روعة الاستشهاد والفقر في القدرة على البناء

الكاتب : محمد العبدة
التاريخ : 9 يناير 2020 م

المشاهدات : 475


روعة الاستشهاد والفقر في القدرة على البناء

هو السؤال الكبير : لماذا يتقن المسلمون الكفاح والجهاد وتقديم التضحيات لدفع الأعداء وتحرير البلاد من قبضة الاحتلال الأجنبي ولكن عندما تحين ساعة البناء والتأسيس ويحين العمل السياسي والمفاوضات والمداخلات والعلاقات الداخلية والخارجية عند ذلك يكون التقصير وتكون الأخطاء ثم الإخفاق ، ثم تذهب الجهود ويتقدم الذين لم يقدموا جهداً ، بل كانوا يتحينون الفرص المناسبة للوصول لغاياتهم ولقطف الثمرة .

لماذا نحن قادرون على هدم ما نريد ولسنا قادرين على بناء ما نريد ؟ هل بسبب ضحالة التجربة السياسية ؟ أم لأن السياسة ليست كما نظن أنها بالأمر السهل ، بينما هي علم وخبرة وتعاون وتشارك ومعرفة بالعالم .

وإذا لم نتقنها فإن لها ( دروباً مظلمة يتعثر فيها السائر في كل خطوة ) كما يقول مالك بن نبي : وأن الجهل بها يؤدي إلى الشقاء والتعاسة وكما قيل : إن خطأ الجاهل بالطب يودي بشخص واحد ، أما خطأ السياسي فقد يودي بأمة وإذا كنا بحاجة لتعلم التقنية الحديثة فإننا بحاجة أكبر لإتقان السياسة وقراءة الفكر السياسي ، خاصة في هذا الصراع المستحكم في العالم اليوم . إن الأمثلة على هذا الفارق بين بذل الجهود المخلصة الكبيرة وبين النتائج التي لم يحسب حسابها بدقة لتكون لمصلحة البلاد والعباد الأمثلة كثيرة ومنها :

الثورة المهدية في السودان ، لقد انتصرت على الإنكليز ، أكبر قوة امبراطورية في وقتها انتصرت المهدية بأسلحة بسيطة وشعب بسيط ، ولكنها لم تتمكن من إدارة دولة كان ذلك في القرن التاسع عشر الميلادي ، وفي العصر الحديث أسقط الجهاد الأفغاني امبراطورية الاتحاد السوفيتي أو ساهم مع عوامل أخرى في إسقاطها ، لكن الذي وقع بعدئذ كان كارثياً ، اختلف المنتصرون وذهبت ثمرات الجهاد والجهود والتضحيات في المال والنفس .

وفي الجزائر قامت جمعية العلماء المسلمين بأعمال عظيمة في تثبيت هوية الجزائر المسلمة ، ورسخت في أذهان عامة الشعب حب هذا الدين والتفاني في الدفاع عنه ، وعندما وصلت الأمور إلى السياسة والمفاوضات مع فرنسا ، سايرت الجمعية بعض السياسيين الانتهازيين ظناً منها أن هؤلاء يدفعون عن الشعب نوائب الحكومة الفرنسية ، وقامت الثورة لتحرير الجزائر من الاستعمارالفرنسي وكان وقودها الذين تربوا على يد جمعية العلماء ، ولكن الاتجاه انحرف بعدئذ وجاءت المفاوضات واستقر الأمرعلى حكومة علمانية اشتراكية .

وفي المغرب العربي تسلل اللادينيون إلى الأحزاب الوطنية الإسلامية مثل حزب الاستقلال وحزب الشورى ، وضعفت هذه الأحزاب مع مرور الزمن .

وفي الهند نشأت فكرة انفصال باكستان على أساس ديني ، ومن الذين فكروا في هذا الانفصال الفيلسوف والشاعر المسلم محمد إقبال ، ولكن الذي قاد هذا الانفصال ( بعد وفاة إقبال ) زعماء حزب الرابطة الأثرياء المتفرنجين وعلى رأسهم محمد علي جناح .

وهناك أمثلة أخرى معروفة ، تمثل هذه الحالة وتعيد الأخطاء ، وكأنها لا تقرأ التاريخ الحديث أو تقرأه دون تبصر وتدبر .

نحن بحاجة إلى رؤية واضحة قبل العمل وأثناء العمل ما الذي نريد ، وكيف يتحقق وكيف نتجنب سرقة الثورات والجهود .

نحن بحاجة إلى الموازنة بين المثاليات وبين الواقع الصعب على الأرض .

وإلى العلم ـ بشتى فروعه ـ لأنه هو الذي يقود ولا يُقاد ، وإلى دراسة التاريخ ومعرفة أحوال العالم ، لكي نتحقق من مواقفنا ومواقعنا .

المصادر: