ما حكم إجراء عقد الزواج بوسائل الاتصال الحديثة؟

الكاتب : المجلس الإسلامي السوري
التاريخ : 13 فبراير 2019 م

المشاهدات : 762


ما حكم إجراء عقد الزواج بوسائل الاتصال الحديثة؟

السؤال: ما حكم إجراء عقد الزواج بوسائل الاتصال الحديثة؟ وهل هو أولى أو التوكيل في عقد التزويج؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فإنّ الزواج مِن سنن المرسلين وشريعة رب العالمين، وقد عنيت به الشريعة عناية بالغة، واهتمت بإنشائه على أسس سليمة تضمن استمراره وتحقّق أهدافه، كما احتاط الشرع المطهر بجملةٍ من الأحكام التي تضمن صحة هذا العقد، وسلامته من العيوب والأخطاء، ومن ذلك:

– توفر ركن الزواج مِن الإِيجاب الصادر مِن وليّ المرأة، والقَبول الصادر من الزوج، وهذا الركن يتضمّن الدلالة على رضا طرفي الزواج، وتوافُقهما.

– تحقق شروط صحة الزواج والتي من أهمها:

1- إذن ولي الزوجة وموافقته؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيُّما امرأةٍ نكحتْ بغير إذن وليّها فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فنكاحُها باطلٌ، فإنْ دخل بها فلها المهرُ بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ له) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

2- حضور شاهِدَيْ عدل لعقد الزواج، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إِلا بوليٍّ وشاهِدَيْ عدل) أخرجه ابن حبان والدارقطني.

ومما شهده العصر الحالي ثورة الاتصالات والتقنيات التي أصبح لها أكبر الأثر في حياة الناس، حتى إنها دخلت في أنواع التعاملات بيعاً وشراءً؛ فما مدى مشروعية الاعتماد على هذه الوسائل في عقد الزواج؟

حكم هذه المسألة فيما يلي:

أولاً: الأصلُ في عقد الزواج أن يكون بطريق مباشر بحضور طرفي عقد الزواج (الزوج وولي المرأة)، مع الشهود، ويمكن عقد هذا الزواج في بلد الزوج أو الزوجة، وإذا شق ذلك فيمكن أن يوكّلَ الوليُّ شخصاً في بلد الزوج فيعقد له مع حضور الشهود،أو يوكّل الزوج شخصاً في بلد الولي فيعقد له مع حضور الشهود، وقد قرر أهل العلم جواز التوكيل في عقد النكاح.

ثانياً: اختلف الفقهاء المعاصرون في حكم عقد الزواج عبر وسائل الاتصالات بين مانع ومجيز ومحتاط للأمر، بناء على عدة اعتبارات مؤثرة في الحكم؛ أهمها: حكم عقد الزواج كتابةً، وتحقق اتحاد مجلس العقد بجلسة التواصل الاجتماعي، والتوثق من توافر الشروط والأركان، وعدم حصول الخديعة والخطأ في هذه العقود؛ لإمكان التلاعب صوتاً وصورةً وغير ذلك.

ويمكن القول: إنّ عقد الزواج بالوسائل الحديثة؛ إما أن يقع بالكتابة والمراسلة كالرسائل النصية والبريد الإلكتروني، وإما أن يكون بالمراسلة الصوتية، وإما أن يكون بالاتصال الصوتي عبر الهاتف أو برامج المكالمات الصوتية، وإما أن يكون بالمكالمات المرئية التي تجمع الصوت والصورة (فيديو):

1-  فأما عقد الزواج بالمكاتبة والمراسلة فلا يجوز عند جمهور أهل العلم؛ لاشتراط التلّفظ بالإيجاب والقبول، قال النووي في «روضة الطالبين»: (إذا كتب بالنكاح إلى غائبٍ أو حاضرٍ: لم يصحَّ. وقيل: يصحُّ في الغائب، وليس بشيء)، وقال الدردير في «الشرح الصغير»: (ولا تكفي الإشارة ولا الكتابة إلا لضرورةِ خرس).

2- وأما عقد الزواج بالرسائل الصوتية فهو لا يختلف عن المراسلة الكتابية؛ من حيث عدم اتحاد المجلس، ووجود الفاصل بين الإيجاب والقبول، وعدم حضور الشهود للإيجاب والقبول، فلا يجوز عقد النكاح بهذه الطريقة، قال ابن قدامة في «المغني» : (حكم المجلس حكم حالة العقد، فان تفرقا قبل القبول: بطل الإيجاب؛ فإنه لا يوجد معناه؛ فإنّ الإعراض قد وُجد من جهته بالتفرق، فلا يكون قبولاً، كذلك إذا تشاغلا عنه يما يقطعه؛ لأنه مُعرِضٌ عن العقد أيضاً بالاشتغال عن قبوله)، وقال النووي في «روضة الطالبين» : (يشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول على الفور؛ ولا يضر الفصل اليسير، ويضر الطويل).

3- وأما إجراء عقد الزواج بالاتصال الهاتفي والبرامج الصوتية فقد أجازه جمعٌ من أهل العلم المعاصرين بشرط توفر جميع الإجراءات التي تضمن صحة العقد، من وجود الولي والشاهدين، والتأكد من شخصية الزوجين بالمعرفة أو السماع، وسماع الشهود لطرفي العقد في مجلس واحد لا يكون فيه فصل أو انقطاع، بحيث يسمع كلُّ طرف كلام الطرف الآخر في الوقت نفسه، فيكون الإيجاب من الولي أو وكيله، ويليه القَبول من الزوج أو وكيله على الفور، مع الأمن من التدليس والغلط، فلو اقتصر سماع الشهود على الإيجاب الصادر من الولي فقط، أو على القبول من الزوج لم يصح العقد.

ويرى المجلس الأخذ بهذا القول بضوابطه المذكورة عند تعذر إجراء العقد بالطرق المعتادة، وتعذر التوكيل بعقد الزواج؛ مراعاة لأحوال السوريين، ودفعاً للمشقة عنه.

4- وأما إجراء عقد النكاح بالمكالمات المرئية فهو أولى بالجواز من المكالمات الصوتية؛ لإمكان مشاهدة طرفي العقد حال إبرام العقد والتلفظ بالإيجاب والقبول، ولانتفاء الخداع والخطأ غالباً، فيجوز إبرام عقود النكاح بهذه الطريقة مع مراعاة الضوابط السابقة المذكورة في الفقرة السابقة.

ونؤكد على أهمية أخذ جميع الاحتياطات اللازمة للتأكد من صحة هذا الزواج ونفي الغش أو الغرر عنه، ومنع الخلاف حوله في المستقبل من: التأكد من سماع جميع الأطراف لما يجرى في العقد، وخاصة الشهود، والتأكد من فهمهم لكل ما يقال، بإعادة التلفظ به، واحتفاظ كل طرف بما يمكن من إثبات هذا العقد سواء تسجيل صوتي أو مرئي، أو عقد كتابي، ونحو ذلك لتكون وسيلة إثبات عند الحاجة.

ثالثاً: إذا لم يحصل العلم بتوفر الأركان والشروط، أو وقع الشك فيه، أو لم يُتحقق من وجود أطراف الزواج وسماع بعضهم لبعض، أو عدم القدرة على عقد مجلس الزواج متصلاً مستمرًا، أو وجود ما يثير الريبة، أو إمكانية حصول الخطأ أو وجود غرر أو تلاعب ولو من أحد الأطراف: فيتعيّن العدول عن إجراء العقد بهذه الوسائل، والمصير إلى التوكيل بالزواج.

رابعاً: يوصي المجلس بالحرص على توثيق عقود الزواج رسمياً في دوائر الدولة التي أُبرم فيها، فقد تبين من خلال الوقائع المتعلقة بالسوريين في السنوات الماضية أنّ عقد القران غير الموثق رسمياً تسبب بمشاكل كثيرة، وضياع للحقوق، واختلاط للأمور، لا سيما في حالات الفراق أو وجود شكاوى أو خلاف بين الزوجين، وكثيراً ما يتعذر جمع الشهود أو إثبات العقد بسبب ما يمر به السوريون من عدم الاستقرار، وقلة التقوى عند البعض، مما يحتّم الاهتمام بتوثيق العقود، والمسارعة إلى ذلك، حفظاً للحقوق، ومنعاً للمفاسد، والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.

المصادر: