحتجاج بها على أن كل إصرار يجعل كل صغيرة كبيرة؛ إلا لو كان عدم الإصرار شرطا لمطلق المغفرة، وهذا غير صحيح أصلا، ولا هو مدلول الآية التي تجعل الإصرار شرطا لرجاء قبول الاستغفار، لا لحصول المغفرة مطلقا ولو بغير استغفار.
الثالث: أن الآية لم تذكر إصرارا مطلقا، حتى يكون كلُّ إصرارٍ على صغيرةٍ من الذنوب يجعلها كبيرة. وإنما ذكرت إصرارًا مقيّدًا بالعلم {وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}. فالواو في قوله {وَلَمْ} حالية، أي: لم يُصروا حالةَ كونهم عالمين، وليس في كلِّ أحوالِ إصرارهم.
فلو كانت الآية تدل على أن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، لوجب أن نُقيّدَ هذا الإصرارَ بما قيدته به الآية، وهو إصرار العالم، وليس مطلق الإصرار كما أراد ذلك المستدلّ.
ومن هنا ننتقل إلى الفائدة السادسة:
السادسـة: ما المقصود بقوله تعالى: {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}؟
وقد اختلف العلماء في ذلك، بسبب حذف مفعول {يَعْلَمُونَ}، يعلمون ماذا.
لا يمكن أن تكون: يعلمون أنها معصية؛ لأن من ارتكب معصية جاهلا بكونها معصية لا يُؤاخَذُ أصلا {ربَّنَا لا تُؤاخِذْنَا إن نسِينَا أو أخْطَأْنَا}، أي أو جهلنا. ومن قال ذلك فقد جعل الواو الحالية حالا من الضمير في {فَاسْتَغْفَرُوا}، وجعل مفعول {يَعْلَمُونَ} المؤاخذة بالمعصية أو عفو الله عنها.
ولا يصح أن يكون المعنى: وهم يعلمون أن الله يغفر الذنوب؛ لأن الآية تذكر أنهم قد استغفروا، ولا يستغفر إلا من علم أن الله يغفر الذنوب.
ولا يَقْوَى أن يكون المعنى: وهم يعلمون ضرر الإصرار؛ لأن من عرف المعصية أنها معصية، فقد عرف ضررها، ومن عرف ضررها فلن يجهل ضرر الإصرار عليها إجمالا؛ إذ لا يمكن أن يكون الشيء مضرًّا مرة، ثم لا يكون مضرا مائة مرة!
وأحسن الأقوال في تفسيرها هو قول ابن جرير الطبري: «لم يقيموا على ذنوبهم عامدين للمقام عليها»، فجعل معنى {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، أي: علم القصد والتعمّد، كما تقول: فعلت الأمر الفلاني عالما، أو غير عالم، أي: عامدًا، أو غير عامد.
ويوضح ذلك: أن الإصرارَ إصراران اثنان: إصرارُ عملٍ، وإصرارُ نيةٍ وعزم على البقاء على الذنب، والذي يمتنع من المتقين هو الثاني، دون الأول. فإصرار العمل: هو تَـكراره، ولا يلزم أن يكون تكرارا مقصودا متعمدا، بل قد يكون كلما واقع الذنب ندم عليه واستغفر، ثم خانته شهوته، وخارت عزيمته، فعاود الذنب مرة تلو مرة، ما من مرّةٍ منها كان عازما على إعادة ارتكاب الذنب.
إذن فالإصرار الذي يؤثر في قبول الاستغفار ليس هو مطلق تكرار مواقعة الذنب، وإنما هو إصرار العزم على الاستمرار في مواقعته، وكان هذا الإصرار هو المؤثر في قبول الاستغفار؛ لأن الاستغفار لا بد أن يتضمن ندما على الذنب، ولا يمكن أن يندم إنسانٌ على ذنب، وهو حالَ ندمه يرغب في تكرار الوقوع فيه.
وبذلك يتبين الفرق بين إصرارِ التقي الذي قد يقع منه في الظاهر على الذنب وإصرارِ الشقي عليه: فحال المؤمن التقي أنه لا يكون ذنبه إلا فَلتةً وزلةً غير مستقرة في نيته وعزمه، وأما الفاسق الشقي فذنبُه منهجُ حياةٍ: يُخطِّطُ له، ولا يكاد يفارق حبَّ العودة إليه. وبذلك فارق ذنبُ التقيِّ ذنبَ الشقي، فربما تساويا (التقيَّ والشقيَّ) في عدد مرات تكرار الذنب، لكن التقي كلما أذنب استغفر نادما، وأما الشقي فلا يستغفر، وإن استغفر استغفر بلسانه غيرَ مستشعرٍ شيئا من الندم، بل متشوقا لمعاودة الذنب؛ فأنَّى يكون لاستغفاره معنى أو أثر؟!!
وبذلك يتبين فرقٌ مهمٌ بين: استغفار التقي، وتوبته، واستغفار الشقي:
- فاستغفار التقي: يُشترط له عدم عقد العزم على معاودة الذنب.
- وتوبته: يُشترط لها عقد العزم على عدم معاودة الذنب.
- واستغفار الشقي: هو مع عقد العزم على معاودة الذنب. [وهنا أؤكّد: أن الاستغفار غير التوبة، كما بينت ذلك في مقالي الذي بعنوان: الاستغفار الذي يوجب الاستغفار: من تخاليط الوعاظ الجهلة].
ولذلك فقد ورد في الصحيحين: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنَّ عَبدًا أصَابَ ذَنبًا، فقال: ربِّ، أَذنَبْتُ، فَاغفِرْ لي؟! فقال ربُّهُ: أعَلِمَ عَبدِي أنَّ له ربًّا يَغفِرُ الذّنْبَ، ويَأْخُذُ بهِ، غفَرْتُ لِعبْدِي. ثمَّ مكَثَ ما شاءَ الله، ثمَّ أصَابَ ذنْبًا، فقال: ربِّ، أذْنَبْتُ، فاغْفِرْهُ؟! فقال: أعَلِمَ عبْدِي أنَّ له ربًّا يغْفِرُ الذّنْبَ، ويَأْخُذُ بهِ، غفَرْتُ لِعبْدِي. ثمَّ مكَثَ ما شاءَ الله، ثمَّ أذْنَبَ ذنْبًا، قال: ربِّ، أصَبْتُ ذنبًا، فاغْفِرْهُ لي؟! فقال: أعَلِمَ عبْدِي أنَّ له ربًّا يغْفِرُ الذّنْبَ، ويَأْخُذُ بهِ، غفَرْتُ لِعبْدِي، غفَرْتُ لِعبْدِي، غفَرْتُ لِعبْدِي؛ فلْيَعْمَلْ ما شاءَ)).
ومعنى قوله: ((فليعمل ما شاء)): أي ما دام كلما أذنب ندم واستغفر، فسوف أغفر له، مهما تكرر منه الذنب.
والمهم في هذا الموضع: أن هذه الآية الكريمة جاءت لا لتكتفي بتوسيع رجاء الناس في مغفرة الله ورحمته فقط، على عظيم جلالة هذه البشارة، بل لتوسيع كرم الله وجوده على عباده أيضًا، ليشمل اسمُ المتقين المذنبين صغائرَ الذنوب وكبائرها، ما داموا يُتبعون معاصيهم استغفارا صادقا: يلزم منه ندمٌ على الذنب، وعدم عقد النية على معاودته.
ولعظم الرجاء والجود الإلهي الذي تضمّنته هذه الآية: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول فيما ثبت عنه: «إنَّ في كِتابِ اللّهِ لآيتَيْنِ ما أذْنَبَ عبْدٌ ذنْبًا، فقَرَأَهُمَا، فاسْتَغْفَرَ الله؛ إلا غفَرَ الله له {والَّذِينَ إذا فعَلُوا فاحِشَةً أو ظلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذكَرُوا اللّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِمْ ومَنْ يغْفِرُ الذّنُوبَ إلا اللّهُ}، وقوله: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [سورة النساء:110].
فاقرؤوها، والآية الأخرى، ثم قولوا: نستغفر الله: ندمًا على ما فرط منكم، غير عاقدي النية على تكرار الذنب تجدوا الله غفورًا رحيمًا!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مركز نماء للبحوث والدراسات

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع