البائس والأمير

الكاتب : محمد حايك
التاريخ : 5 إبريل 2014 م

المشاهدات : 1890


البائس والأمير

سمعت يوما على الأخبار أن الأمير هاري ابن ولي العهد شارلي وحفيد ملكة إنكلترة إليزابيت، اراد أن يشعر بحياة البؤساء المشردين فقضى ليلة معهم مختفيا داخل لباسه ونام معهم في زوايا الشوارع.
وفي الصباح سلطت عليه الأضواء وامتلأت صوره على صفحات الأخبار. وحُمد وبُجل على تواضعه لقضاء ليلة في ثكنات المشردين. وصار محطة لأسئلة الصحفيين وأقلام الكاتبين وعدسات المصورين، وتمثالا لأنظار المعجبين. أما البائس الحقيقي بقي في زوايا الشوارع مع المهملين.

 


دخل الأمير زوايا المشردين فسلطت عليه الأضواء، ولو أقترب المشرد من قصر الأمير لزج به في السجون. سألوا الأمير عن شعور البؤساء، ونسوا البائس صاحب الشعور.
وهل البائس كائن فاقد الإحساس لا يستطيع وصف الشعور؟
فلا يستوي شعور من قضى ليلته مع البؤساء ليغير نمط حياته وليجذب إليه الأضواء، مع شعور من أجبر على عيشة البؤساء.
فليس كل من خالط البؤساء بائس. ولا يستوي شعور كل من دخل السجن، فليس كل من دخل السجن سجين.
وليس كل من دخل المستشفى مريض.
وليس الميت كزائر القبور.
وليس كل من في الشارع مشرد.
أين أنت من شعور البؤساء يا أمير؟
هل دخلت في ظلمات الحياة يوما فلم تعد ترى المخرج منها؟
هل يئست من الحياة يوما كما يئست أصحاب القبور؟
هل مرت بك لحظات تنظر فيها إلى من حولك عسى أن ترى بصيص نور فلا ترى إلا مقتاً في العيون وأجساداً فقدت الشعور.
هل مرت بك لحظات ترى أفمام من حولك تتحرك فلا تسمع صوتا أو همسا؟
لا تدري هل من حَولك اشباح موتى بدون أصوات، أم أصاب الناس خرس، أم هو صم ضرب على أذنيك فلم تعد تسمع شيئا؟
إنه إجهاد سببه الياس أصاب العقل فلم يعد يستجيب.
كالمعذب في معتقلات الظالمين، أُرهقت أعصابه من ضربات السياط ولسعات الكهرباء فمات عنده الشعور.
هل أصابك بسبب اليأس يوما ألم شديد في الحلقوم؟ فلم تعد تشتهي الطعام والشراب، وكأن حبل المشنقة يشد على عنقك فتخرج من الحنجرة أصوات جرشة ترتعش لها أوصال سامعها فلا يدري هل هي أصوات جني أم زئير اسد مقهور؟
لم تمر بك هذه اللحظات يا أمير، فلماذا تتكلم عن شعور البؤساء؟
أين أنت من البؤساء المشردين يا أمير؟
هل عشقت يوما طعم الموت؟ إنك لتلعن الموت كما يلعن البائس الحياة.
هل سمعت بالبائس الكئيب الذي قضى ليلة شتاء قارس في بيت مهجور؟ فاستحب طعم الموت على الحياة فعلق مشنقته ليفارق الحياة.
وهل المشنقة أرجوحة البؤساء؟ إن للموت طعم حلو شهي يستسيغه البؤساء يا أمير.
هل سمعت بالتونسي الذي أحرق نفسه بسبب قهر أصابه في طلب لقمة عيش شريفة؟
هل سمعت بالمعذبين الذين تسقط عليهم القنابل ليل نهار من رئيسهم المزعوم؟
هل حدثتك نفسك لتقضي ليلة في خيم اللاجئين؟
هل وقفت على التلفاز لتستجدي مساعدة العالم لهم؟
هل سمعت بأصوات الثكالى منهم تستجدي العالم وهي تقول لن نسجد لذلك الرئيس المزعوم، لن نسجد إلا لرب العالمين؟
هل سمعت بالأب ينوح على جسد ابنته الملقى أما بيته بعد أن اغتصبت ليل نهار؟
أين أنت من حياة البؤساء يا أمير؟ لو شعرت بحالهم لبعت قصرك لتنقذ المشرد المنكوب.
فالحياة عندك نور ساطع وعند البائس ظلام قاتع، فهلاَّ فكرت يوما أن تريه بعض ذلك النور؟
لمَ تتاجر بعيشة البؤساء يا أمير؟ قل لي بربك هل أزعجوك؟ فـوليد تسجـد الدنـيا له وولـيـد في زوايا المهمـلـيـن ومن تسجد له الدنيا قد يتاجر بمن في زوايا المهملين!

المصادر: