..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

معركة دمشق الكبرى..الثوار تعلموا من أخطائهم

إيميل حكيم

١٢ ٢٠١٣ م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 6120

معركة دمشق الكبرى..الثوار تعلموا من أخطائهم
11.jpg

شـــــارك المادة

 تبدو المعركة من أجل دمشق على استعداد لإحداث تحول في هذا الصراع الدموي.

في الأيام الأخيرة، اندلع قتال داخل وحول العاصمة السورية.
وتثير كثافة المواجهات إلى أن ما أطلق عليها الكثيرون اسم "معركة دمشق الكبرى"، والتي يُجمع لها الثوار قواتهم الهجومية الرئيسة، وقد عملت لعدة أشهر لخوضها، تبدو وشيكة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي حاول فيها الثوار الاستيلاء على العاصمة السورية.

في الجهود المنسقة القليلة في يوليو وديسمبر، تقدمت قوات الثوار في عدة أحياء، حتى إنها استولت على بلدات مضطربة محيطة بدمشق.
ومع ذلك، كانت تفتقر إلى إمدادات كافية وتغلب عليها جيش الأسد بالقوة الجوية والقصف المدفعي، وصدَ التقدم أو احتواه.
ومن المرجح أن تشهد معركة دمشق المزيد من هذه التقلبات: تجميع لقوات الثوار تليه ضربات جيش الأسد المضادة، مع محاصرة المدنيين في الوسط.
والقول بأن دمشق كانت في مأمن من الاضطرابات السياسية التي اجتاحت البلاد منذ مارس 2011، فكرة خاطئة.
صحيح أنه يمكن لبشار الأسد الاعتماد على قاعدة واسعة من الدعم: بيروقراطيين الدولة، موظفو الشركات المملوكة للدولة، أقارب أفراد قوات الأمن، وأفراد الأقليات الدينية في البلاد، والطبقة المتوسطة والغنية الحضرية السنية.
ذلك أن نظام الأسد حرص للحفاظ على ولاء دمشق: فئة التجار السنة استفادت من حكم الرئيس السابق حافظ الأسد لتبقى موالية له خلال ثورة الإسلاميين خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ومن سياسات التحرير الاقتصادي لبشار في العشرية الأولى من الألفية الثانية.
ولكن انضمت العديد من البلدات الواقعة على أطراف دمشق، والتي تم دمجها في النسيج الحضري للعاصمة، إلى لثورة بكل إخلاص.
على سبيل المثال، فإن المنشقين المسيحيين والعلويين -وهما أقلية داخل مجتمعاتهم- قادا مدينتا داريا ودوما للانضمام إلى المظاهرات (الناشط والمخرج السينمائي المقتول غدرا، باسل شحادة، كان من بينهم).
داخل المدينة، التحق أيضا المحافظون والطبقة المتوسطة في أحياء برزة والميدان، والتي لم يستفد سكانها من سخاء النظام ومن النمو الاقتصادي في العقد الماضي، إلى الانتفاضة الشعبية.
والشيء نفسه ينطبق على منطقة القابون السنية، حيث تظاهر المحتجون بشكل جماعي لفترة طويلة.
في حين أن الكثير من رجال الدين السنة في المناطق الحضرية قد ظلوا على ولائهم (على الأقل علنا) للأسد، وانضم آخرون للثورة وفتحوا مساجدهم للمحتجين.
وهذا الأمر يصح في الشيخ معاذ الخطيب، الإمام السابق لمسجد دمشق الأموي والرئيس الحالي للتحالف الوطني لثوى المعارضة السورية.
والرهان على الجانبين المتحاربين لا يمكن أن يكون كبيرا. بالنسبة للأسد، إبقاء السيطرة على العاصمة بأي ثمن هو أمر حاسم.
وقد تصل خسائره إلى ضربة هائلة رمزية عسكرية وسياسية. وصورته كرئيس لسلطة لا تزال قائمة، ستتعرض للتحطيم.
وبغض النظر عن شكوك أهل الحضر تجاه الثوار، فإن خسارة دمشق يعني أنهم ما عادوا قادرين على التشبث بالرئيس كمدافعين عنه.
ويصدق الشيء نفسه بالنسبة لأولئك الذين ما زالوا يؤيدونه لعداء مع القناعات الثوار المفترضة الإيديولوجية والسياسية، ولكنهم يفتقون إلى الارتباط العضوي بالنظام.
من دون دمشق، فإن الأسد لن يكون قادرا على استعادة السيطرة، وقد يفقد ربما القيادة والسيطرة على الوحدات الموالية له في جميع أنحاء البلاد، باستثناء في شمال غرب البلاد، حيث يقيم أكثر مؤيديه ولاء له.
في الواقع، فإنه إذا خسر دمشق وبقى على قيد الحياة، فإن الأسد وقادته من العلويين قد يفرون إلى "علويستان" (Alawistan)، الدويلة الافتراضية، التي يرى فيها الكثيرون أنها الملجأ الأخير للطائفة العلوية، حيث تشير جغرافيا القتال في شمال غرب البلاد إلى أن مثل هذه الإستراتيجية هي بالفعل قيد التنفيذ، ذلك أنه تجري المعارك الطائفية الكبرى على الحافة الخارجية من المنطقة الجبلية التي تفصل بين مركز العلويين والمناطق الريفية ذات الغالبية السنية، كما إن العديد من الأسر العلوية قد انتقلت إلى قلب القطاع الجغرافي لطائفتهم.
وفي أعقاب خسارة دمشق، فإن قيادة الأسد يمكن الطعن فيها من داخل المجتمع العلوي نفسه، وقواته المتبقية قد تنقسم إلى ميليشيات متنافسة.
وعلاوة على ذلك، فإن "علويستان" قد لا تكون مجدية من الناحية الاقتصادية أو العسكرية الدفاعية.
ولكل هذه الأسباب، فإنه من المؤكد أن الأسد سيدافع بشراسة عن العاصمة دمشق. وسيعمل على الدفع بمشهد الصراع لصالحه: يصف السياسي الجغرافي الفرنسي "فابريس بالونش" دمشق بأنها "المدينة الخاضعة للسيطرة"، حيث إنها محاطة عن قصد بالحاميات العسكرية والأمنية والأحياء الموالية (مثل المزة 86، المنطقة الفقيرة التي يسكنها أفراد الأمن والأسر العلوية).
كما إن الأسد حشد أيضا قوة نيران كبيرة في دمشق وحولها.
الجيش ليس إلا الخط الأول فقط في دفاعاته، ذلك أن الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، والتي كانت في طليعة القتال في المنطقة المجاورة للعاصمة، لا تزال وحداتها من أشد المحاربين والموالين. وعدد هذه القوات غير معروف، ولكن التقديرات تشير إلى 50 ألف و80 ألف.
كما أظهرت التقارير أيضا أن السكان في حي "باب توما" في دمشق، والذي تقطنه أغلبية مسيحية -والأهم من ذلك، حزب الله الشيعي في السيدة زينب، جنوب شرقي العاصمة السورية- قد شكلوا ميليشيات محلية لدعم قوات الأسد.
وتقع الكثير من مدفعية الأسد وقواته الجوية في العاصمة وما حولها، كما إن جيشه لا يتوقف عن قصف داريا في الجنوب الغربي للعاصمة..
ولاستباق هجوم كبير، حاولت القوات الحكومية في الأسابيع الأخيرة تمشيط العديد من الضواحي، حيث تنشط كتائب الثوار.
ومع ذلك، فإن المقاتلين (من الثوار) حرروا الكثير من الضواحي الشرقية وظهروا مرارا في العاصمة كما هو الحال في ساحة جوبر وقريبا من ساحة العباسيين بدمشق.
وكانت هناك أيضا اشتباكات -غير حاسمة حتى الآن- داخل وحول مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بجنوب العاصمة دمشق.
الأسد نفسه، كما يُزعم، يقضي معظم وقته محصنا في قصره على جبل قاسيون المطل على العاصمة دمشق.
ويُعتقد أنه غادر مكتبه الخاص، والذي يقع في مسكن والده القديم، كما ترك منزله الخاص في حي المالكي..
وإدراكا منه بضرورة إثبات أنه لا يزال يسيطر على العاصمة، ظهر الأسد مؤخرا قريبا من قصره، وألقى كلمة في دار الأوبرا في ساحة الأمويين المركزية يوم 8 يناير، وحضر احتفال مولد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في مسجد بحي المهاجرين شمال العاصمة، يوم 24 يناير.

أمام الرأي العام، واصل الأسد تحديه للعالم.
صحيفة الأخبار، صحيفة لبنانية مقربة من الأسد وحلفائه اللبنانيين، نقلت عن الرئيس بشار، في أواخر شهر يناير الماضي، قوله إن جيوب المقاومة في الريف حول العاصمة دمشق "يتم التعامل معها" من قبل الجيش.
ودمشق نفسها، كما أكد أنصاره، ظلت خاضعة للسيطرة: "ظلت نقاطها الإستراتيجية، وخاصة طريق المطار، آمنة، رغم كل المحاولات من قبل المسلحين".
ولكن موقف الرئيس يبدو أكثر ضعفا مما كان يتيح جرا. لقد تعرض طريق المطار لضربات الثوار المستمرة، مثلما جدث في أواخر نوفمبر وديسمبر الماضيين، وأدت هذه الهجمات أدت إلى تعليق مؤقت للملاحة الجوية، وتحدت محاولات نظام الأسد في تصويره للحياة في العاصمة بأنها عادية وطبيعية.
ومن المحتمل أن الأسد يعول على أن استراتيجية الثوار الموحدة قد تنهار بفعل وحشية وتكلفة المعركة.
وبمجرد حدوث ذلك، فإنه يتوقع ظهور مقاتلي الثوار الأكثر راديكالية، مثل جبهة النصرة، على السطح، وعندئذ يمكنه (الأسد) أن يسوق نفسه على أنه الضامن الوحيد ضد التطرف الإسلامي والفوضى، مثلما جرى في مدينة حلب -حيث وقعت سلسلة من الأحداث مماثلة-، ولكن هذا غير قابل للتصديق.
ويبدو أن الثوار اليوم على المحك في معركة دمشق أكثر من الأسد. وقد ركزوا كثيرا على دمشق في الأشهر الأخيرة، وهم أقرب من أي وقت مضى إلى وسط العاصمة، واستولوا على أجزاء كبيرة من المناطق الشرقية المجاورة لها. وفي سبتمبر الماضي، شنوا هجوما جريئا ضد مقر القيادة العامة للجيش، الخاضع لحراسة مشددة..
ولكن شبح حلب، والذي يعتبر أسوأ أخطاء الثوار، يخيم عليهم.
في هذه المحافظة الكبرى شمال سوريا، انقسم الثوار وأفرطوا في الثقة بالنفس، وافتقدوا فيها إلى الإستراتيجية العسكرية والدعم اللوجستي الكافي، ومعظمهم من مقاتلي الريف، ولم يبذلوا أي محاولة جادة في التوعية وتقديم ضمانات لسكان المدينة المذعورين والأقليات القلقة..
كما إن ظهور الجماعات المتطرفة* جعل من الصعوبة على السوريين الذين لا يزالوا على الحياد الانضمام إلى معسكر المعارضة.
وتكرار هذا "المشهد" في دمشق، سيستفيد منه الأسد على المدى القصير الأسد. وحرب المدن في العاصمة، من المرجح أن تخلف خسائر إنسانية ضخمة، سوف تضطر العشرات إن لم يكن مئات الآلاف من الفرار واللجوء إلى الحدود اللبنانية القريبة.
وأمام كل هذا، يصر قادة الثوار على أنهم قد تعلموا الدرس من حلب. ويقولون إن الكثير من المقاتلين الذين سيشاركون في الهجوم على دمشق هم من المنشقين على الجيش تحت إشراف قيادة عسكرية منضبطة، وليسوا من المقاتلين المدنيين.
فمن المحتمل أن يشارك منشقون رفيعو المستوى، ممن لجأوا إلى الأردن، في الاستعدادات لمعركة دمشق، وقد حصلت على معلومات استخبارية جيدة، وتواصلوا مع أطراف محلية لإعداد الأرضية. وتشير لقطات يوتيوب إلى أن الثوار في الجنوب يتلقون نوعية أفضل من السلاح، بما في ذلك الأسلحة المضادة للدبابات وقاذفات صواريخ وبنادق أكثر قوة.
وتشير تقديرات وحسابات الثوار أيضا إلى أن الأسد سوف يضطر إلى استدعاء قوات حكومية والنخبة من أماكن أخرى لإحكام السيطرة على العاصمة، وبالتالي التخلي عن الأراضي في جميع أنحاء سوريا.
وهناك مقولة مأثورة يعرفها جيدا كلا من الأسد ومعارضيه: من يسيطر على دمشق يسيطر على سوريا. لهذا السبب، فإن المعركة من أجل العاصمة ستكون طويلة ومكلفة.
 

 

 

العصر

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع