الحرب الأهلية في اصطلاح البُلهاء

الكاتب : أبو عبد الله عثمان
التاريخ : 13 يونيو 2012 م

المشاهدات : 1393


الحرب الأهلية في اصطلاح البُلهاء

قد يظن بعض العوام في لغة البلهاء أن الحرب الأهلية مشتقة من الأهالي حينما تقوم حرب بينهم أو بين طوائفهم، غافلين أن عليهم بل وعلى جميع من يحاول أن يخرج من عاميته تلك ويقتحم أمواج تلك اللغة الحمقاء أن يدرك أن هذه اللغة لا تعرف القواعد أولاً، وثانياً هي لا تؤثر عليها المشاعر والآلام، بل هي قاسية لا تعرف سوى التلاعب بمآسي الناس على حساب مصالح تلك اللغة والناطقين بها.

 

إن هذه اللغة هي التي تُستخدم اليوم بين الدول الكبرى في قضية الثورة السورية العظيمة التي دُوِّلت، بعد أن ظن الشعب أن في التدويل مخرجاً لهم من وحشية طاغوت، فكانت على طاولة عدد من الطواغيت! لم يكن أي خيار أمام أولئك الطواغيت إلا أن يتظاهروا أنهم مع الشعوب، وخاصة أنهم أمام شعب يعرف كل أهل الأرض أنه مقهور مظلوم، ولذلك ظهر منهم سخاء في التصريحات المؤيدة للثورة والمنددة بالقتل... وحينما بدأت الثورة تنتقل إلى طاولات الأمم بدأنا نتخوف ونتوقع أن ما سنشهده على أيدي الأمم من اللف والدوران سيكون أضعاف ما رأيناه في أروقة الجامعة العربية، لقد كان أمل تلك الدول أن تكون الجامعة العربية قادرة على إيجاد حل تصالحي بين الشعب وقاتله، ولكن ذلك كان مستحيلاً بسبب قوة الثورة الشعبية أولاً، وغباء النظام الذي أخذته العزة بالإثم والقتل والإجرام ثانياً... وكان الوقوف إلى جانب ذلك النظام السوري مع ذلك الحجم الكبير من الإجرام لا بد فيه من البحث عن حذاء صلب معتاد على تحمل مثل تلك الأهوال الوحشية في قمع الشعوب، وفعلاً كان وجود ذلك الحذاء قريب المنال عندما رأيناه متمثلاً في وجه لا فروف وبوتين، وكانت أقدام أمريكا بذلك الحذاء في غاية الأبهة والحماية من تسرب أي شك في نوايا وألاعيب وتسويفات ذلك البيت الأبيض وحصانه الأسود، ولم يكن تفوق النظام في التوحش والإجرام هو الأشد إحراجاً لتلك الدول بقدر ما كان إصرار الشعب ويقظته وفطانته هو الأكثر إرباكاً لها وهي التي تدعي حفظ الأمن وترعى مجالس السلام!! ولو أن النظام السوري كان متجاوباً معهم وقادراً على ضبط نفسه ولجم كلابه عن القتل والتدمير لكانت أكبر خدمة يخدم بها النظام تلك الدول الكبرى ليساعدوه على الحفاظ على نفسه وكبح جماح ذلك الشعب المتمرد... لكنه لم يكن عند حسن ظنهم، ولم تكن تلك الفرص والمهل التي قدموها له إلا زيادة في إحراجهم، وفي الحشد العالمي لتأييد تلك الثورة. ولذلك نقول إن ذلك المجتمع الدولي السخيف سيبقى في مسعاه لحماية الدولة السورية من ذلك الشعب خوفاً منه أن يصل إلى السلطة التدوالية والدولة المدنية التي هي اللبنة الأولى في نهضة الأمة وحضارتها[1]. نعم سيبقى ذلك المجتمع الدولي على هذه الحالة ولن تؤثر به الدماء ولو تدفقت، ولا الأطفال ولو ذبحت، ولا المدن ولو دمرت حتى تظهر ملامح الحرب الأهلية...!!!!! وهنا نعود إلى العنوان الذي بدأنا منه في تفسير تلك الحرب الأهلية في لغة هؤلاء البلهاء، فنجدها أنها وبكل وضوح هي عدم قدرة النظام على السيطرة على الأرض. هذه وهذه فقط هي الحرب الأهلية التي يتخوفون منها، وهذه الحالة الوحيدة هي التي تجعلهم يفكرون حقيقة بطريقة ما للسيطرة على ذلك الشعب سواء بإسقاط الأسد أو بالحوار معه أو حربه أو حرقه على الطريقة اليمنية.. لا يهمهم، إنما الذي يهمهم فقط هو السيطرة على الشعب السوري الثائر، وهنا قد نتعرض لخلاف بين أولئك البلهاء السفهاء، فنجد ثمة من يذهب إلى ذلك الهدف بتوسيع الأزمة وجعلها أزمة إقليمية مصطنعة تذوب معها معاني الثورة النبيلة، وتضيع في طياتها كل المعاني الحضارية التي يحلم بها الثوار لدولتهم الجديدة. وآخرون يريدون فرض الهدوء على المنطقة بأي طريقة خوفاً من سيطرة جيوش الثورة على الدولة السورية مما يصعب عليهم لاحقاً إخضاع ذلك الجيش تحت الإرادة الدولية، ثم بعد فرض الهدوء تخلو لهم الساحة ليعيدوا ترتيبها بما يحلو لهم ولا يعكر على لغتهم البلهاء.
إن جميع تلك الدول يعلمون أن الجيش الحر قادر على إنهاء تلك المأساة، ويعلمون أنه مؤهل لعملية تحرير يُسقط فيها ذلك النظام المجرم، ويعلمون أنه هو الوحيد المؤهل للمحافظة على الوحدة الوطنية، وهو الوحيد اليوم الذي يمكنه منع نشوب أي حرب أهلية باصطلاح العقلاء لا البلهاء ولا ينقصه إلا الدعم والتسليح المنظم، إنهم يعلمون أن هذا الطريق الأسهل لإيقاف تلك المجازر والظلم والمآسي؛ لكن هذا الحل يتجاهلونه، بل ويتبادلون أدواراً تمثيلية سمجة يتعللون فيها يوماً بروسيا ويوماً بالصين ويوماً بالانتخابات ويوماً بالحرب الإقليمية.
إننا اليوم أمام صمت مريب لا أقول صمتاً عن الكلام بل صمتاً عما يدور فيما بين تلك الدول ولا ندري بم ستنطق به تلك الوجوه الشاحبة في الأيام القادمة من مبادرات أو مقترحات أو حلول، والنظام يحاول تحقيق بعض الإنجازات بكل وحشية ليثبت أنه ما زال قوياً لكنها أيام ولن تطول لتفتح الستارة ونكتشف مسرحيات دولية جديدة، وخاصة أن الأرض في كل ساعة تحكي إنجازاً أو تقدماً أو نجاحاً للثورة السورية بفضل من الله سبحانه وتعالى.
لن يخيفنا بعد اليوم صمت العالم بقدر تخوفنا من كلامه، فلقد دمر شعبُنا بصبره وتحمله وإصراره كلَّ أنواع الصمت العالمي، وليس عليه اليوم إلا أن يدمر كل أنواع الكلام العالمي، ليقدم كلامه فقط ومبادراته فقط وحلوله فقط ويجبر على العمل بها والرضوخ إليها تلك الدول الكبرى الشمطاء العجوز.

 

.........................

[1] ليست الدولة المدنية هي اللبنة الأولى في نهضة الأمة وحضارتها، لأنها منهج مستورد من الغرب. (نور سورية )

المصادر: