حروب إيران الطائفية

الكاتب : صباح الموسوي
التاريخ : 14 مايو 2015 م

المشاهدات : 1054


حروب إيران الطائفية

استخدام الفتن والحروب الطائفية سياسة إيرانية قديمة افتعلتها الحركة الشعوبية الفارسية في العهود السابقة جاعلة من المذهبية عنصر التزام حزبي لتحقيق غايتها. و عند قيام الدولة الصفوية ( 1148هـ 905 هـ ) التي بُنيت على أساس مزج القومية بالمذهبية، كشفت تلك الحركة الشعوبية عن نواياها الحقيقية بوضوح فكما هو معلوم أن الدولة الصفوية التي تبنت التشيع الإثني عشري مذهباً رسمياً لها، قد قامت على إبادة أهل السنة الذين كانوا يشكلون السواد الأعظم لبلاد فارس حيث لم يكن وجوداً حقيقياً للمذهب الشيعي الإثني عشري في تلك البلاد آنذاك و إذا كان من شيعة في بعض المناطق الشمالية والشرقية لإيران فهم من الشيعة الزيدية والشيعة الإسماعيلية من جماعة الحسن الصبّاح (الحشاشون).

وتذكر الروايات الإيرانية أن إسماعيل الصفوي عندما استولى على مدينة تبريز واجه صعوبة بالحصول على مؤذن واحد يلفظ كلمة "أشهد أن علياً ولي الله" حيث لم يسبق لتلك المدينة التركية اللغة وسنية المذهب أن تعرفت على مثل هذه الجملة من قبل.
وعلى الرغم من عدم معرفة السبب الحقيقي الذي دفع بالصفويين لتغيير لقب جدهم صفي الدين الأردبيلي من شيخ إلى " سيد " و ربط نسبهم بالإمام السابع للشيعة (موسى بن جعفر) وتبنيهم المذهب الإثني عشري ليصبح مذهباً رسمياً لدولتهم، إلا أن بعض المؤرخين الإيرانيين لا يترددون في الربط بين رغبة الكنيسة الشرقية التي كانت تسعى جاهدة آنذاك لفتح جبهة في الشرق لإضعاف الإمبراطورية العثمانية و إشغالها عن التقدم نحو الغرب من جهة، وبين العلاقة العائلية التي كانت تربط تلك الكنيسة بالأسرة الصفوية من جهة أخرى، حيث كانت والدة الشاه إسماعيل الصفوي أرمينية تنحدر من إحدى أسر بلاط الملكي الروماني.

كما ربط بعض هؤلاء المؤرخين بين قيام الدولة الصفوية و ظهور الحركة اللوثرية البروتستانتية في أوروبا، ولهذا السبب يعللون اعتماد الصفويين على علماء شيعة لبنان لكونهم كانوا على تماس ومقربة من المسيحيين والأفكار المسيحية دون غيرهم من مشايخ الشيعة الآخرين وعلى الأخص مشايخ الشيعة في العراق الذين لم تكن لهم حظوة لدى الدولة الصفوية.

الصفويون وبعد أن فرضوا مذهبهم بقوة السيف في بلاد فارس، سعوا إلى توسيع دائرة سلطانهم و نشر مذهبهم إلى خارج الحدود وبدؤوا بغزو أفغانستان و بخارى و سمرقند مرتكبين مجازر دامية، ثم بعد ذلك توجهوا إلى الغرب واحتلوا بغداد وحفروا قبر الإمام أبي حنيفة ثم توجهوا جنوباً واحتلوا الأحواز و أطاحوا بدولة المشعشعين.

وبقيت حروبهم على أهل السنة مستمرة حتى غزا الأفغان بقيادة "محمود الأفغاني" مدينة أصفهان عاصمة الصفويين واحتلها وهدّ ملكهم.

و رغم اندحار الأسرة الصفوية وتولي الأسرة الإفشارية زمام الملك في بلاد فارس إلا أن الحرب على الفكر و المذهب السني لم تتوقف من قبل تلك الدولة وكانت الحروب المتواصلة مع الدولة العثمانية تمثل أحد أوجه الحرب الطائفية.

ولو استثنينا فترة حكم نادر الشاه الإفشاري (1160- 1148 هـ) التي شهدت ما يشبه الهدنة مع أهل السنة فإن الأنظمة التي أعقبت الدولة الأفشارية قد واصلت نهج الصفويين وإن كان ذلك بطرق و وسائل مختلفة.

ولم يكن النظام البهلوي (1979- 1926م) العلماني مستثنى من الأنظمة الصفوية و الإفشارية و القاجارية التي قادت الحروب الطائفية، فقد كان النظام البهلوي قد دعم وبشكل كبير حوزة قم و النجف أيام مرجعيات البروجردي ومحسن الحكيم و الخوئي الذين سعوا إلى التمدد عبر بناء المؤسسات في مصر و الهند ولبنان وغيرها من الدول الأخرى حيث كانت تعمل على نشر الفكر الطائفي الصفوي كما أن عمل بعض تلك المؤسسات يتخذ وسيلة لجمع المعلومات الاستخباراتية لصالح نظام الشاه، كما هو الحال في الوقت الحالي حيث تقوم أغلب هذه المؤسسات بالتجسس لصالح النظام الإيراني أو تنفيذ مخططاته في نشر الفتن وخلق النزاعات بين أبناء البلد الواحد.

وتأكيداً لذلك فمن طريف ما ينقله أحد وكلاء مرجعية حوزة النجف في مصر فترة السبعينيات وهو السيد "طالب الرفاعي" المقيم في أمريكا حالياً، (وهو الذي صلى على جنازة الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي الذي مات و دفن في القاهرة عام 1980)، إنه وحين كان في زيارة لآية الله محسن الحكيم في النجف سأله صهر الحكيم و مدير مكتبه " إبراهيم اليزدي الطبطبائي" قائلاً له، يا سيد طالب أين وصلت في نشر مذهبنا في مصر، هل جعلت المصريين يلعنون عمر بن الخطاب؟.

ومع انتصار الثورة الإيرانية وقيام نظام ما يسمى بالجمهورية الإسلامية، فقد أصبحت سياسة تصدير التشيع الصفوي جزءاً من استراتيجية نظام الملالي لخلق الفتن الطائفية و شق صفوف المجتمعات العربية و الإسلامية متخذاً من شعار التقريب بين المذاهب وسيلة للتغطية على أهدافه الحقيقية التي تضمر العداء والكراهية لأتباع المذاهب الإسلامية.
وبهذا الخصوص يقول زعيم أهل السنة في إيران " و الذين ينتمون إلى أقوام وشعوب مختلفة " الشيخ عبد الحميد مرادزهي " إن أهل السنة يمثلون 25 في المئة من سكان إيران أي 18 مليون شخص وهؤلاء الملايين لا يوجد بينهم وزير أو محافظ واحد، كما لا يوجد سني واحد من بين أعضاء هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، و منذ 27 عاماً ونحن نطالب بالترخيص لبناء مسجد لأهل السنة في العاصمة طهران و لكن الحكومة ترفض الموافقة على هذا الطلب ". علماً أن الدستور الإيراني الذي وضع على أسس طائفية حرم المواطن السني من تبوؤ منصب رئاسة الجمهورية وجعل هذا المنصب محصوراً بأتباع المذهب الشيعي فقط.

وعن الازدواجية التي يظهرها النظام الإيراني في ادعائه بالعمل على التقريب بين المذاهب الإسلامية يقول الشيخ عبد الحميد، إن مسؤولي مجمع تقريب المذاهب يسافرون إلى أماكن عديدة في العالم من أجل التبليغ لمشروعهم ولكن مع الأسف أن هذا المجمع لا يعمل في الداخل كما يظهره في الخارج وهذا الأمر يثير لدينا التساؤل حيث نحن في الداخل لدينا مشاكل عديدة تواجه هذا المشروع فلماذا لا يسعون إلى حلها أولاً؟.

مؤكداً أن رفع معاناة أهل السنة في إيران أهم بكثير من رفع شعارات التقريب والوحدة التي ليس لها واقع على ظهر الأرض في الداخل الإيراني.
فبعد فشل تحقيق أهدافهم في تصدير ثورتهم عن طريق القوى العسكرية التي أفشلتها تجربة حرب الثمانية سنوات مع العراق، لجأ قادة النظام الإيراني ومرجعيات حوزاتهم الدينية، إلى سياسة اعتماد التفرقة الطائفية في البلدان العربية اعتماداً على جعل الحزب المذهبي وسيلة ليسهل عليهم عملية اختراق تلك البلدان ونشر الفتن الطائفية.

و هذا ما تؤكده حالة الاقتتال الطائفي التي مر بها العراق ويمر بها اليمن اليوم حيث يدور الاقتتال بين الحكومة وجماعة التمرد الحوثي الذين يتلقون أوامرهم من مرجعيات حوزة قم الإيرانية.

كما أن هناك مجادلات واتهامات حادة تدور حالياً بين بعض المتشيعين ورجال دين ومثقفين في عدد من الساحات العربية حيث يعتبر الكثير من المراقبين أن ظاهرة المتشيعين الجدد إنما هي حركة سياسية تقف ورائها أيادٍ إيرانية.

بطبيعة الحال هذا ليس اعتراضاً على الآخرين باعتناق ما يرونه مقنعاً لهم من الناحية العقائدية ولكن الاعتراض هو دخول هؤلاء المتشيعين في لعبة النظام الإيراني الذي يسعى إلى تصدير أفكاره السياسية تحت عباءة نشر فكر التشيع فيما هو يقمع بقوة أهل السنة الإيرانيين ويهدم مساجدهم ويغلق مدارسهم و يعتقل ويعدم علماءهم، ويمارس نفس الأسلوب كذلك مع الشيعة العرب الأحوازيين حيث يحرمهم من أبسط حقوقهم القومية ويعتقل و يعدم أبناءهم بتهمة البعثية تارة والوهابية تارة أخرى لمجرد أنهم لا يقرون سياسته الشعوبية.
وهنا يظهر نفاق النظام الإيراني الداعي للتقريب بين المذاهب من جهة، و قمعه لأهل السنة الإيرانيين واستغلال بعض الشيعة والمتشيعين لأهداف سياسية تخدم مشروعه الطائفي الساعي لإثارة الفتن و تمزيق البلدان العربية، من جهة أخرى.

 

 

إيلاف

المصادر: