تحذير المتبع الحر من تكفير الجيش الحر (بحث تأصيلي في حكم الجيش الحر زمن الاستضعاف وفق ضوابط التكفير)

الكاتب : مظهر الويس
التاريخ : 20 نوفمبر 2014 م

المشاهدات : 3959


تحذير المتبع الحر من تكفير الجيش الحر (بحث تأصيلي في حكم الجيش الحر زمن الاستضعاف وفق ضوابط التكفير)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

 

مقدمة:

فإن مما يدمي الفؤاد ويجرح الوجدان هو ما نراه في بلاد الشام الحبيبة من غياب المشروع السني وتشرذم أهله،في الوقت الذي ينتفش فيه أهل الباطل وتتوحد كلمتهم لسحق المسلمين وتمزيق آمالهم، وذلك له أسباب عديدة لعل من أبرزها ظاهرة الغلو الخبيثة التي ضربت أطنابها في شتى الجماعات بلا استثناء.

وأخطر ما في هذه الظاهرة هو انتشار الغلو في التكفير وسبب ذلك الداء الخطير إنما هو الجهل والهوى وتصدر الأغمار من الجهلة والحدثاء والسفهاء وسكوت أهل الحق عليهم تحت ذرائع واهية مما زاد في طغيانهم، ولعل من المسائل النازلة التي رأينا التكفير فيها بالجملة هي تكفير الجيش الحر والحكم عليه بالردة والعمالة والخيانة.

حيث نسمع عن انتشار هذه الظاهرة الخطيرة والحجة في هذا التكفير أن عناصر الجيش الحر هم أذناب أمريكا و عملاؤهم على الأرض وأنهم يتلقون الدعم بالسلاح وما ذاك إلا لأنهم عملاء خونة وأنهم علمانيون ديمقراطيون ليبراليون كارهون للإسلام وتحكيم الشريعة، وأصبح الجهلة يتحدثون والمنصف من الجهلة إن وجد فهو يقول بتكفير الجيش الحر أو من هو مرتبط "بالموك" كفر طائفة و إن تكرم على الأمة فهو لا يكفر الأعيان منهم!!

ألهذه الدرجة وصلت الرعونة والطيش بهؤلاء المجاهيل وكذلك الجبن القاتل المتستر بستار الحكمة الجوفاء وقد صدق الشاعر :

يرى الجبناء أن الجبن حزم  *** وتلك خديعة الطبع اللئيم

ولذلك نريد أن نتكلم عن الأمور التي يتم الخلط فيها ومن خلالها يتم الحكم على الجيش الحر وفصائله بالكفر والردة حتى يتبين للناس طريقة مقاربة هذه النازلة والاحتمالات الكثيرة التي ترافق هذه القضية وهذه المسائل هي:

أولاً- الخلط في مفهوم الراية:

لا بد أن نعرف ما هي الراية؟ وما هي راية الجيش الحر؟ وهل راية الجيش الحر علمانية حقاً؟

إن الراية ليست هي العلم والبيرق وكذلك ليست هي الشعار فحسب؟ بل الراية هي الغاية من القتال والدافع له، فراية القتال ليست الانتساب إلى جماعة أو طائفة بعينها حتى تكون الراية شرعية، بل هي الهدف من القتال وهذا ما سطره علماؤنا قديما وحديثاً.

يقول الشيخ أبو الوليد الأنصاري في الرسالة الشامية: ((والمرادُ بالرايةِ في الحديث الغايةُ، كما ورد في حديثِ قتال الروم في الملحمة الكبرى: فيأتونكم تحتَ ثمانين رايةً، وفي روايةٍ: غاية، وإنما سميتْ الرايةُ غايةً لأنها غايةُ المقاتل، فإذا كانت الغايةُ من القتال محمودةً شرعاً كقتال المعتدي الصائل على بلاد المسلمين، وقتال الطوائف الخارجة عن شريعة الإسلام، وقتال الطائفةِ الباغية الخارجة عن طاعة الإمام المفارقة لجماعة المسلمين، والقتال نصرةً للمظلومين والمستضعفين من المؤمنين، ونحو ذلك من الغايات المحمودةِ، فليسَتْ هِي رايَةً عِمّيّةً ولا جاهِلِية، ولا يجوزُ تسميتُها بذلك)).

ولعلنا نسأل ما هو هدف الجيش الحر من القتال؟

أليس هو إسقاط النظام ورفع الظلم عن المظلومين وإنقاذ المستضعفين ثم أليس الحر ممن يطالب دوماً بالنزول على حكم الله؟

أليسوا من الشرفاء الثائرين الذين انشق بعضهم عن النظام المجرم ورفضوا قتل أهلهم و اقتحموا على العدو النصيري وكبدوه خسائر فادحة؟

أليس الكثيرون منهم يوم خرجوا في المظاهرات كان كثير من الغلاة يقولون بحرمة المظاهرات ويعتبرونها عصبية جاهلية وراية عمية؟!

كفانا تشدقاً بالرايات وخاصة في جهاد الدفع الذي لا يشترط له شرط بل يدفع قدر الإمكان.

قال الشيخ أبو الوليد الأنصاري في الرسالة الشامية ص2 :

((وقتال الدفع أوسعُ من قتال الطلب، وأيسر شرطاً، بل لا يشترط له شرطٌ عند المحققين من العلماء كابن العربي المالكي وابن تيمية وغيرهما، فإنه يسعُ الواحدَ من المسلمين أن يقاتل عن أهله وولده وماله، ولم يشترط أحدٌ لمثل هذا القتال أميرا ولا رايةً ولا غيرَ ذلك مما يشترطه بعضهم، وأرى في مثل هذا توسعةً على المسلمين ولله الحمد، وباباً نلج منه إلى عامة المسلمين وجمع كلمتِهم، فإن الناس قد طال عهدُها بالقهر والظلم، وبَعُدَ بِها العهد عنْ سلطان الإسلام والشرع.

فمن ثار منهم في وجه ظالمه، وقام منكراً عليه، مطالباً بحقه وحق من معه من المسلمين، باذلاً في ذلك قدْرَ الوُسْع والطاقةِ، فالواجب أن يشكر، وأن يمدح فعله ذاك، وأن تمدّ له يدُ العون والتسديد ما أمكنَ، ولا يقال له: إن لم تحمل السلاح فلا تُنكر، وإن لم تقاتل فلا تتظاهر، وإن لم تقاتل تحت راية فلان فلا تقاتل، بل يقال له: إن إنكارك للظلم من الإسلام، وإن مطالبتك بحقوق المسلمين التي لا قيام للأمة إلا بها من الإسلام، وإن عملك على إزاحة من يبيع الأمة لعدوها بأبخس الأثمانِ عن كاهل الأمة من الإسلام، وإن محاربة الجوع والفقر والمرض من الإسلام،... ونحو هذا مما يعيه المخاطبون من عامة المسلمين وفيه إظهار لمحاسن الإسلام. ثم إن إنكار المنكر على مراتب، ولا يكلف المرء إلا بما يقدر عليه، نعم، والواجب توجيه الناس إلى الغاية الكبرى والمقصد الأعلى، وهو أن يكون الدين كله لله،)).

ثانياً- خطورة التسرع بتكفير كل من دعى للديمقراطية والدولة المدنية دون تفصيل:

لعل قائلاً ومعترضاً يقول إن ما قلته جيد وأننا نرى الجيش الحر يقاتل العدو النصيري ولكن البعض منهم يطالب بالديمقراطية والدولة المدنية وهذا كفر يحبط العمل والجهاد فإن الشرك لا ينفع معه عمل مهما كان عظيماً وهنا عدة مسائل في هذا الباب:

1- إن من المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن تكفير المعين يتوقف على ثبوت الشروط والموانع، قال في شرح الطحاوية - ط دار السلام (ص: 318)

الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ، لَكِنْ فِي الِاعْتِقَادَاتِ الْبِدْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مُتَأَوِّلًا، فَيَقُولُونَ: يَكْفُرُ كُلُّ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ وَغَيْرِهِ، أَوْ يَقُولُونَ: يَكْفُرُ كُلُّ مُبْتَدِعٍ، وَهَؤُلَاءِ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْإِثْبَاتِ الْعَامِّ أُمُورٌ عظيمة، فثان النُّصُوصَ الْمُتَوَاتِرَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ [مِثْقَالُ] ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَنُصُوصُ الْوَعْدِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا هَؤُلَاءِ تُعَارِضُ نُصُوصَ الْوَعِيدِ الَّتِي يَحْتَجُّ بِهَا أُولَئِكَ، وَالْكَلَامُ فِي الْوَعِيدِ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ: وَأَهْلُ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ لَا يُخَلَّدُونَ، إِذَا مَاتُوا وَهُمْ مُوَحِّدُونَ.

وَالْمَقْصُودُ هُنَا:

أَنَّ الْبِدَعَ هِيَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُؤْمِنًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا، لَكِنْ تَأَوَّلَ تَأْوِيلًا أَخْطَأَ فِيهِ، إِمَّا مُجْتَهِدًا وَإِمَّا مُفْرِطًا مُذْنِبًا، فَلَا يقال.

إن إيمانه حبط لمجرد ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ قَوْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَلَا نَقُولُ: لَا يَكْفُرُ، بَلِ الْعَدْلُ هُوَ الْوَسَطُ، وَهُوَ: أَنَّ الْأَقْوَالَ الْبَاطِلَةَ الْمُبْتَدَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ الْمُتَضَمِّنَةَ نَفْيَ مَا أَثْبَتَهُ الرَّسُولُ، أَوْ إِثْبَاتَ مَا نَفَاهُ، أَوِ الْأَمْرَ بِمَا نَهَى عَنْهُ، أَوِ النَّهْيَ عَمَّا أَمَرَ بِهِ، يُقَالُ فِيهَا الْحَقُّ، وَيُثْبَتُ لَهَا الْوَعِيدُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ، وَيُبَيَّنُ أَنَّهَا كُفْرٌ.

وَيُقَالُ: مَنْ قَالَهَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَمَا يُذْكَرُ من الوعيد في الظلم في النفس وَالْأَمْوَالِ، وَكَمَا قَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمَشَاهِيرِ بِتَكْفِيرِ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ [وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ قَالَ: نَاظَرْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُدَّةً، حَتَّى اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيُهُ: أَنَّ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ].

وَأَمَّا الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ، إِذَا قِيلَ: هَلْ تَشْهَدُونَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوَعِيدِ وَأَنَّهُ كَافِرٌ؟

فَهَذَا لَا نَشْهَدُ عَلَيْهِ إِلَّا بِأَمْرٍ تَجُوزُ مَعَهُ الشَّهَادَةُ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْبَغْيِ أَنْ يُشْهَدَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ وَلَا يَرْحَمُهُ بَلْ يُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ، فَإِنَّ هَذَا حُكْمُ الْكَافِرِ بَعْدَ الْمَوْتِ.

وَلِهَذَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ: "بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبَغْيِ"، وَذَكَرَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانِ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ، فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ، فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ. فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي، أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رقيبا؟ فقال: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يدخلك [ال له] الْجَنَّةَ فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا؟ أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدَيَّ قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: والذي نفسي بيده، لتكلم بكلمة أو بقت دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ"  وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ؛

وَلِأَنَّ الشَّخْصَ الْمُعَيَّنَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا مَغْفُورًا له، [ويمكن أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ]، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إِيمَانٌ عَظِيمٌ وَحَسَنَاتٌ أَوْجَبَتْ لَهُ رَحْمَةَ اللَّهِ، كَمَا غَفَرَ لِلَّذِي قَالَ: إِذَا مِتُّ فَاسْحَقُونِي ثم اذروني، ثُمَّ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ لِخَشْيَتِهِ، وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى جَمْعِهِ وَإِعَادَتِهِ، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ هَذَا التَّوَقُّفَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ لَا يَمْنَعُنَا أَنْ نُعَاقِبَهُ فِي الدُّنْيَا، لِمَنْعِ بِدْعَتِهِ، وَأَنْ نَسْتَتِيبَهُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ إِذَا كَانَ الْقَوْلُ فِي نَفْسِهِ كُفْرًا قِيلَ: إِنَّهُ كُفْرٌ وَالْقَائِلُ لَهُ يَكْفُرُ بِشُرُوطٍ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ.)).

ومما سطره الشيخ عطية الله الليبي رحمه الله في لقائه مع شبكة الحسبة الإسلامية:

((ومسألة التكفير عموماً من أكثر وأشد المسائل التي ننبه عليها دائماً، ونحذر الشباب الجهادي من خطرها، ونقول لهم اتركوها لعلمائكم الموثوقين، ولا تسمحوا لأي أحد ممّن هبّ ودبّ أن يخوض فيها، فإنها خطر عظيم ومزلة يخشاها العلماء الكبار الأئمة ويترددون في الكثير من صورها الواقعية ويطلبون دائماً سبيل السلامة، ويقولون، لا نعدل بالسلامة شيئاً.

والشاب من شبابنا العامي في العلم يكفيه الإيمان الإجمالي بالله تعالى وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم والكفر الإجمالي بالطاغوت، وأما التفاصيل ومنها الحكم على فلان، وعلى الجماعة الفلانية هل كفروا أو لا؟

هل خرجوا من الملة بفعلهم كذا أو لا؟ وما شابه ذلك من فروع، فهي بحسب العلم، لأن هذه مسائل فتوى وقضاء وأحكام شرعية... فما لا يعلمه فليقل: لا أعلمه ولا أدري، وهذا لايضره في دينه وإيمانه،، بل هو صريح الإيمان!

والجاهل ليس له أن يتكلم في هذه المسائل ولا يصدر عنها أحكاماً ولايتبنى فيها قولاً إلا على سبيل التبعية والتقليد للعلماء،

بل يقول: لا أدري واسألوا العلماء فإن تكلم العلماء بعد ذلك فله أن يقلد أو يتبع من يثق فيه من أهل العلم المعروفين بالعلم والله الموفق لما فيه الخير والصلاح.)).

2- إن مسألة الديمقراطية والدولة المدنية من المسائل الخفية حالياً والتي لم يستفض فيها العلم إلى الآن ولذلك فالعذر فيها واسع كما هو معلوم ، ولا بد من التمييز بين الديمقراطية كدين يعطي التشريع لغير الله و بين الديمقراطية كأسلوب و إجراءات تنظيمية في إدارة الحياة قد لا تتعارض مع الإسلام ولذلك يدخلها الاحتمال.

يقول الشيخ أبو الوليد الأنصاري في الرسالة الشامية ص :12

أن الديموقراطية، تحمل معنيين:

  • المعنى الفلسفي العقائديّ، وهو الذي يجعل التشريع لغير الله تعالى.
  • ومنها المعنى الإجرائي الذي يتعلق بتنصيب الحكام والولاة وتعيينهم وعزلهم، وتحديد علاقة الحاكم بالمحكوم، وواجبات كل، وغير ذلك من الإجراءات التي تضمنُ تحقيق العدالةِ، وتمنعُ استغلال السلطة لمصالح خاصة تفوت معها مصالح الأمة والمجتمع.

وهذا الفرقان هو الذي أفضى إلى اختلاف أنظار العلماء في تجويز ذلك أو منعه، مع اتفاقهم على المنع من إقرار كل شريعة تخالف شريعة الإسلام.))

ويقول الشيخ أبو الوليد أيضاً:

يدعو كثيرٌ من الناسِ الخاصة والعامة إلى (الديموقراطية) ولا يريد بِها المعنَى الذي وضعتْ له ابتداءً وهي حكمُ الشعبِ المناقضُ لحكم الله تعالى، ولا عرضَ شريعة الله تعالى على آراء البشر ليقبل أو يرد، ولا تداول الحكمِ بين الإسلام تارةً وما يناقِضُهُ من المذاهب والأديان تارةً أخرى، بل يريد بِها الحرّيّةَ والعدْلَ وضمانَ حَقّ الفردِ ونحوَها من المعاني التي تقابلُ القهر والكبْتَ والظلمَ في العالم الإسلامي.

فـ(الديموقراطية) الغربية - مفهوماً وواقعاً - فيها معنيان:

  • معنىً مذمومٌ مناقض للشرع، وهو تحكيم الأهواء والشرائعِ الموضوعةِ وتقديمها على حكم الله تعالى.
  • ومعنىً محمودٌ هو الحريّةُ والعدلُ والتسوية بن الناس في الحقوق والواجبات، وضمانُ حق الفرد وكرامتِه، ومحاسبةُ المتولي والقائم على شئون الرعيةِ، ونحْوُ هذا مما لا نِزاع في كونه من المحاسن.

وقد يكونُ في بعض هذه الأفرادِ أيضاً ما يخالفُ الشرع وما يوافقه، كالحريّةِ مثلاً، فمن المذموم المناقض للشرع حريةُ الارتداد عن الدين، وحريةُ الإباحية الخلقية، ومن الموافق له حريةُ النقدِ للمتولي، ومحاسبةِ القائم بشئون الرعية، وحريةُ الرأي فيما فيه مصلحة الأمة والمجتمع، وكذا العدل والمساواة، فيهما ما يعرف وما ينكر.

فمما يعرفُ ويوافق الشرع المساواةُ في الحقوق والواجبات بين الآمر والمأمور، وعدم التفريق بين الناس للون أو جنس، ومما ينكرُ ويخالف الشرع المساواةُ بين الرجل والمرأةِ في المواضع التي توجب التفريق بينهما، ومثل هذا كثير، والمقصودُ أن كثيراً من الناسِ يريدُ هذه المعانيَ الحسنةَ عند الإطلاق، وإنما عبّر عنها باللفظ المذكور لشيوعِه على ألسنة الناس فيجاريهم فيه، أو لجهلِهِ بتناول اللفظ للمعنى المذموم، أو لجهله كونَ المعنى المذموم مما يخالف الشرع، أو لجهله كونَ الشرع قد جاءَ بما يدل على هذه المعاني الحسنةِ، بل بأحسن منها، وهذا الأخير راجعٌ إلى القصورِ في بيانِ محاسنِ الشرعِ للناس، وهو واجبُ حملة العلمِ والدعاة إلى الله من المسلمين.

وإنما فصلت في هذا الموضع تنبيهاً على وجوب مراعاة أحوال العامة من الناس.

ثالثاً- ضرورة إعتبار عارض التأويل والإكراه في دار الحرب:

يجب أن لاننسى أننا في حالة حرب وضرورة وقد أفتى كثير من العلماء بجواز ارتكاب الكفر من باب خداع الكفار في الحرب حيث يدخل باب التأويل و الإكراه كما قال تعالى: والدليل على ذلك قوله تعالى: ((لا يتخذِ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيءٍ إلا أن تتقوا منهم تُقاةً ويُحذركم الله نفسَه وإلى الله المصير)) آل عمران:28.

قال ابن جرير الطبري في التفسير 3/227: ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفارَ ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتُظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء يعني بذلك: فقد برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر إلا أن تتقوا منهم تقاة إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تُعينوهم على مسلم بفعل.

وعن السدي قال: إلا أن يتقي تقاةً؛ فهو يُظهر الولاية لهم في دينهم، والبراءة من المؤمنين.

وعن ابن عباس قال: التقاة التكلم باللسان، وقلبه مطمئن بالإيمان.

وعنه قال: فالتقية باللسان؛ من حُمل على أمر يتكلم به وهو لله معصيةٌ، فتكلم مخافةً على نفسه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه، إنما التقية باللسان.

وعن عكرمة في قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة قال:ما لم يُهرِق دم مسلم، وما لم يستحل ماله. انتهى.

وقال ابن كثير في التفسير: إلا أن تتقوا منهم تقاة أي من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم.

وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس إنما التقية باللسان، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء، والضحاك، والربيع ابن أنس.

وقال البخاري: قال الحسن التقية إلى يوم القيامة.)).

ومن كلام الفقهاء ماقال الشيباني في السير 1/185: وإذا دخل المسلم دار الحرب بغير أمان، فأخذه المشركون فقال لهم: أنا رجل منكم، أو جئت أريد أن أقاتل معكم المسلمين، فلا بأس بأن يقتل من أحب منهم، ويأخذ من أموالهم ما شاء..

وفي روضة الطالبين للنووي رحمه الله (7/ 288): (( ولو شد على وسطه زنارا، ودخل دار الحرب للتجارة، كفر، وإن دخل لتخليص الاسارى، لم يكفر.))

وفي الفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية 6 / 331 - 332. وَمَنْ شَدَّ الزُّنَّارَ وَدَخَل دَارَ الْحَرْبِ كَفَرَ، قَال الأْسْرُوشَنِيُّ: إِنْ فَعَل ذَلِكَ لِتَخْلِيصِ الأْسِيرِ لاَ يَكْفُرُ، وَلَوْ دَخَل لِلتِّجَارَةِ كَفَرَ)).

ومن ذلك ما فعله المسلمون في زمن القائد صلاح الدين وقت حصار عكا حيث تظاهر التجار المسلمون بأنهم نصارى ولبسوا لباس الفرنج ومما سطره ابن كثير رحمه الله في ذلك في البداية والنهاية 12/412، ((وكان السلطان قد جهز قبل هذه البطش الثلاث بطشة كبيرة من بيروت، فيها أربعمائة غرارة (الغرارة مفرد الغرائر، وهي الأكياس الكبيرة من صوف أو شعر توضع فيها الحبوب وغيرها.)، وفيها من الجبن والشحم والقديد والنشاب والنفط شئ كثير، وكانت هذه البطشة من بطش الفرنج المغنومة، وأمر من فيها من التجار أن يلبسوا زي الفرنج حتى أنهم حلقوا لحاهم، وشدوا الزنانير، واستصحبوا في البطشة معهم شيئا من الخنازير، وقدموا بها على مراكب الفرنج فاعتقدوا أنهم منهم وهي سائرة كأنها السهم إذا خرج من كبد القوس، فحذرهم الفرنج غائلة الميناء من ناحية البلد، فاعتذروا بأنهم مغلوبون عنها، ولا يمكنهم حبسها من قوة الريح، وما زالوا كذلك حتى ولجوا الميناء فأفرغوا ما كان معهم من الميرة، والحرب خدعة، فعبرت الميناء فامتلا الثغر بها خيرا، فكفتهم إلى أن قدمت عليهم تلك البطش الثلاث المصرية.))

وتأمل كلام العلامة ابن كثير أن الحرب خدعة مبيناً وجه هذا الإجتهاد.

رابعاً- الخلط وعدم التمييز بين موالاة الكفار ومسألة التعامل المشروع معهم وخاصة في مرحلة الاستضعاف:

وأما الكلام عن أخذهم السلاح من الكفاروتكفيرهم بمجرد ذلك فهذا من العجب العجاب فإن كان شراء السلاح من الكفار مع أن فيه منفعة الكفار بالمال جائزاً فكيف لا يكون أخذه على وجه المساعدة، ألم يستعر النبي صلى الله عليه وسلم سلاح صفوان بن أمية مع أنه كان كافراً قال ابن القيم في الزاد3/420: ((أن الإمام له أن يستعير سلاح المشركين وعدتهم لقتال عدوه كما استعار رسول الله صلى الله عليه وسلم أدراع صفوان وهو يومئذ مشرك))

وقال الحافظ في فتح الباري مستفيداً من تعامل النبي عليه السلام مع خزاعة (5/ 338):

"وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ اسْتِنْصَاحِ بَعْضِ مُلُوكِ الْعَدُوِّ اسْتِظْهَارًا عَلَى غَيْرِهِمْ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَلَا مُوَادَّةِ أَعْدَاءِ اللَّهِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ اسْتِخْدَامِهِمْ وَتَقْلِيلِ شَوْكَةِ جَمْعِهِمْ وَإِنْكَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ."

ثم إننا في حالة استضعاف ويجوز في حالة الاستضعاف الدخول في جوار الكافر طالما لم يرتكب محظوراً، كما دخل النبي في جوار أبي طالب و المطعم بن عدي، ودخل أبو بكر في جوار ابن الدغنة ودخل الصحابة في جوار النجاشي بل قاتلوا تحت رايته وكان كافراً حينها ضد من خرج عليه لأن مصلحة إبقاء النجاشي العادل أفضل للمسلمين من النجاشي الآخر و فرح الصحابة بانتصاره وكان كافراً؟

ألم يراسل الزهري هرقل الروم طالباً جواره لما أراد هشام بن عيد الملك قتله؟

وألم يقبل حذافة السهمي رأس ملك الروم لإخراج الأسرى من المسلمين وقال عمر -رضي الله عنه- : حق على كل مسلم أن يقبل رأس حذافة؟

ألم يفعل محمد بن مسلمة ما فعل و خدع كعب بن الأشرف و أظهر له أنه من المنافقين ونال رأس كعب اليهودي وكذلك الحجاج بن علاط، وعبد الله بن أنيس الذي خدع خالد بن سفيان الهذلي؟ وغيرهم الكثير ممن خدع الكفار بكلام ومعاريض ليحققوا مصلحة للمسلمين والقصص كثيرة.

ومما سطره الشيخ عطية الله الليبي حول هذه القضية كلامٌ لايتردد الجهلة بوصف قائله بالإرجاء بل ربما بالكفر و العياذ بالله حيث يقول: ((وأنا أوصي دائماً باستعمال عبارات: من فعلَ فنخشى عليه من الوقوع في الكفر، وهذا العمل قد يصل إلى الكفر في بعض صوره... وما شابه ذلك من الخطاب، فإن هذا من لغة العلم والفقه، ومن محاسنها أنه يحصلُ بها الزجر والتخويف، وتشتمل على الاحتياط والتثبّت.

ولا داعيَ هنا للقول بأن من شارك في التصويت فإنه مقرّ بمبدإ الديمقراطية، فهذا كلامٌ غير صحيح ألبتة، فلا تلازمَ.!

والكثيرون في أنحاء الأرض من المسلمين يكفرون بالنظام الديمقراطي ويعدّونه دينا غير دين الإسلام، ثم هم يشاركون في التصويت في بلدانهم من أجل دفع ضررٍ أو تخفيفه، أو تحقيق مصلحةٍ أو تكثيرها، من خلال اختيار مرشّح على آخر

مثاله:

  • مسلم في أمريكا صوّت لكيري بدل بوش، أو بالعكس.
  • مسلمٌ صوّت لبوش لما رأى أنه وبالٌ على أمريكا ودمار، وفهِم أن الشيخ أسامة بن لادن والقاعدة يريدون ذلك ويتمنّونه أو منع مشروع أو المطالبة به ونحو ذلك، وهذا جائز إن شاء الله، وبه يفتي عامة العلماء المعاصرين، وضوابطه لا تخفى.

ومن منعه فلا يصل به إلى حدّ الكفرِ، هذا لا نعلمه عن عالمٍ معتبرٍ.

والحاصل أن المشاركة في التصويت ليس معناها الإقرار بالنظام الديمقراطي والإيمان به.

فإنه لو طرح حاكم ديكتاتوري مستبد استبداداً مطلقاً لا يؤمن بالديمقراطية ولا يعرفها ولا يطبقها مشروعا للاستفتاء (ليس هو مخالفا للشريعة في ذاته، وإنما من قسم المباحات) وصوّت مسلم بما يراه المصلحة له ولدينه من "نعم" أو "لا" فإن هذا كما ترون لا تعلّق له بالديمقراطية ولا غيرها.

وإنما هو دفعٌ بما أمكن للمضرة، وجلب للمصلحة، بوسيلة مباحة؛ بقول نعم نريد كذا، أو لا نريده ونرفضه، وهذا في أزمان الاستضعاف للمسلمين، وفي حالة غلبتهم من الكافرين، وأما في زمن القوة والتمكن فالمسألة غير واردة، والله أعلم.)).

خامساً – التسرع بإطلاق حكم الطائفة دون معرفة ضوابط ومناطات الطوائف:

ثم إن الكلام عن الطوائف من أخطر الكلام ولا يجوز أن نطلق حكم الطائفة المرتدة جزافاً دون أن تجتمع الطائفة على ناقض ويطرد هذا الوصف وتمتنع حتى تكون كالشخص الواحد تعاضداً وتناصراً وتعاوناً كما يبين دائما شيخ الإسلام ابن تيميةكما في السياسة الشرعية ص 105، ولذلك لم يعط العلماء الشيعة والصوفية حكماً واحداً، بل فصلوا وبينوا ولم يحكموا بحكم واحدولذلك فأين مناط الكفر الذي اجتمع عليه الجيش الحر حتى نحكم على عناصره بكفر الطائفة وما هي المناطات العملية التي يطبقونها على الأرض وتصبح هي الظاهر منهم؟

هل اجتمعوا على ياسق وهل دعوا إلى علمانية ونشروا الكفر والإلحاد أو حاربوا المسلمين مظاهرين للكفارعليهم وما هوكفرهم الميداني على أرض الشام؟

ولعل الجهلة يحسبون أفراد الجيش الحر وفصائله على بعض قادة الائتلاف أوبعض قيادات المجلس العسكري والكل يعلم الهوة الكبيرة والفرق بين أولئك وهؤلاء ولذلك لا مجال لتعميم حكم الطائفة إلا على مذهب العوفية من الخوارج (ومثلهم مارقة العوادية الحرورية) الذين قالوا بكفر الرعية إذا كفر الإمام وكذلك هذه البدعة الطارئة إذا كفر قائد الفصيل –إذا سلمنا بكفره- كفر الفصيل كله، بل الحق أن الجيش الحر إلى الآن لم يمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام و هو يجاهد العدو و يرابط في الثغور و يقبل بالمحاكم الشرعية و يصدع بالتكبير والتهليل و يطلب الدورات الشرعية وليس كما يتصور البعض ممن يظن الجيش الحر علمانياً يسارياً يلتزم أدبيات ماركس أو غيره بل هو ينشر المطويات الشرعية كما نرى عياناً و لذلك لم يثق به الغرب ولم يعتمده لأنه يعلم حقيقة ما عليه.

يقول أبو الوليد ص8:

((وأما الحكم بتكفير أعيان الطوائفِ التي وقع أئمتُها في الأفعال المكفرة فلا يرتضيه المحققون من العلماءِ، ومن قواعد الفقهاء أن الشهادة المجملة لا تُقْبَلُ في حق أعيان الطائفة، ولا يقدمُ على استباحة شيء من الدماء إلا بدليل بين،)).

ولذلك لا يصح القول بإطلاق القول بكفر الطائفة لأحد فصائل الجيش الحر بل تناقش كل حالة على حدى لأن مناط الطائفة لم يتحقق، بل الأصل فيهم الإسلام لما أظهروه من الإسلام ولا بد لإثبات الكفر من أدلة يقينية بعد تحقق الشروط والموانع كفراً بواحاً لنا فيه من الله حجة وبرهان.

سادساً- حرمة الحكم بالمآلات واللوازم والظنون والشبه:

قد يعترض علينا البعض حينما يقع ما كان يدندن عليه البعض من أن الجيش الحر هم صحوات المستقبل وعملاء الغد لكي يحاول أن يثنينا عن قول الحق و تخويفنا فنقول إننا نتكلم بما يظهر لنا ولا نرجم بالغيب ونمتنع عن قول الحق لأمور موهومة بل نقول الحق و لا نتتبع اللوازم والمآلات ونحكم بها حتى يلتزمها فهذا لعمر الحق هو شنشنة الغلاة الذين زرعوا هذه البدعة في عقول كثيرين وأصبح من الصعوبة إزاحة هذه البدعة من عقول الكثيرين التي أصبحت بمثابة القناعة، وإن العاقل ليحب أن يقال أخطأ في حسن الظن خير من أن يكون أخطأ في سوء الظن، ولئن يخطئ المرء بعدم التكفير خير من أن يخطئ بالتكفير والخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، ولو أن البعض تكلم من باب سد الذريعة لأصبح المجال مجال نظر واجتهاد ومن المعلوم أن ما حرم سداً للذريعة قد يباح للمصلحة الراجحة،

يقول ابن حزم في الفصل 3/ 294:

" وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ؛ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به، وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط، والتناقض ليس كفراً، بل قد أحسن إذ قد فر من الكفر. "

ويقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى 20/ 217:

" الصواب أن لازم مذهب الإنسان ليس بمذهب إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان، قد أنكره ونفاه، كانت إضافته إليه كذباً عليه، بل ذلك يدل على فساد قوله وتناقضه في المقال ولو كان لازم المذهب مذهباً للزم تكفير كل من قال عن الاستواء وغيره من الصفات أنه مجاز ليس بحقيقة، فإن لازم هذا القول يقتضي أن لا يكون شيء من أسمائه وصفاته حقيقة. "

وقال الشاطبي في الاعتصام 2/ 549:

((ولازم المذهب: هل هو مذهب أم لا؟ هي مسألة مختلف فيها بين أهل الأصول، والذي كان يقول به شيوخنا البجائيون والمغربيون ويرون أنه رأي المحققين أيضاً أن لازم المذهب ليس بمذهب، فلذلك إذا قرر عليه، أنكره غاية الإنكار))

وأورد السخاوي في فتح المغيث 1/ 334، مقالة شيخه ابن حجر حيث قال:

"والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه..

أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافراً ولو كان اللازم كفراً.  " والتحقيق الذي يدل عليه الدليل أن لازم المذهب الذي لم يصرح به صاحبه ولم يشر إليه، ولم يلتزمه ليس مذهباً؛

قال في شرح الطحاوية - ط دار السلام (ص: 320)

((فَمِنْ عُيُوبِ أَهْلِ الْبِدَعِ تَكْفِيرُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَمِنْ مَمَادِحِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ يُخَطِّئُونَ وَلَا يُكَفِّرُونَ.)).

فكيف لمن يحب الله ورسوله و يقاتل العدو و ينكي فيه ان نحبط عمله بتكفيره وإخراجه من الملة فهذاظلم وبغي وصد عن سبيل الله تعالى يقول ابن حزم في المحلى برقم 930-(( مسألة - ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمر بإسلام حريم المسلمين (إليهم) من أجل فسق رجل مسلم لا يحاسب غيره بفسقه.)).

الخلاصة:

وبناء على ماسبق من ورود الإحتمالات العديدة من توضيح معنى الراية و مانع التأويل والإكراه والتمييز بين التعامل والموالاة يجعل المرء يطمئن إلى القول بتخطئة هذه الإطلاقات الخطيرة المتسرعة من إطلاق القول بتكفير الجيش الحر وفصائله سواء كفرطائفة أو أعيان ويبقى المجال مفتوحاً لمناقشة كل معين بناء على حاله ووضعه مع أن الأصل هو الإسلام، وليس مقصودنا تبني خيارات ذكرت ضمن البحث ولكنها ذكرت لتبين أن المسألة محتملة لا مجال للقطع فيها ويقال فيها للمجانب للصواب أخطأت و لا يقال كفرت، يقول ابن الوزير في إيثار الحق على الخلق (402): "وكم بين إخراج عوام فرق الإسلام أجمعين، وجماهير العلماء المنتسبين إلى الإسلام من الملة الإسلامية، وتكثير العدد بهم، وبين إدخالهم في الإسلام ونصرته بهم وتكثير أهله، وتقوية أمره، فلا يحل الجهد في التفرق بتكلف التكفير لهم بالأدلة المعارَضة بما هو أقوى منها أو مثلها مما يجمع الكلمة، ويقوي الإسلام، ويحقن الدماء، ويسكن الدهماء حتى يتضح كفر المبتدع اتضاح الصبح الصادق، وتجتمع عليه الكلمة، وتحقق إليه الضرورة".

وقال الغزالي في الاقتصاد في الاعتقاد (223 - 224):

"والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأِ في سفك محجمة من دم مسلم ".

ويقول رحمه الله في فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة (128):

"الوصية: أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، غير مناقضين لها... فإن التكفير فيه خطر، والسكوت لا خطر فيه".

وينقل ابن نجيم كما في البحر الرائق (5/ 134) عن أهل العلم حرصهم على إعذار المسلم، وتوقفهم عن المبادرة إلى تكفيره مهما وهنت شبهته التي دفعت به إلى ارتكاب المكفِّر، فيقول: "وفي الفتاوى الصغرى: الكفر شيء عظيم، فلا أجعل المؤمن كافراً متى وجدت رواية أنه لا يكفر".

ويقول:

"وفي الخلاصة وغيرها: إذا كان في المسالة وجوه توجب التكفير، ووجه واحد يمنع التكفير، فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير، تحسيناً للظن بالمسلم".

ثم يقرر رحمه الله خلاصة رأيه فيقول: "والذي تحرر أنه لا يفتى بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف، ولو رواية ضعيفة، فعلى هذا فأكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير بها، ولقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها".

وينقل المليباري في فتح المعين (4/ 138).اتفاق العلماء قديماً وحديثاً على الاحتياط والتريث في هذه المسألة: "ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظم خطره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديماً وحديثاً".

ولا يعني هذا أننا لانسعى لنقل هؤلاء الإخوة من حالة الإجمال إلى حالة التفصيل والتبيين وننصحهم ونأخذ بيدهم ونأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر بل ونكفرهم إذا ارتكبوا النواقض الصريحة التي لنا فيها من الله حجة وبرهان بعد توفر الشروط وإنتفاء الموانع.

ما هو المخرج من هذه الأزمة:

إن المخرج من هذه الأزمة وقبل كل شئ أن نفهم هذه المرحلة في عمر الحركة الجهادية ومن ثم نعمل على نشر هذا للناس جميعا دون مواربة أو مداهنة، وهذا ما أكدته خطابات القاعدة في مركزها من أن المرحلة هي مرحلة نكاية وحرب عصابات وليست مرحلة دول وإمارات وحذرت من الهوس المرضي في مسألة الدول والإمارات كما قال الأستاذ أحمد فاروق أحد علماء القاعدة في رسالته فلتكن كالنحلة: ((نرى عدم التسرع في إعلان دول وإمارات قبل توفير المقومات اللازمة لها، فالشرع لا يحكم على مجرد أسماء ومبان بل العبرة بالحقائق والمعاني، فالمطلوب هو عدم التسرع في تسمية جماعات غير ممكنة وتنظيمات غير ذات شوكة بالدول والإمارات، ولقد أثبتت التجارب المتكررة أن الجماعات التي تحصل على شوكة جزئية نسبية في بقعة صغيرة من بقاع الأرض في ظل العولمة وتحت سلطان نظام عالمي جاهلي ممكن هي في الحقيقة غير ممكنة، فهي لا تملك القدرة على حماية بيضتها ولا الدفاع عن رعاياها ولا تنجح في الغالب في توفير مستلزمات الحياة اليومية للملايين الذين يعيشون في ظلها، وسرعان مايزول سلطانها بمجرد توجه الجيوش الكافرة إليها لغزوها.

فتسمية مثل هذه الجماعات بـ (الدولة) تؤدي إلى احباط معنويات المسلمين ونشر اليأس والقنوط فيهم وتنفيرهم من تصور الدولة الإسلامية؛ فلذا نرى أن الأولى في هذه المرحلة عموماً هو الاستمرار في أسلوب حرب العصابات، وعدم الحرص على بسط السيطرة على الأرض قبل حينها، وتوجيه بوصلة القتال إلى الجيوش الكافرة المعتدية على أراضي المسلمين، وتركيز الجهود على إسقاط النظام الجاهلي العالمي-وتنسحب من العالم الإسلامي ذليلة حقيرة، فذلك هو السبيل لتحرير الأمة ولإعادة السيادة الحقيقية للإسلام وأهله ولقيام الخلافة الممكنة السائرة على منهاج النبوة-)).أهـ

ولو أدركنا هذه القضية لأدركنا سنة التدافع واستفدنا من المرحلة ولم نستجر مسلماً إلى الكفر بهوس الإمارة والتسلط وكل هذا في النهاية سيصب في مصلحة الجهاد ومحصلته في النهاية فالعلاقة تكون تشاركية طالما أن العدو واحد ومن الخطأ جعل العلاقة تنافسية تعارضية، وأختم بهذا الكلام الرصين للشيخ العلامة السعدي رحمه الله الذي يوضح هذه السنة الربانية في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص: 388)فيقول رحمه الله: ((قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ)) (91)

{وَلَوْلا رَهْطُكَ} أي: جماعتك وقبيلتك.

{لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} أي: ليس لك قدر في صدورنا، ولا احترام في أنفسنا، وإنما احترمنا قبيلتك، بتركنا إياك.

ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان ،فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا له ،نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم)).

هذا وللبحث مزيد تفصيل في بحث نسأل الله إخراجه قريباً وإنما أسرعت بإخراج هذا لما لا يجوز من تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن الوقت هو وقت بيان وحجة وصدع بالحق ونشر للعلم حتى يتعلم الجاهل و يرتدع الغالي.

والله أعلم وأحكم وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

 

من حساب الكاتب على تويتر

المصادر: