..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


مرصد الثورة

أبو أحمد والذئاب

محمد حسن عدلان

27 نوفمبر 2012 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 2179

أبو أحمد والذئاب
11 فقراء سوريا.jpg

شـــــارك المادة

أحب المشي قرب الحديقة حتى في فصل الشتاء، كان البرد القارس قد فعل فعله بالحديقة، فكانت أكثر الأشجار جرداء.
إنه يوم من أيام كانون الثاني من عام الثلج الشهير من 2010 ، مررت جانب الحديقة والهواء البارد يقص المسمار.
وكان هناك صوت عال قادم من بعيد من مقر الحزب الفاخر يغني (أنا سوري آه يا نيالي ..!!) يطرب الذين هم بداخل المقر مستمتعين بالدفء الذي يعد فاكهة الشتاء كما يقال.

 

فيما كان بجانب سور الحديقة بعض الباعة قد افترشوا الأرض ويتحدون الزمهرير، عرضوا بضاعة قليلة لو بيعت فربحها لا يسمن، ولكن قد يغني من الجوع.
اقتربت لابتاع من أحدهم، سألته: ألا تشعر بالبرد؟
رد بصوت مبحوح يظهر مرضاً وتجلداً: إذا لم أعمل فلن أعود لبناتي بطعام، لقد تخرجت من المعهد بمعدل عال، وأنا غير مسنود، حلمي بالوظيفة طار لمن من هو أدنى معدلاً بكثير.
قطع حديثنا صوت الباعة يصرخون على صاحبنا: أبو أحمد: لقد جاؤوا.
حاول المسكين المريض أن يحمل بضاعته بعيداً، ولكن كانت سيارة البلدية التابعة لدولة الصمود قد اقتحمت المكان، ونزل منها بضعة أشاوس من أبطال الممانعة، وتراكضوا ينهبون بضاعة أبي أحمد، وكأنها غنيمة من الصهاينة محتلي الجولان.
توسل أبو أحمد إليهم بصوته الضعيف دون جدوى، فقد كان الضابط ينهره ويشتمه بشتائم لا يجيدها إلا أمثاله القادة أو القوادين.
وقف أبو أحمد منزوياً يتفجر أسى وقهراً، كاد يختنق، فأخرج بخاخة للربو تبقيه في حياة ليست بحياة، لقد أهين المسكين ومرغت كرامته بالتراب، ولكن الأصعب عنده خسارته لبضاعته، فكيف سيواجه بناته عندما يتراكضن نحوه جائعات وهو خالي اليدين.
تجمع الباعة حوله يواسونه، وفهمت منهم أن كل واحد منهم مجبر أن يدفع رشوة يومية للضابط يجبيها موفد من قبله تعادل نصف تعبه تقريباً، ولكن أبا أحمد لم يدفع اليوم لأنه لم يسترزق، فصوته المبحوح هذا اليوم لم يساعده في الترويج لبضاعته، لقد أسقطه المرض فريسة لذئاب الممانعة في هذا البرد القارس.
وعرفت أيضاً أن أحدهم قام بالرد على إهانة الضابط في أحد الأيام فتداعوا إليه كما يتداعى الذباب إلى القصعة، فأوسعوه ضرباً وإذلالاً، وصبوا كل بذاءة في الدنيا على (الأخونجي الخائن) ثم أخذوه ولم يعد.
وعرفت أن هذا الضابط اللص الذي يؤجر أرض الوطن، يعمل جهده لمنع رخصة العمل النظامية لهؤلاء المساكين ليستأثر بسرقتهم، ولو منحوا الرخصة فبرشوة وشروط من الإذلال أهمها أن تعمل مخبراً وجاسوساً على أبناء الوطن.
ولكن أفظع ما عرفته أن هذا البائع المسكين ضحية اليوم هو ابن شهيد على ثرى الجولان، وأن الضابط من قرية بائع الجولان الخالد، باني غابة الذل.
بعد يومين مررت من نفس المكان، تعمدت أن أرى أبا أحمد، وجدت الباعة، وكان مكانه خالياً، وعلى السور ورقة نعوة باسم (أبو أحمد( وتحت النعوة تعليق بخط اليد: استراح.
وبالأسفل: ........ روحك. يا. حافظ.

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع