للنصر يا طلائع..

الكاتب : عماد كركص
التاريخ : 20 مايو 2015 م

المشاهدات : 2856


للنصر يا طلائع..

في العطلة الصيفية  التي تلي العام الدراسي لكل طفل في صفه الخامس، وبعمر 11 عام أو أقل . كان لابد لذلك الطفل إلا أن يذهب لمعسكرات الطلائع المنتشرة في سوريا، وكل طالب في محافظته، على كثرة تلك المعسكرات التابعة لمنظمة "طلائع البعث "، المنظمة "المولودة من رحم البعث" كما كان يعرّف عنها من قبل "الرفيق الطليعي"  (أحمد أبو موسى) رئيس المنظمة!.
في إدلب، كان مشرفو النشاطات "الطليعية" في المدارس يجمعون الطلاب في الصيف ويزجونهم في الحافلات التي تذهب بهم باتجاه قرية المسطومة قرب إدلب التي تحتوي معسكر المحافظة  لـ "طلائع البعث " المعروف بمعسكر المسطومة.
عند دخول الطلاب أو "الطلائعيين" لذلك المعسكر، كان لا بد من ترديد نشيد الطلائع قبل ترديد النشيد الوطني السوري الذي يبدأ:
" للبعث يا طلائع .. للنصر يا طلائع .. أقدامنا حقول .. طريقنا مصانع .. وتلمع الرايات في مواكب الطلائع "
ويتم ترديد ذلك الشعار في اليوم الواحد أكثر من خمسة مرات، وعلى مدار أسبوع من إقامتهم داخل المعسكر، وحتى بعد عودتهم منه، حينها تكون ألسنتهم قد اعتادت تلقائياً على ترديده.
وغير النشيد فإن أفكار البعث وشعاراته البالية، كانت تثقب آذان الأطفال كل يوم بمحاولة لتغذية فكرهم بها، في طفولتهم المسلوبة لصالح "السيدارة والفولار" وكأنهم ضمن صفوف الجيش النازي المجهز لغزو الاتحاد السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية .
وضمن حلقات المعسكر - التي لم أعد أذكر تسمياتها بالضبط – كانت تحوّر تلك التسميات في تفنيدها داخل الحلقات، فيختصر حب الوطن والدفاع عنه، بحب القائد الأوحد والدفاع عن نظامه، أما الجهاد الأكبر، فيكون بتلقين "الطليعي" كيف يشي بزميله المنحرف عن قيم وآداب المنظمة، ليكون (مخبراً) في "المستقبل الواعد" الذي أعد ليكون فاعلاً فيه .
أربعون عاماً، و تلك الأفكار تُزرع في عقول الأطفال.  لكن أحاديث آبائهم وأقاربهم وملامسة هؤلاء الأطفال عن قرب لماهية ذلك النظام الذي يغذيهم بتلك الأفكار والمعتقدات، كانت تنفيها بالمطلق، وربما كانت تلك الشعارات والأفكار تكسب العداء من قبل الأطفال عند ما يبلغون سناً لا بأس بها من الرشد بشكل أكبر، فيما لو لم يسمعها بها قط، كونهم عايشوا نقيضها كل يوم  في المدرسة والجامعة والوظيفة والدوائر الرسمية والخدمة العسكرية وخصوصاً من قبل الفروع الأمنية  وغيرها.
أربعون عاماً، ولا حتى ضعفها ولا أكثر من ذلك؛ لم تكن كافية لنظام حافظ الأسد وابنه ليحتلوا عقول السوريين كما احتلوا بلادهم.
أربعون عاما، تحول في نهايتها  "المستقبل الواعد " الذي كان ينتظره النظام من هؤلاء الأطفال إلى (جهنم حمراء) عليه وعلى قواته وبأيدي الأطفال الذين زاروا هذا المعسكر، وقهروا النظام فيه ببنادقهم ومدفعياتهم وإرادتهم لنيل الحرية، ورفض العبودية التي كان النظام يحاول إسكانهم بها للأبد.
أربعون عاماً، علم الأطفال في نهايتها عندما بلغو الشباب، أن بالفعل " أقدامهم حقول " لكن محاصيل حقولهم ليس لهم منها إلا الفتات، فيما تتقاسم غلتها الكبرى المافيا الطائفية التي تدير ذلك النظام.  أما " طريق المصانع " كانت سالكة بملكيتها لرامي مخلوف وأمثاله على كثرتهم، وظائفها وإدارتها لأبناء الطائفة المحسوبة على النظام، ولم يكن لهم منها إلا مديحها  بذلك النشيد.
أما "الرايات التي لمعت" في نهاية المطاف فهي رايات (طلائع الفتح) الذين وعووا أن (البعث) لم يكن إلا طريقاً لكسب الولاءات  في دولة طائفية - أمنية، هضمت حقوقهم طيلة أربعين عاماً أو يزيد.  وأما النصر، كان حليفهم في قضية يؤمنون بها وضحوا من أجلها طيلة أربع سنوات وبذلوا في سبيلها بحراً من الدماء، لا تلك القضايا الخاسرة التي تاجر بها نظام الأسدين وأثقل كاهل السوريين طيلة فترة حكمه، فقط من أجل الحفاظ على بقائه. فكانت الصيحة الأخيرة والنشيد الأخير .. للنصر يا طلائع الفتح.

 

 

 

 

 

سراج برس

المصادر: