..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الثورة السورية وفتنة التصوير..

أحمد بن فارس السلوم

20 يوليو 2013 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1844

الثورة السورية وفتنة التصوير..
المصورون000.jpeg

شـــــارك المادة

منذ انطلاقة الثورة السورية انتهج النظام السوري سياسة التعتيم الإعلامي، فمنع دخول الصحفيين والقنوات الأجنبية، ظناً منه أنه بذلك يمنع الكلمة من أن تُسمع، والصورة من أن يراها الناس. ولكنه جوزي بعكس مراده، فقد صنع بتصرفه هذا من الشعب السوري ناشطين إعلاميين سلاحهم الكاميرا والنت..

 


وأصبحت المواقع الالكترونية تعج بآلاف المتصفحين لأخذ الأخبار ومشاهدة المقاطع المحملة، وأصبح هذا الجيش من المصورين مراسلين لقنوات العالم كله.
كانت الرسالة التي يقوم بها هؤلاء الإعلاميون سامية، فقد أوصلت رسالتنا للعالم كله، مع أنه ثبت في ما بعد أنه سيان على العالم سماع أصواتنا من عدمه، فمصلحته في بقاء نظام التشبيح الأسدي فوق كل معاناة للشعب المظلوم.
لكن كان في هذا التصوير سلبية كبرى، وهو أنه أصبح وسيلة لنشر الأكاذيب والمغالطات والاتهامات، لما دخل فيه من ليس من الثورة في شيء، فقد كان فضاءً مفتوحاً، وميداناً واسعاً، وكل من أراد شيئا قاله، حقاً كان أو باطلاً، وسيجد المبطل من الرعاع من يرعى زبالة فكره، وحثالة رأيه..
فأصحاب الأهواء يحكمون أهواءهم دون أن يعملوا عقولهم، فقد رأينا مقاطع لا نشك في كذبها وزورها، ولكنها مع ذلك وجدت من طار بها!!
ولما تطورت الثورة وحمل الشعب السلاح ليدافع عن عرضه ودينه كان التصوير حاضراً في هذا المشهد كذلك..
وأنا شخصياً استُفتيت من قبل بعض الكتائب في حكم تصوير العمليات الجهادية التي يقومون بها، وهل هذا محبط للعمل، وهل يعد من الرياء، فكان جوابي لهم أن هذا دائر مع المصلحة، فإذا كان هناك مصلحة في مثل هذا النشر فلا بأس، وإلا فلا.
فالجهاد أولاً وآخر عبادة، والعبادات لا بد بها من ابتغاء وجه الله، وهذا التصوير فتنة، قد يصاحب المجاهد فيصرف نيته عن ابتغاء وجه الله إلى الشهرة والرياء، واستجلاب الأموال من أيدي الداعمين!!
كنت أذكّر إخواني دائما بقول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "الأعمال بالنيات".
وبقوله في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك به غيري تركته وشركه".
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء"..
وكنت أذكرهم بمواقف المجاهدين في سبيل الله، وأذكر لهم على سبيل المثال ما أخرجه البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أن أباه حدثهم عن غزوة ذات الرقاع، فقال: خرجنا مع النبي في غزاة ونحن في ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي،
وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا. وحدث أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذاك قال: ما كنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه.
فهذا الندم من أبي موسى مع أنه أُمر أن يبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم سنته وسيرته، ولكنه خشي على النية من التقلب والتغيير.
واليوم فقد أصبحت ظاهرة التصوير فتنة فُتن فيها كثير من المقاتلين، فأصبحوا لا يضربون ولا يرمون ولا يفعلون إلا والكاميرا جاهزة معدة للتصوير، ثم قبل أن ينفض الغبار عن رأسه يحمّل المقطع على المواقع الالكترونية، فصار التصوير هدفا وغاية لدى البعض، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فكم من معركة خاضوها في عالم التصوير، وكم من فتح كاذب زُعم في هذا العالم كذلك.
حتى إنه قد طالعنا بعض الناس بمواقف مخزية، يأتي إلى الجبهة ويحضر أدوات جهاده التي هي الكاميرات المتطورة، ثم يلتقط صوراً ومقاطع، ويطلق زخات من الرصاص على العدو، حتى يتم له ما يريد ثم ينصرف.
لقد بلغ الأمر أن أصبح العدو يتندر على المقاتلين، فقد حدّث عسكري منشق، أنه حينما يبدأ بعض الثوار بالرمي على مواقع الجيش النظامي كان الضابط النصيري يقول لهم: لا تخافوا، اصبروا خمس دقائق حتى ينتهي التصوير وينصرفوا!

إنني أحمل نتيجة هذا المهزلة لصنفين من الناس:
الأول: الداعمون للثورة، فهم يطلبون مثل هذه المقاطع لمبررات كثيرة، لكن أياً كان هذا المبرر فإنّ الأمر قد أصبح فتنة تضر بالثورة، وإذا كانوا يريدون التأكد من وصول الدعم فثمة طرق شرعية أخرى، أولاها وأولها إيصال الدعم إلى الثقات من المجاهدين.
الثاني: القادة العسكريون الذين أصبح همهم إبراز أعمالهم، وحصد مديح الناس، وجلب دعم الداعمين، وأصبح وجه الله -عز وجل- آخر المقصود..
لقد رأيت في زيارتي الأخيرة معضلات ومشاكل سببتها فتنة التصوير بين طوائف المجاهدين، فحين تدمر دبابة يتسابق مجاهدوا التصوير إليها للتصوير عليها، وكأنهم هم من قاموا بحرقها.

اتفق مرة أنه حامت قريب من ضيعتنا طائرة هلكبتر فقام بعض الشباب باستهدافها بمدفع رشاش مثبت على سيارة من نوع بيكاب، فأصابوها في مقتل فانفجرت في السماء، وهلل المجاهدون وفرحوا لذلك فرحاً شديداً، إلا أن جزءاً من الطائرة سقط على السيارة فاحترقت السيارة واستشهد فيها من قام بإسقاط الطائرة.
والمفارقة العجيبة أنه ظهر في اليوم التالي: أربعة مقاطع لأربعة فصائل كل يدعي أنه هو من أسقط الطائرة، مع العلم أن الذي أسقطها قد التحق بالرفيق الأعلى..
لقد أصبح للتصوير مجاهدون، وهؤلاء هم من يحصدون الجوائز، ويستدرون الدعم، ولذا فإنني أدعو إلى وقفة حازمة من أهل العلم والحلم إلى ترشيد هذا الباب، وتصحيح المسار، فإنّ التصوير كان وسيلة فأصبح غاية، ثم صار سبباً لفرقة المجاهدين واختلافهم.
بحيث إنني أقول: ما تركت في بلاد الشام فتنة أضر على المجاهدين -بعد تفرقهم- من فتنة التصوير..والله المستعان..

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع