أوقفوا القتل!!

الكاتب : السوري الثائر
التاريخ : 9 مايو 2012 م

المشاهدات : 5090


أوقفوا القتل!!

تسارعت خطواتي على وقع القصف الصاروخي المخيف على بابا عمرو فكانت تتعثر حسب وقع القذائف على الحي المنكوب، لم أعرف إلى أين أتجه! فالشظايا تتناثر من حولي يمنة ويسرة، ولازال زئير المدافع يطن في أذني ليومنا هذا، دخلت منزلاً مهدماً كي أحتمي من سيل نيران مدفعية دبابات الجيش (السوري) (الوطني) الذي قرر دك الحي بأكمله لكي يخلصنا من جور (العصابات المسلحة) بناء على طلبنا -حسب زعمه-.

 


اتكأت على حائط شبه مهدم وأنا أسمع نحيب الأرامل وبكاء الأطفال وآهات الرجال المكلومين المفجوعين بموت أهليهم وذويهم.
لم يدم ذلك طويلاً حتى عادت القذائف تنهال مجدداً على المنزل الذي التجأت إليه، فقررت مغادرة المنزل بسرعة مما أنقذ حياتي، حيث سقطت قذيفة صاروخية على ذاك الحائط المجروح أصلاً فحولته أشلاء ممزقة، واختفت الأصوات فجأة ولم أعد أسمع سوى دقات قلبي تتسارع بشكل عجيب حتى أنني لم أشعر بالشظية التي اخترقت فخذي الأيمن إلا عندما رأيت الدماء تسيل غزيرة من مكان الإصابة، عندها أحسست بالانهيار وتوقفت إرادة الحياة واستسلمت للموت، ونظرت إلى الأعلى أنتظر ملك الموت كي يخطف روحي من جسدي، وأنا أقول: اللهم توفنا مسلمين وتقبل منا يا كريم.
لم تمر دقائق وأنا شبه فاقد للوعي، ولكنني أذكر تماماً ما حدث، حيث ظهرت فتحة من الجدار كأنها فتحة من نور ظهرت فجأة، وخرج منها رجل ضخم البنية مقطب الوجه مفتول العضلات، سحبني من بين الركام وقال لي: لا تقلق سآخذك إلى المشفى الميداني ولكن أرجوك أن تبقى صاحياً لأنه علينا أن نعبر أكثر من ثلاثة منازل حتى نصل هناك، قلت له: اتركني أرجوك هناك من في حاجتك أكثر مني وأصابته بليغة وبحاجة لرعاية، فقال لي: لا تقلق هناك غيري يساعد الآخرين.
وصلنا للمشفى الميداني وتمددت على طاولة العمليات حيث قال لي الطبيب: سنخرج الشظية من فخذك الأيمن ولكن أعتذر منك لا يوجد لدينا مخدر كي نخفف عنك الألم، لذلك أرجو منك أن تحتمل ذلك، أومأت له بالموافقة لكي أتخلص من آلامي الشديدة ولكنني غبت عن الوعي عندما قام ذلك الطبيب بسحب الشظية من جسمي المنهار.
استيقظت بعد العملية وأنا أشعر بألم شديد في ساقي ولكن الذي خفف عني هو رؤيتي لذلك الشاب البطل الذي أنقذ حياتي وحياة الكثيرين في ذلك الحي الجريح.
إنه بطل من أبطال الجيش السوري الحر، ذلك الجيش الذي قطع عهداً على نفسه بأن يحمي المدنيين السوريين من فظائع القتل والتدمير.
لم أستطع البقاء في حي بابا عمرو بعد العملية فالوضع كان خطير جداً، مما دفعني أن أفكر بالخروج من الحي بأي طريقة، فقررت النزوح (كما نزح أهلنا في القنيطرة عام 1967م إبان الاحتلال الصهيوني لقراهم وتدميرها، كما جرى في بابا عمرو اليوم)، واجترعت مرارته وفهمت مضامينه واجترحت آلامه، وشعرت بألم رهيب يعتصر قلبي، إنها المرة الأولى التي أغادر فيها مدينتي العصماء حمص الأبية.
اتجهت للعاصمة المحتلة دمشق علي أجد فيها الحضن الرؤوم، تجولت في شوارعها وأنا أحمل عكازي الغليظة اتكأ عليها بسبب إصابتي التي سببت لي عاهة مستديمة في ساقي اليمنى، ورأيت مدينة تسكنها الأشباح، رأيت فيها بشراً وجوههم شاحبة، صفراء اللون، باردة، لا تقاسيم ولا تعابير فيها، أين سكانك يا شام!!!!!!!!!!!!!
وصلت لمبنى البرلمان الذي كان في الخمسينات منارة عظيمة للديمقراطية تلهم بنورها الكثير من الدول الصاعدة اليوم، شاهدت شباباً وشابات يرفعون لافتات كتب عليها "أوقفوا القتل"..
وقفة صامتة أمام البرلمان، سررت كثيراً من هذه المبادرة الدافئة، ولكنها للأسف لم تستمر سوى دقائق معدودة حيث انقض رجال الأمن على هؤلاء الشباب كما تنقض الذئاب الجائعة على ضحاياها، تفرق الجمع بسرعة ورأيت كيف يقوم هؤلاء المجرمون باستخدام العصي الكهربائية في إرهاب إرادة الحرية، ولكن هيهات هيهات، فلقد وقف بعض هؤلاء وقفة عز وتلقوا الضربات وهم واقفين بكل عز فخار، وكأنهم يرسلون رسالة، بأنكم هزمتم بصمودنا.
ورأيت شاباً آخراً يركض مسرعاً هرباً من الكلاب المسعورة، واتجه حيث أقف فسحبته بسرعة من يده إلى داخل المبنى الذي أقف بقربه، وقلت له بصوت الواثق: ابق معي سأنقذك من هؤلاء، رأيت نظرة المستسلم لقدره في عينيه الذابلتين والخوف يعشعش فيهما.
وبعد عدة دقائق وعندما تأكدت بأن رجال المخابرات قد رحلوا، هدأت من روعه وقلت له: ماذا تفعل أمام البرلمان؟؟؟
قال لي: نظمنا أنا ورفاقي وقفة احتجاجية ضد القتل الذي يحدث في سوريا وأطلقنا حملة شعارها " أوقفوا القتل ".
قلت له: ولكنها عبارة مبهمة، ماذا تعني فيها بالضبط؟ فأجابني: إنها تعني أوقفوا سفك الدماء.
قلت له: ماذا تعني بذلك؟!!!!!
قال لي: نحن نريد أن يتوقف القتل من كل الأطراف.
قلت له: أي الأطراف تعني!!!!!!!!!!
أجابني بنبرة بدا أنها متوترة بعض الشيء: كل الأطراف يعني النظام والجيش الحر....
قاطعته بصوت هادئ: إن عبارة أوقفوا القتل يجب أن لا تكون مبنية للمجهول، لأن القاتل، المجرم، الذي يسفك دماء السوريين معلوم وليس بمجهول.
وإنك عندما تقول لي أن هذه العبارة موجهه للجميع، فكأنما تقول لي أنه ليس من حق المغتصبة أن تدافع عن نفسها، ولا من حق السجين أن يئن من الألم، ولا من حق القتيل أن يرفع يده كي يدرأ نصل السيف عن وجهه، ولا من حق رب الأسرة أن يذود بنفسه في وجه أعتى آلة القمع والقتل دفاعاً عن كرامته وكرامته أسرته.
كيف تساوي الضحية بالجلاد....
إن عبارة: أوقفوا القتل.. يجب أن توجه للقاتل وليس للقاتل والقتيل معاً.
إن القاتل في سوريا معلوم لدى الجميع، ولا أحد يستطيع أن يكذب على نفسه ويقول إن الجلاد والضحية كلهم في المسؤولية على حد سواء.
هذه هي رسالتي لمن يقف على خط الوهم.

عاشت سوريا حرة أبية،،

المصادر: