..

ملفات

الكُتَّــاب

أرسل مشاركة


الى الثورة

الاتفاق الروسي-الجولاني ومعركة حماة

مجاهد مأمون ديرانية

20 سبتمبر 2017 م

تصدير المادة

pdf word print

المشاهدات : 1201

الاتفاق الروسي-الجولاني ومعركة حماة

شـــــارك المادة

تسرب قبل أسبوع خبر عن لقاءات سرية جمعت بين جبهة النصرة ووفد روسي في قرية "أبو دالي" بريف حماة الشرقي. وهذه القرية الصغيرة تكاد تكون منطقة حكم ذاتي (أو "منطقة حرة" كما يُقال) يحكمها الشبّيح وعضو مجلس الشعب السوري السابق أحمد الدرويش الذي يقود عصابة تابعة لما يسمى "جيش الدفاع الوطني"، وهي أحد ثلاثة معابر تربط مناطق النظام بالمناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة في ريفَي إدلب وحماة (أبو دالي والخوين والسعن) ومن المعروف أن النصرة تمنع أي فصيل من القيام بأي عمل عسكري يستهدف تلك المعابر.

وقد تمخضت الاجتماعات -كما تسرّب- عن اتفاق يسمح للشرطة العسكرية الروسية بدخول قريتَي الفوعة وكفريا، وفي وقت لاحق نشر ناشطون في المناطق المجاورة أنباء عن مرافقة قوة من جبهة النصرة لقافلة عسكرية روسية دخلت القريتين المحاصَرتين.

*   *   *

ربما كان الخبر صحيحاً وربما لم يكن، غيرَ أن ما حصل بعد ذلك يدعو إلى التأمل والاستغراب. تحركت عصابة الجولاني باتجاه معاقل النظام في حماة، في الجبهة نفسها التي شهدت محرقتين سابقتين لعناصر النصرة وإخفاقَين مخزيَين لقيادتها العسكرية، وعلى الفور جاء الرد من الطيران الحربي لروسيا والنظام.

كان المتوقَّع أن تتلقى معاقل جبهة النصرة الضربات الرئيسية وأن تتعرض معسكراتها ومقراتها ومستودعاتها للقصف والتدمير، وهي مواقع معروفة مكشوفة لا تخفى على المدنيين فضلاً عن طيران الاستطلاع. إلا أن شيئاً من ذلك لم يحصل، وبدلاً منه اقتصرت الضربات المدمّرة على المنشآت الخدمية والمدنية، فقُصفت مراكز الدفاع المدني في كفرنبل والتمانعة وخان شيخون، ودُمِّر الفرن الآلي في كفرنبل واستُهدفت مدارس في معرزيتا والهبيط، وكان الأسوأ هو قصف وتدمير المستشفيات، مستشفى حاس ومستشفى أورينت في كفرنبل ومستشفى التوليد في التح ومستشفى الرحمة في خان شيخون.

الأكثر غرابة هو أن الضحية الكبرى للضربات الجوية كانت المناطق التي قاومت مشروع الغزو والاحتلال الجولاني في إدلب، فقد بلغ عدد الغارات حتى كتابة هذه السطور 106 غارات كان نصفها تماماً (53 غارة) من نصيب ثلاث مدن فقط، هي كفرنبل وخان شيخون ومعرة النعمان. بالإضافة إلى الاستهداف المباشر لمواقع صقور الشام في جبل الزاوية، وهو الفصيل الأشد عداء للجولاني والأكثر صموداً في وجه مشروعه الاحتلالي، مما دفع بعض الناس لطرح تساؤل بريء: هل الجولاني هو الذي زوّد الطيران الروسي بقائمة الأهداف؟!

*   *   *

ويبقى السؤال: ما الهدف من هذه العملية العبَثية التي ستنتهي بفشل كارثي وبمحرقة جديدة لعناصر النصرة؟ ربما كان هدفها تعطيلَ اتفاقية وقف التصعيد كما يرى بعض الإعلاميين، وربما كان تسليمَ بعض المناطق للنظام كما تنبأ فريق من الناشطين، وربما كان مقدمةً لاتهام فصائل أحرار الشام وصقور الشام وفيلق الشام بالتواطؤ ثم البغي عليها وتصفيتها كما يرى آخرون، وربما كانت خليطاً من ذلك كله، ومعه هدف آخر أراه وثيق الصلة بما يجري منذ بعض الوقت في أروقة جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام.

سواء أكان الجولاني عميلاً يؤدي دوراً مرسوماً لتكملة مهمة داعش وتدمير ما بقي من الثورة أم كان مغامراً طائشاً يسعى إلى السلطان فحسب، في الحالتين لا بد له من إزالة عقبتين كبيرتين: خصوم النصرة من الفصائل التي ما زالت تملك بعض القوة، والمتشددين في النصرة نفسها.

سيتم تجاوز العقبة الأولى بتحميل الفصائل مسؤولية فشل عملية حماة، وهي دندنة كررتها النصرة بعد كل فشل عسكري أعقبه بغيٌ على فصائل الثورة، وقد بدأت بوادره مع بداية انكسارها اليوم، ولا ريب أن مساعدة "الأصدقاء" ستكون مفيدة في هذا السياق، ولعل هذا يفسر استهداف صقور الشام في القصف الروسي الأخير.

العقبة الثانية ستتكفل بها "المحرقة" نفسها، فقد دفع الجولاني إلى الصفوف الأمامية في معركة حماة بأكثر عناصره تطرفاً، وعلى رأسهم عناصر من عصابة جند الأقصى تحملوا القدر الأكبر من خسائر الهجوم الفاشل. بالإضافة إلى حملة اغتيال الشرعيين المعارضين التي بدأت منذ بعض الوقت، ويبدو أنها ستستمر حتى تستأصل أعداء الجولاني وخصومه في داخل الجبهة والهيئة، ولا سيما "الشرعيين" الذين يعارضون سياسته البراغماتية ولهم قدرة على التأثير في المقاتلين.

*   *   *

سواء أكان الجولاني عميلاً للأعداء أم لاعباً يظن أنه يلعب بهم فيما هم -في الواقع- يوظفونه ويلعبون به، في الحالتين سيُفني معارضيه ويتخلص ممّن تسول له نفسه الوقوف في وجه مشروعه البراغماتي للحكم والسلطان، وسوف يبقى معه "جيش النصرة" الذي شكّله على أساس الولاء الشخصي كما أسس الأسد سرايا الدفاع ذات يوم وكما أسس صدام فدائيي صدام.

سوف يسعى الجولاني لاستئصال كل الفصائل وتنصيب نفسه إمبراطوراً على إدلب، سيحاول تنفيذ أقذر مهمة في تاريخ الثورة: تعطيل المشروع التركي الساعي لإنقاذ إدلب من المحرقة (وأرجو أنه سيفشل بإذن الله) ثم سيرحل غيرَ مأسوف عليه إلى مزبلة التاريخ.
 

 

من حساب الكاتب على فايسبوك

تعليقات الزوار

لم يتم العثور على نتائج

أضف تعليقًا

جميع المقالات تعبر عن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع