هل على الله أن ينصرنا في حلب و غيرها حقاً؟

الكاتب : محمد ديرانية
التاريخ : 22 نوفمبر 2016 م

المشاهدات : 939


هل على الله أن ينصرنا في حلب و غيرها حقاً؟

الله موجودٌ دائماً.. ويبصرُ الدماء والأرواح المُسلمة والمظلومة، وهي تُزهقُ منذ بدء الخليقة وسيظل يبصرها حتى قيام الساعة، لكنه سبحانه سنّ سنناً وشرع قوانين ليعبُر عليها عباده إلى رفع الضر والانتصار، وتغيير الحال لحال؛  وأطلعهم أنّها الطريقُ الوحيدُ الموصلُ إلى النّصر، أن لا ينتظروا حلول النصر في محطة أخرى.

الله سبحانه لا يكافئُ بالنّصر من سالت دماؤه بسبب تقصيره في الإعداد وتخلّفه عن السّنن، مهما صرخَ ونادى، وظلّ على تقصيره. فالصراخ دون عملٍ أوإعدادٍ رميٌ مُبطّنٌ للتهمة على الله سبحانه عن عباده، وإخلافه بما وعد به، وفيه من الإساءة بالأدب ما فيه.

النصرُ .. إنّما يمنحه الله لعباده الذين بذلوا جهدهم بالإعداد، والتفتيش عن السنن الملائمة وتحقيقها، ولمن تصبب العرقُ منهم، وسالت دماؤهم برهاناً وإثباتاً على صدقهم بالتضحية، وجدّيتهم في طريق رفع الظلم ومدافعة الظالم، وعلى رغبتهم الحقيقية بتغيُّر الحال في غمرة القصف والدم (تقول الناسُ ومنشورات الفيس بوك المتعاطفة مع شهداء حلب)

إن دماء المسلمين المظلومة في حلب، ودعاء الأيامى والأرامل والأيتام، لن تذهب هدراً أو سدى، وأن الله سينصرهم، ولو بعد حين، كونهم تعرضوا لقتل وسفك كبير في الدم بهذه الصورة المريعة، إلا أنّ سنن الكون تقولُ شيئاً آخر:

تقولُ: إن الله يختزنُ عنده دعوات المظلومين، وقضايا المضطهدين، ليأخذ لها حقّها ممّن ظلمها، في الدنيا أو في الآخرة، سواء كان الظالمُ هو العدوّ بشكل مباشر، أو ممّن كان بإمكانه أن يجيبَ تلك الدعوات وخذلته ذنوبه ومشاريعه الهامشية بشكل غير مباشر.

كما أنّ السّنن تقولُ شيئاً آخر مهماً جداً، وهي أن الله يغير صورة الواقع، وينتقم وينزل نصره بواسطة عبيده أنفسهم، لا بقدرٍ استثنائيّ فجائي يأتي بغتة، عبيدٍ لهم مواصفات خاصة، يحققون شروطاً خاصة، ويلتزمون منهاجاً ومفاهيم خاصة، لم تكن حكراً يوماً عن أحد، أومحجوبة عنه، ولقد أشار الله لهذه المعادلة بأكثر من موضع:

[فسوف يأتي الله بقومٍ يحبّهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزّة على الكافرين].

[إن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم].

***

إذاً.. الله سينتقم وسيستجيبُ دعوة من ظُلم، لكنّ ليس ضمن الموازين الحاليّة، ليس بهذا التشرذم والتفرق المُخجل، ليس بوجود الامبراطوريّات المصغّرة التي تتنازعُ على أرضٍ لم تتحرّر بعد.. ليس بالمواصفات الحالية.!

(كيف سينتصرُ فريقٌ إذا ما خمدت جبهتهم مع عدوّهم، أدوارها فيما بينهم، يتصارعون على النفوذ والسيطرة؟)

ليس كلّ أفراد الفصائل السورية سواسية.. صحيح، وما قد يرتكبه قائدٌ ما، قد لا يرتضيه أحدُ عناصره، والمطلوبُ هو النهي.. نهيُه عن ذلك، الوقوفُ في وجهه.. أن "كفى.. لقد بتنا في العام الخامس.. هل تريدُ أن تمتدّ لعامٍ آخر؟!"

المطلوبُ هو التخلّصُ من الحالة المهيمنة، وهي القبول بالخطأ الممزوج بالركود، والسيرِ بغير خطة ومسار واضح المعالم.

***

من عادة الحقيقة الواضحة أن يكون طعمها مراً ومذاقها سيئاً لأنها تصدمُ الجيل بعيوبه، وتحمله جريرة تردّي الحال وسوء الوضع، وعلى مرّ التاريخ.. دائماً ما كان الناس يتأخرون في الاعتراف بها مكابرة، لما تحمِلها ضمناً بوجههم من اتهامات وتضييق على أهوائهم ونفوسهم فيما لو رضخوا لها.

وفي بعض مراحل التاريخ كان المجتمع يفيءُ للطريق الصحيح، ويرضخُ للمعيار السليم، وبات يطرقُ الغايات من أبوابها الصحيحة، بعد أن تحاصرهم الظروف وتغلبهم أخطاؤهم، ويصبحَ الالتزام والرضوخُ للمسار السليم هو الخيار الوحيد المتبقي إن أراد المجتمع تجنب الهلاك.

***

دعاوى المظلومين لن تذهب سدىً... نعم، والديان لا ينام.. نعم، وسينزل نصره على السوريين.. نعم.. لكن ليس بصاعقة من السماء، ولا بملائكة مسوّمة، ولا بفيضان من البحر المتوسط، وإنما بواسطتهم هم، بعد أن يستفيقوا من وهم امبراطوريتهم المصغرة، وينبذوا المشاريع الدخيلة، وتتوجه بنادقهم بالكلية جهة النظام.

على السوريين عامة، وقادة الفصائل خاصة أن لا يتوقعوا أن الله سينزلُ صاعقة تقتصُّ من الظالم والقاتل لشدة إجرامه وطغيانه، فيما هم ذاتهم قد أهملوا شروط النصر والتغيير.

ربّما في ظروفٍ استثنائيّة جدّاً.. وبآخر المطاف، قد يعاقب الله الظالم من فريق المضطهدين، المعنيُّ بتأخر النصر، ليستبدلهم بآخرين مناسبين ويصلحون لإكمال المشوار بنقاء ونظافة، مع من تبقى مكافحاً حياً من الشعب.

إلّا أنّه اللطيف.. الرحيم.. الحليم.. يمهل.. ويمهل.. ويمهل.. وتسجّلُ كتبتَه سائر ما يجري، ويتركُ العذابَ للخيارات الأخيرة، غير غافلٍ عما يقترفُ الظالمون.

لم على الله أن ينصرنا في حلب وغيرها؟ إن لم نؤدِّ ما علينا مما طلبه بالفعل؟!

التساؤل عن تأخر نصر لم يُنتظرَ قطاره في المحطة الصحيحة، ولم يُطرق من بابه المناسب، ولم يُؤخذ بأبسط سننه.. إنما هو (سوء أدب، وتحميلٌ لله مسؤوليات ليست من شأنه، واتهامٌ مبطنٌ له بالتقصير)

 

 

السوري الجديد

المصادر: